لم يكن هذا الصباح عاديًا في حياة سلطان المسلمين صلاح الدين الأيوبي، إذ وصلت إليه لفافة من دمشق، موسومة بتوقيع مشايخها، آتية بنبأ جلل، فألقى بها أمامه وزفر مغاضبًا فقد وصلت إليه في وقت لم يكن مناسبًا أبدًا.

إذ تكالبت عليه الحوادث من كل حدب وصوب، وكثر أعداؤه، الفرنجة من الشمال، وبقايا الفاطميين من الجنوب، وفرق الحشاشين من فجاج آسيا. كان آخر ما ينقصه أن يسوق إليه القدر رجلًا يشق وحدة صفوفه، دافعًا به إلى رحى الهزيمة، وهو الذي لم يعرف يومًا سوى طعم الانتصار!

خرج السلطان من مسكنه، امتطى جواده ساهمًا، وفي رأسه تتخبط عشرات الأفكار. لطالما أبغض المتصوفة والمتفلسفين، هو رجل سيف ورمح، خاض من المعارك ما يكفيه لعدة أعمار، وفي كل مرة كان يحدوه الأمل أن تكون الأخيرة، غير أنه من رماد كل معركة كانت تنبعث نيران حرب جديدة.

ألا يكفيه من المعارك هزيمة الفرنجة في حطين، وطردهم من رحاب القدس، آن له أن ينال شيئًا من الراحة، استعدادًا للقادم الآتي لا محالة، بلغته أنباء نداءات الثأر التي جابت أرجاء أوروبا، فكان نتاجها جيوشًا جرارة، تنشد أمرًا واحدًا.. الانتقام.

أفاق صلاح الدين من شروده مع ذلك الزفير الخافت لجواده، وعبثه بقائمته بتراب ذلك التل الموازي لهضبة المقطم، مشرفًا على أعمال بناء القلعة الجارية على قدم وساق، وكأنما يعلن نهاية الرحلة التي اعتادها عصر كل يوم.

غير أن الفَرَس لم ير أمارات عدم الرضا التي اكتست وجه فارسه، وهو يراقب العمال والبنائين يقطعون الأحجار من قلب الجبل ويسوونها، وأسرى الفرنجة يحفرون الأساسات، والفلاحون يحفرون بئرًا تجري مياه النيل مباشرة إليها، وقوافل البغال تجر أعمدة المعابد الفرعونية الآتية من قلب الصعيد، والحرس قائمون عليهم جميعًا. قطع عليه مشهد تلك الحركة الدؤوب صورة عامله بمصر بهاء الدين قراقوش مهرولًا تجاهه بجسده المكتنز، ليتلو عليه في سرعة ما أنجز في ذلك اليوم، إلا أن السلطان قاطعه بصوت صارم: «أريدك أن تبني سجنًا» ومن هنا كانت البداية…

سجن القلعة.. اسمٌ يُذكر فيرتعد القائلُ والسامع

تبدو القاهرة في الليل مدينة لا تنام، تظهر من بعيد أضواؤها التي تُحيل ليلها إلى نهار، لكن هناك مكان لا تصله الأضواء، يبدو مستعصيًا على التاريخ والجغرافيا معًا، ثابتًا في مكانه منذ تسعة قرون أو يزيد، قلعة صلاح الدين، وبداخلها ما كان يومًا ما أكثر الأماكن وَحشَة وظُلمة في القاهرة، سجن القلعة، بزنازينه الـ42، وبغرف تعذيبه الثمانية، قابعًا هناك، بين أحضان الجدران الصخرية، وكأنه بشموخه يسخر ممن استعانوا به للظلم، إذ رحلوا هم، وبقي هو شاهدًا على الوجه الأقبح لسيرهم.

زنازين سجن القلعة

ربما لو كان السجن يتكلم  لانبعثت كلماته من جوف الظلام، لتقص حكايات عذابات وصرخات شهدتها غرف نزع الاعتراف به، لكن الزائر للسجن ليس بحاجة لسماع قصصه حتى يستشعر رهبة الدماء التي سفكت على عتباته، دماء الرجل الذي بني لأجله سجن القلعة، قربان يليق بأسطورة تولد، وجدرانه بعد غضة طرية لم تتماسك.

البداية: السهروردي.. السجين الأول

متصوفًا كان، قلقة روحه، هائمة في جنبات الكون الشاسع، لا يروي تعطشها للمعرفة محض التأمل في أرجاء الملكوت. ينظر من بين يديه ومن خلفه فلا يرى سوى رمال الفلاة على مدى البصر، يراقب الليل يسدل أستاره، يلج في النهار، في آية من آيات الخالق لا يدركها إلا قلب مرهف.

دائمًا ما كان الليل مأواه للتفكر، تأتيه تلك الومضات اللامعة في جوف الليل فيغيب فيها، تأخذه وترده، يجد فيها خلاصًا لروحه، فتغدو تلك القافلة التي تضمه صورة باهتة، ويتلاشى من وعيه ذلك القيد الذي يدمي معصميه، وتبدو أصوات الحراس وراءه وكأنها آتية من هوة سحيقة، آمرينه بالتوقف لقضاء الليل في مأوى بعض أشجار السدر المتناثرة.

يعرضون عليه الطعام، فلا يقبل منه سوى كسرة خبز ورشفة ماء، مثيرًا فيهم التعجب. الرحلة شاقة، والمسير طويل، مع ذلك يكتفي من الزاد بنزره اليسير، ربما لو علموا بما تورثه إياه مشقة الرحلة من سعادة لازداد في قلوبهم التعجب، فكأنما يجد روحه في المشقة، سعيًا وراء يقين يتوق إليه. أما السكون فكان له مبعثًا لذكرى الأحداث في رأسه، أكان ذلك بالأمس لما فارق مع حراسه سهول فلسطين؟ وكم مرة منذ غادروا من قبلها روابي الشام إلى قيظ الصحراء وخشونة الرمال.

كيف انتهى به المطاف إلى القيود، مرتحلا من سجن دمشق إلى القاهرة. سبقته إلى هناك أنباء ظهوره التي وصلت للسلطان صلاح الدين الأيوبي، وأمر لأجله ببناء سجن القلعة؟

شهاب الدين السهروردي

حملته الذكريات إلى مسقط رأسه في أحضان جبال فارس، سهرورد، ومنها إلى منبع المعرفة الأول، أصفهان، حيث تعلم أصول الشريعة والفقه، وبها اتسعت مداركه وأفكاره، ومعهما كان تعطشه للعلم لا يرتوي، فلم تعد أصفهان تسعه، فخرج منها متبعًا نصيحة أحد أساتذته يوم أرهقه بأسئلته، ومن رحم كل إجابة كان سؤال جديد يولد: «ابحث عن أسئلتك في هذا العالم الواسع، ولن يعطيك سوى أجوبة في غاية الضيق».

حملته قدماه إلى الأناضول، وعلى أيدي المتصوفة هناك تعلم رصد الأفلاك، وإشارات الكون. وفي مارديني انعزل للعبادة مرتهبًا في صومعة الرهبان نهارًا، ومشاركًا للدراويش ابتهالاتهم ليلًا مع كل نجم جديد يولد. ثم كان أن سار كما يسير الفرات، إلى حيث الوجهة الأخيرة، حيث أرهقت الحروب الطويلة مع الصليبيين جسدها المثخن بالجراح، دمشق.

هناك قصد المسجد الأموي، وتحت أقدم أعمدته جلس، ولم يكد يكشف العلم الذي يحمله بصدره، حتى نال من ذيوع الصيت ما لم ينله كبراء علماء المدينة، فقصده المريدون، واستزاد من علمه المستزيدون. حتى تردد اسمه على مسامع حاكم حلب، الملك الظافر ابن السلطان صلاح الدين، فبعث في طلبه ليكون له معلمًا. من أعماقه انبعث تساؤل جديد؛ أكان اغتراره ببريق عباءة الحاكم، وانبهاره بقصر الملك، أول حلقة في ذلك القيد الذي يغل يديه؟ أم أن محبسه عقوبة القدر له يوم استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، رداء علماء الملك برداء المتصوفة الزُهّاد؟

«تديُّن في خدمة الخيانة».. كيف تورط الشيوخ في شرعنة احتلال فرنسا للبلاد المسلمة؟

محمود السعدني.. سجين «زي ما أنت شايف»

بعد رحيل السهرودي بأكثر من 850 عامًا وتحول مصر من الملكية إلى الجمهورية وقف الكاتب محمود السعدني على عتبة بابه يقوده الحرس بغلظة إلى زنزانة من زنازين السجن، ربما خطت قدماه حينها على آثار قدم السهرودي، اختلفت الظروف وتبدلت الأحوال، لكن السجن وقسوته كان العامل المشترك بين كل تلك القرون.

من داخل السجن نفسه، يقص الكاتب محمود السعدني حكايته مع سجن القلعة في كتابه «الطريق إلى زمش» وزمش هي اختصارٌ لجملة «زي ما أنت شايف» وهو الاسم الذي أطلقه السعدني على تنظيم سري أسسه بنفسه داخل السجن كان الغرض منه تخفيف حدة الجد الذي يرونه بالهزل، والضحك بين أنّات البكاء، يقول السعدني في كتابه: «ثلاثة أيام والأبواب مغلقة، والمساجين مكدسون كالسردين في الزنازين.. وأتاحت هذه الأيام الثلاثة للعبد لله أن يتأمل الزنازين التي بنيت في العصور الوسطى لينزل بها الأمراء الخارجون عن طاعة السلطان. كانت الجدران في سجن القلعة مبنية من حجارة شبيهة بأحجار الأهرامات، وكانت سميكة إلى الحد الذي يكفي لعزل ساكني الزنزانة عن العالم الخارجي، ولم يكن في الزنزانة أي منفذ للهواء إلا ثقب في السقف مركب على فتحة ماسورة أشبه بشكمان السيارة. أما الباب فهو من الحديد الصلب، وسمكه أكثر من 10 سنيمترات، وله مزلاج خارجي يحدث صريرًا، عند عملية الفتح والقفل، أشبه بصرير تروماي شبرا عند الدوران».

من داخل دهاليز القلعة الضيقة_ المصدر: (malaysia29)

ويذكر السعدني في كتابه أن في هذا السجن الكئيب، عاش ومات مئات من الأمراء والقادة والوزراء والمماليك، ونزل به عشرات من أبطال ثورة عرابي، واستخدمته كل العهود وكل الحكومات في حبس أعدائها والمناوئين لها، والذين تحوم الشكوك حولهم، وبسبب هذا السجن لقي السلطان المظفر قطز حتفه وهو راجع من معركة عين جالوت، بعد نصره التاريخي على التتار في حادثة لا تقل غموضًا عن دهاليز السجن.

فقد حدث أن قال له الظاهر بيبرس: «لقد وعدتني بولاية حلب بعد المعركة، وأنا الآن في انتظار تنفيذ وعدك»، لكن السلطان الظافر قطز ابتسم للظاهر بيبرس وقال له: «انس هذا الوعد فأنا أريدك بالقرب مني في القلعة» وقلبت العبارة مخ الظاهر بيبرس، فما الذي يقصده قطز بعبارة «أريدك بالقرب مني في القلعة؟» إن بالقلعة قصر السلطان والسجن، وليس هناك شيء آخر، لا بد أنه يقصد السجن ولا شيء آخر، فأضمرها الظاهر بيبرس في نفسه وحانت له الفرصة بالقرب من غزة، عندما رمح السلطان وراء غزال يريد اصطياده، فلمح الظاهر بيبرس خلفه ورماه برمحه، فاستقر بين ضلوعه وسقط ميتًا على الفور.

هرب منه الوالد واستبدّ به الولد

داعبت أنامل الخديوي إسماعيل تلك اللفافة القديمة القابعة على سطح مكتبه الفخم بقصره الجديد، تعيد له كلماتها ذكريات أيام خلت. كان قد تولى مقاليد الحكم بمصر لثلاث سنوات قبل أن تصله تلك اللفافة من الباب العالي تعلن تنصيبه رسميًا واليًا لمصر، وما يتبعها من الأراضي بأوامر السلطان العثماني.

على الفور أصدر إسماعيل تعليماته ببناء قصر عابدين، ليكون مقرًا للحكم بدلا عن القلعة وكأنه كان مقُدّرًا للسجن الأسطوري أن يحاول السجين والسجّان أيضًا، الهرب منه.

إذ كره تلك الحجارة الصماء التي تتألف منها جدرانه على مرمى البصر من كل اتجاه. فهو الذي عاش سنوات عمره الأولى طالبًا للعلم بعاصمة الجمال والنور باريس، ثم مبعوثًا بعدها في مهمات رسمية إلى بابا الفاتيكان وإمبراطور فرنسا وسلطان تركيا، ورأي بعينيه كيف كانت قصورهم؛ ما كان ليطيب له المقام بقصر القلعة.

في هدوء الليل كانت تخترق مسامعه أصوات الصراخ المنبعثة من ذلك البناء القابع هناك، سجن القلعة العتيق. يجافي النوم عينيه حين تراوده خيالات من قادهم قدرهم للنزول فيه، وقدر العذاب الذي عانوه بزنازينه، فكان أول قراراته أن يعاد بناؤه ليصير أكثر آدمية، وعقد العزم على ألا يسكنه أحدٌ من المصريين، فصار مقتصرًا على الأجانب، كونه في عزلة عن أواسط العوام.

عبد الرحمن الجبرتي.. شيخ أرّق محمد علي حيًا وميتًا

غير أن الخديوي إسماعيل لم يجل بخاطره أن ابنه توفيق سيتولى توسعة السجن عندما تؤول إليه الأمور من بعده، ليضم إليه 44 زنزانة جديدة، وأربعة غرف للتعذيب، ولا يعود حكرًا على الأجانب. فضمت زنزاناته بين جدرانها المصريين مجددًا؛ وخاصة بعدما تصالح الوالي العثماني مع المحتل على حساب عرابي ورفاقه، ثم كانت البقية الباقية حين استقدم توفيق لوميان الفرنسي في مهمة قومية تحفها السرية، لبناء زنزانة نزع الاعتراف، على غرار تلك الموجودة بسجن الباستيل الفرنسي الوحشي.

بهاء الدين قراقوش.. السجّان الذي وضع «فخ» الضوء في نهاية النفق!

قبل قرون من توسعة توفيق للسجن كان صانعه الأول في حيرة من أمره، لم تكن تتوفر له نفس الإمكانات التي توفرت لتوفيق، الفارق بين الزمانين مئات الأعوام، لكن الهدف كان واحدًا.

حل الليل، وغادر السلطان موقع البناء مخلفًا وراءه حيرة بالغة، وعشرات الأسئلة. حاول قراقوش لفت انتباه مولاه إلى أن شيئًا من البناء (القلعة بأكملها) لم يكتمل بعد، لا أماكن الإقامة ولا الأسوار والتحصينات، غير أن السلطان عاجله بإصراره على البدء بالسجن أولا، فلم يملك من أمره سوى السمع والطاعة.

بهاء الدين قراقوش_ مصدر الصورة (flickr)

جمع معاونيه من فوره، فردوا الأوراق والرقع المرسوم عليها مخططات القلعة، لتحديد أي الأماكن هو الأنسب لبناء السجن المزعوم، وفي أذهانهم جميعا دار سؤال واحد، أي سجن هذا وأي سجين ينتظره؟ على أن أحدًا منهم لم تعنيه الإجابة، سوى بمقدار تحديد التصميم الأنسب للسجن، أيكون السجين المرتقب واحدًا من قادة الفرنجة؟ إذُن يجدر بأسواره أن تكون عالية ذات بأس، لتصد أي هجوم محتمل. أم تراه متمرِدًا من الفاطميين، إذا يكون السجن نفقًا تحت الأرض لا يخرج منه أبدًا. أما لو كان واحدًا من فرقة الحشاشين، فحينها يجب أن يكون حارًا وخانقًا، ليناقض برودة موطنه بسهوب آسيا.

أعيا التفكير قراقوش وأعوانه، الذين تطلعوا إليه في صمت، كيف له أن يعرف وهو الذي لم يتسن له بناء سجن من قبل؟ لطالما كانت السجون موجودة أينما حل، تبدو قديمة كالدهر، وكأنها من صنيع الزمن.

وأخيرًا قال: «فلنجعله سجنًا واسعًا بعض الشيء، حتى لا يظن السجين أن هذا قبره ونهاية حياته، فربما أفرج السلطان عنه، تكفيه نافذة صغيرة في أعلى الجدار، تمنحه بعضًا من الضوء دون أن تعطيه الأمل، ويجب ألا يرى السماء حتى لا تنتابه الرغبة في الفرار والانطلاق، ولتكن الجدران عارية بلا طلاء حتى يحس بمدى خشونتها ويتحسر على نعومة الحياة خارجها، ولتكن الأرض جرداء لتسير الهوام والديدان بين أقدامه فيتعلم منها معنى الضعة والخذلان»، وتعاون الجميع ليتم وضع اللبنة الأولى في الحجارة التي حوت بداخلها صرخات لم يُسمع مثلُها في تاريخ مصر.

تحرّكهم البركات والإلهامات.. ماذا تعرف عن حكّام العالم العربي المتصوّفة؟

طلبة وعمال ومناهضو الملك والثورة.. الجميع مر من هنا!

لا يوجد على باب السجن من يسأل السجين عن هويته، ولا يفرق سوط السجّان فيه بين من ينتمي لليمين أو اليسار، الشيوعي والإخوانيّ، المؤيد لعرابي والمعارض له، الجميع كان من الممكن لكلمة واحدة أن ترميه داخل غياهب السجن لأعوام، ومن هنا كانت أسطوريته، إذ حوى بداخله شتى الأصناف السياسية التي مرت بمصر على مدار زهاء 900 عام من تاريخ بناء السجن وحتى إغلاقه.

يتابع محمود السعدني في كتابه: «وعلى جدران الزنزانة نقوش كثيرة وكلمات أكثر. حديث نبوي كتبه أخ مسلم؛ «اتقوا البرد فقد قتل أخاكم أبا الدرداء» والتاريخ نوفمبر 1948! على جدار آخر عبارة «تحيا لجنة الطلبة والعمال» والتاريخ 1946! في جانب آخر من الجدار «تسقط الملكية الفاسدة» والتاريخ فبراير (شباط) 1952! تحتها مباشرة عبارة «تسقط الفاشية العسكرية» والتاريخ 1954، بعدها أيضا بيت من الشعر «ولست أبالي حين أقتل مسلمًا، على أي جنب كان لله مصرعي» والتاريخ 1954! ثم عبارة أخرى «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا» والتاريخ 1954! في جزء آخر من الجدار عبارة «عاش كفاح الطبقة العاملة» والتاريخ 1959! وفي أسفل الجدار عبارة «عاشت ذكرى مؤسس الإخوان الشيخ حسن البنا» والتاريخ 1965».

عبارات كثيرة هي في الحقيقة تاريخ الزنزانة التي دخلها السعدني، وقد كتبت بأقلام من دخلوها. فقد دخلها الجميع منذ عام 1946، إخوان وشيوعيون وديمقراطيون وعمال وعاطلون ومتآمرون ومشاغبون. ضد الملكية، وضد الثورة، مع الدين، ومع ماركس، وكلهم جمعتهم الزنزانة غالبًا في عصور متعاقبة وأحيانًا في عصر واحد!

المشهد الأخير: دماء السهروردي تروي الجدران!

وصلت قافلة السجين على أعتاب القاهرة، لم يدر الشيخ كم من أيام مرت حتى ساعة الوصول، تشابهت عليه أيام الرحلة. تنسم ملء رئتيه هواء المدينة، ممزوجًا بعبق التاريخ ونسيم مياه النيل. في جوف الليل تبدو قاتمة، تكاد الظلمة تبتلعها، لولا إضاءة المصابيح الباهتة، تصنع بلهيبها ظلالًا للمآذن، فتكسو القاهرة برداء من الرهبة لم يستشعره، إذ استغرق في أمنياته القديمة.

هنا سيجوب أروقة الجامع الأزهر، ثم يجلس في رحاب أعمدته ويحاور علماءه، ويصعد المقطم ليراقب حركة الأفلاك. لم يراوده الشك بأن صلاح الدين سيطلق سراحه فور سماع مظلمته، لم ينتبه إلى اقتراب أحد الحراس منه وبيده خرقة سوداء إلا عندما بادره معتذرًا، «عذرا يا شيخ سهروردي، ولكن الأوامر تقتضي أن نعصب عينيك قبل دخول المدينة». لم يزد على أن هز رأسه في أسى، وتابع المسير.

الواجهة الأمامية للقلعة حيث يقبع السجن الذي دخله السهرودي

وصل الفوج الصغير لمقصده بالقلعة، وبالتحديد أمام السجن الحديث البناء، حيث كان قراقوش متأهبًا لاستقباله، لم يكد يقع بناظريه على ذلك السجين المكبل معصوب العينين حتى انتابته الدهشة، أهذا الرجل الهزيل هو من تكبد السلطان عناء بناء سجن من أجله؟ كان ليكتفي بحفرة يرميه فيها.

أراد أن يركله ويصفعه ويهزأ به، إلا أن الحراس رفعوا العصابة عن عينيه فرأى بريقهما، والوقار الذي يكسو وجهه، انتابته الرهبة، لم يكن قراقوش بالرجل الهين، إلا أن شيئًا في حضور الشيخ دفعه للابتعاد عن محيطه، فتلمس الجدران في طريقه للخارج.

في الصباح كان مقدم السلطان، كان طريقه طويلاً، أو هكذا خيل إليه، هجر النوم عينيه طوال الليل. كان السبيل محفوفًا بالذكريات كعادته، إلا أنها كانت قريبة هذه المرة، لم يمض عليها سوى بضع ساعات، كانت بدايتها عندما دق باب حجرته في جوف الليل، فتح الباب مغاضبًا، منتويًا أن يصب جام غضبه على ذلك الذي جرؤ أن يقتحم خلوته، غير أنه فوجئ بابنه الملك المظفر أمامه، لا يزال طائشا كعهده به، قطع الطريق من الشام إلى القاهرة ليشفع للسهروردي عنده.

قص عليه كيف تآمر علماء حلب على الرجل، لما غلبهم في الفقه والكلام أمام العامة، فأوغر صدورهم ضده، عندها دعوه إلى مناظرة مفتوحة في جامع حلب، وسأله أحدهم: «هل يقدر الله على أن يخلق نبيًا آخر بعد سيدنا محمد» ولم يجب الشيخ إلا بقوله «لا حد لقدرته». اتهموه بالكفر، وتتابعت رسائلهم للسلطان في أمره، فأرسل في طلبه.

كان قلب صلاح الدين يعتريه الوجل، لو كان في طريقه للقاء عدو ما أهمه، ولو كان قائدًا للفرنجة. بيده صد بأس الجيوش عن مدينته، ولكن أنى له أن يصد كلمة شيخ متصوف، تسقط في قلوب رجاله فتبعث فيهم الفرقة؟

انقطعت أفكاره مع وصوله إلى غايته، فتح له قراقوش باب الزنزانة وهم بالدخول لولا أن أشار له السلطان بالبقاء خارجًا. اعتدل السهروردي من رقاده، ودار بينهما الحديث، أعاد عليه الشيخ ما كان من أمره مع علماء حلب، الحكاية ذاتها التي قصها عليه ولده المظفر. حاول صلاح الدين استمالته فأبى عليه، ليخرج من الزنزانة وعلى وجهه أمارات الغضب. فكر في نفسه، هذا الرجل لم يخطئ كثيرًا، إنما جاء في الزمن الخطأ. كان قراقوش في أثره، التفت إليه متمتمًا: «عجل بقتله»، ليرد عليه في وجل: «بودي ذلك يا مولاي، لكني أخاف أن أواجه عينيه»، ليكون جواب السلطان: «لا أحد يريد أن يرى وجهه، اضربه بالسيف على مؤخرة عنقه»

لتشهد جدران السجن أول صرخة مكتومة في تاريخها، ولتروي دماءه حوائط السجن التي لا زالت حتى يومنا هذا شامخة ثابتة في مكانها.

أبداً تحن إليكمُ الأرواحُ

ووصالكم ريحانها والراحُ

وقلوبُ أهل ودادكم تشتاقكم

وإلى لذيذ وصالكم ترتاحُ

*السهروردي

«ارفع رأسك يا أخي».. أنت على باب السجن!

قامت الثورة، وتحولت مصر من الملكية إلى الجمهورية، وترددت أصداء شعار عبد الناصر «ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد» في كل مكان، إلا أن تاريخ سجن القلعة يقص واقعًا مغايرًا، ذكر محمود السعدني بعضه، وترك الكثير.

أصدر عبد الناصر قرارًا بتوسعة السجن للمرة الثانية، وتحويله إلى سجن سياسي، تحت مسؤولية البوليس السري بقيادة شمس بدران وصلاح نصر. ليتحول السجن على أيديهم إلى أسطورة للتعذيب والتنكيل بكل من تسول له نفسه معارضة الرئيس، وتنطبع في وجدانهم صورة لا تنسى لشمس بدران بزيه العسكري والكرباج بيده اليمنى، لتكون مع جدران السجن الصماء شرارة لإشعال جذوة الأدب والفن في أعماق رواده، بداية من جمال الغيطاني بمذكراته «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، وسعيد الكفراوي الذي سجن بسبب قصة قصيرة بعنوان «المهرة» ليصبح هو ذاته بطلًا لرواية نجيب محفوظ «الكرنك».

ولم يذع صيت السجن في أوساط العامة إلا عندما نزل فيه الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وصديق عمره الشيخ إمام، ليؤلف الأبنودي أغنية «اتجمعوا العشاق في سجن القلعة» ويلحنها الشيخ إمام.

لم يكن المثقفون والفنانون فحسب هم ضحايا سجن القلعة، فقد شهد محبس إسلاميين بارزين مثل سيد قطب وابن تيمية، وآخرين مقربين من النظام القومي أمثال لطفي الطوخي وإبراهيم سعد الدين، حتى الرئيس الراحل أنور السادات نفسه كان أسير الزنزانة 54 لمدة ثلاثين شهرًا على خلفية مقتل وزير المالية أيام الملكية، أمين عثمان عام 1946.

أما المفارقة فهي حينما سجن رجال عبد الحكيم عامر بالسجن ذاته الذي كانوا بالأمس جلاديه، بعد نكسة يونيو (حزيران)، وعلى رأسهم شمس بدران نفسه، ولحقهم رجال عبد الناصر بعد وفاته، وكأن القدر يأبى إلا أن يمنح سجن القلعة تاريخًا خاصًا بأن يضم بين جدرانه المسجونين وجلاديهم.

ظل السجن قيد التشغيل حتى عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، الذي قرر إغلاقه نهائيًا، وتحويله إلى متحف للشرطة، ليفتتح في عيدها عام 1986، ويصبح مزارًا عامًا مفتوحًا للجماهير، وتكتب بذلك نهاية قصته، إلا أن ذاكرة كل حجر فيه تحمل حكايات لم ولن تروى، ربما تدلل عليها كلمات قصيدة الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، التي كتبها خلال إقامته فيه بعنوان «السجن»، والتي أورد في مطلعها:

لي ليلة فيهِ

وكلّ جيِلنا الشهيدْ

عاش لياليهِ

فالسجن باب، ليس عنه من محيدْ

والسجن ليس دائما سورًا، وبابًا من حديدْ

فقد يكون واسعًا بلا حدودْ

كالليل.. كالتيهِ

نظل نعدو في فيافيهِ

حتى يصيبَنا الهمودْ

وقد يكون السجن جَفنًا، قاتم الأهداب نرخيهِ

وننطوي تحت الجلودْ

نجتر حلمَ العمرِ في صمت، ونخفيه!

يخبرنا عن حياة «الملك الشاعر».. اكتشاف قصر المعتمد بن عباد بإشبيلية

 

المصادر

تحميل المزيد