بعد نكسة 1967 كان لابد من ثمة انتصار معنوي مصري على جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي أخذ يتمادي في مياه مصر الإقليمية. لكن الرد المصري كان موجعًا بتدمير  أقوى مدمرات البحرية الإسرائيلية «إيلات»، في عملية متقنة فاجأت إسرائيل وكشفت فشل استخباراتها، وخففت من آلام النكسة على المصريين.

إيلات.. مدمرة شاركت في الحرب العالمية الثانية والعدوان الثلاثي

أثناء الحرب العالمية الثانية بنت بريطانيا المدمرة إيلات؛ إذ بدأت في بنائها عام 1942، وأطلقتها عام 1944، وبعد نحو عقد من الزمان وافقت بريطانيا على بيع إيلات سرًا إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي بمبلغ وصل 35 ألف جنيه إسترليني، البيع البريطاني للمدمرة القوية جاء بعد صيانة المدمرة وتكييفها للاستخدام الإسرائيلي في ترسانة السفن البريطانية لتوضع  في الخدمة التشغيلية بالبحرية الإسرائيلية.

موعد البيع عام 1955 قد يشي بالهدف الأساسي منه، وهو مشاركة المدمرة المنتظرة في العدوان الثلاثي الذي شنّته إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على مصر عام 1956، وقد شاركت إيلات بالفعل في العدوان وشاركت في معركة الاستيلاء على المدمرة المصرية إبراهيم الأول، التي غيّرت إسرائيل اسمها بعد الاستيلاء عليها إلى اسم «حيفا».

أمّا بعد النكسة فزاد التغطرس الإسرائيلي على المياه الإقليمية المصرية، وهو تغطرس قادته إيلات تحديدًا بعد أقل من ستة أسابيع من النكسة التي وقعت في 5 يونيو (حزيران) 1967، ففي 11 يوليو (تموز) عام 1967 دخلت المدمرة إيلات ومعها زوارق الطوربيد من نوع «جولدن» داخل مدى المدفعية الساحلية في بورسعيد، ودمّروا زورقين طوربيد مصريين في هجوم بلا ناجين مثل انتهاكًا صريحًا لوقف إطلاق النار.

تدمير إيلات.. الانتقام المصري جاء إسرائيل على حين غفلة

لم ترد مصر ردًا فوريًا عسكريًا على العملية الهجومية الإسرائيلية، وأخذت تُحضر للرد، أما إسرائيل فيبدو أنها ظنّت في الهدوء المصري براحًا جعلّها تتمادى أكثر في المياه المصرية، وتستكشف المدن المصرية من على سواحلها، بل تتوغل في المياه الإقليمية المصرية، ولكنها لم تُدرك جيدًا أن الهدوء كان سابقًا لعاصفة مصرية ستُطيح بالمدمرة إيلات التي تتفاخر بها إسرائيل.

«كانت الرؤية لا تزال ممتازة. كان يمكن رؤية منازل بورسعيد بوضوح في الأفق. وقفنا هناك ننظر إلى البحر، نرغب في استيعاب جمال المشهد وهدوئه، ولكن فجأة كان هناك تقرير عن صاروخ قادم من اتجاه بورسعيد.. وقفت مذعورًا وأنا أشاهد الصاروخ».

هكذا يحكي إسحاق شوشان، قائد المدمرة إيلات عن الأجواء التي شعر بها في الساعة السابعة من مساء يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1967، في كتابه «المعركة الأخيرة لإيلات»، فما جاء من بورسعيد لم يكن مجرد قذيفة واحدة وإنما أربعة صواريخ من طراز «ستيكس» الروسي، يزن رأس كل صاروخ منهم وزن طن من المتفجرات.

صورة توضيحية لعملية تدمير إيلات من البحرية المصرية المنقولة من كتاب «إغراق إيلات»

أما مصدر الصواريخ فكان «لانشا صواريخ» مصريان من طراز «كومر» السوفيتية،  علما بتجول إيلات في البحر الأحمر، وانتظرا تخطي إيلات المياه الإقليمية المصرية ليبدآ هجومهما المتقن على الهدف، لتكون النتيجة مذهلة وصادمة ومدمرة، واعترفت بها إسرائيل. فوفقًا لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قُتل حوالي 47، وأصيب نحو 100 آخرين من بين طاقم السفينة الذي كان يبلغ قوامه 200 فرد. ومن بين المصابين شوشان قائد السفينة نفسه، الذي كان من بين إصاباته كسر في العمود الفقر. الصحيفة الإسرائيلية أكّدت أيضًا أن بعض المصابين قد قُتلوا متأثرين بجراحهم بسبب بطء عمليات الإسعاف الإسرائيلية.

فشل مخابراتي مسكوت عنه.. إسرائيل علمت بالهجوم

مثّل تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات انتصارًا معنويًا كبيرًا للبحرية المصرية، خففت من مرارة النكسة وما أعقبه من تمادي جيش الاحتلال الإسرائيلي وبحريته على الشواطئ المصرية، وانتقامًا للهجوم الحديث الذي نفّذته إيلات قبل أقل من شهر ونصف من تدميرها.

في المقابل مثّل تدمير إيلات خيبة أمل إسرائيلية كبيرة؛ فالمدمرة إيلات رفيعة المستوى والقيمة في البحرية الإسرائيلية، وهي خيبة أمل وحسرة، زادتها ما كشفته وثائق إسرائيلية بأن إسرائيل كانت على علم بالهجوم، ولم تستطع صدّه؛ لتخسر مدمرة من أقوى المدمرات في البحرية الإسرائيلية، إن لم تكن أقواها.

إذ أفادت تحقيقات أجرتها إسرائيل للوقوف على أسباب تدمير إيلات، بأنه قبل ساعات من تدمير إيلات، وصلت إلى المخابرات الحربية الإسرائيلية تقارير كشفت نية المصريين شن هجوم بحري على إسرائيل، وتتبعهم لمسار إيلات، لكنها لم تصل لشوشان، في فشل مخابراتي كبير كشف عنه تقرير سري عن المدمرة لم تفصح عنه إسرائيل إلا بعد 20 عامًا من وقوع الهجوم، بتسريبه إلى صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عام 1987.

يقول شوشان: «في اليوم التالي لإغراق المدمرة إيلات تمكنت بصعوبة من تمييز ثلاثة شخصيات عسكرية إسرائيلية إلى جوار فراشي، أحدهم كان يشعياهو جابيش (قائد جيش الجنوب حينها) الذي سألني: «ألم تستقبلوا برقيتين تم التقاطهما أول أمس من بورسعيد؟» فسألت مندهشًا «أي برقيتين؟» عندئذ أدرك المحققون أنهم يسألون عن شيء لا علم لي به، ففضلوا الاحتفاظ بالمعلومات لأنفسهم وغيروا موضوع الحديث، ثم انصرفوا».

ليس مجرد حاجز ترابي.. لماذا كان عبور خط بارليف معجزة عسكرية حقيقية؟

ومع أن شوشان أصدر كتابًا كاملًا عن «المعركة الأخيرة لإيلات» عام 1993، إلا أنه لم يكشف عن المعلومات أعلاه إلا في عام 2005، وخلال نحو 12 عامًا ظل ضميره يؤنبه لأنه لم يكشف كل ما لديه من أسرار لاعتبارات رآها أخلاقية؛ «خوفًا من إيذاء عائلات الجنود القتلى الذين سيدركون أنه كان بالإمكان منع وقوع هذه المأساة، وأن أبناءهم قد ماتوا سدى، ودون مبرر»، إلى أن كُشف الفشل الاستخباراتي الذي حاول جيش الاحتلال الإسرائيل إخفاءه لسنين طويلة.

ويحكي شوشان بندم عن الغفلة الإسرائيلية: «كان ينبغي على كل عاقل الوعي بأن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي، وأنها ستبادر الى الانتقام لنفسها، ولكن الغرور ونشوة النصر كانا يخيمان على عقول قادة البحرية الإسرائيلية».

كلمة السر: «بين شطين ومية»

هناك فارق بين تدمير المدمرة الإسرائيلية إيلات، وبين تدمير مصر للرصيف الحربي إيلات على ثلاث مراحل: الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1969 حينما دمّرت البحرية المصرية سفينتي «داليا» و«هايدروما»، والثانية في فبراير (شباط) 1970 عندما دمرت مصر ناقلة الدبابات «بيت شيفع» وناقلة الجنود «باتيام»، والأخيرة في مايو (أيار) 1970 بتدمير الرصيف الحربي إيلات بالكامل، وقد دمج فيلم «الطريق إلى إيلات» تدمير المدمرة إيلات والعمليات الثلاث في عملية واحدة على عكس الواقع.

وخلال العمليات الثلاث دخلت البحرية المصرية إيلات خمس مرات، بحسب الرائد نبيل عبد الوهاب، الذي شارك في عمليات الهجوم على الرصيف الحربي إيلات، ويحكي عن كواليس هذه العمليات ومدى علاقتها بالفيلم، ويروي أنها جاءت بعد تعاون مصري عراقي أردني، فمعدات العمليات جاءت من العراق ووصلت إلى الأردن، حيث جاء منفذو العملية لاستلامها في العاصمة الأردنية عمّان.

وكانت السفن الإسرائيلية ترسو في إيلات حينًا، وأحيانًا أخرى تغيب عن الرصيف الحربي، ولضمان وجود سفن في ميناء إيلات، يحكي عبد الوهاب أنه «كان هناك نقطة مراقبة على حدود العقبة إيلات بعلم السلطات الأردنية  تستطيع كشف الميناء، وكانت تفعل ثم تتواصل مع المخابرات في القاهرة عبر جهاز الـ«ssb» والقاهرة كانت توصل لنا المعلومة عبر شفرة في الراديو، كانت موجة إذاعة صوت العرب مسموعة في الأردن، وتم تبليغنا بأنه في اليوم المحدد للتنفيذ ستتم إذاعة إحدى أغنيتين، في حال أن تكون السفن راسية في الميناء ستُذاع أغنية «بين شطين وميه» ليتم التنفيذ، وفي حال خلوّه وتأجيل العملية ستذاع أغنية: «غاب القمر يا ابن عمي».

وبالفعل استمعت الضفادع البشرية المصرية الشفرة المنتظرة في ليلة يوم 16 نوفمبر 1967، ليبدأوا عمليتهم الأولى الناجحة بتلغيم سفينتي «داليا» و«هايدروما» وتدميرهما في إيلات، بقتيل واحد فقط هو فوزي البرقوقي، الذي لم يسقط برصاص العدو كم أظهر فيلم «الطريق إلى إيلات»، ولكن بروحه الفدائية لإنقاذ زملائه.

يقول عبد الوهاب: «كان مع كل منا لغم مكلف بزرعه في السفينة، زرعت لغمي بمنتصف المركب، ونحن في الاتجاه لزرع لغم البرقوقي في مؤخر السفينة شعر البرقوقي بحادث التسمم يقترب منه بضيق التنفس، الحادث يقتل الغطاس خلال دقيقتين، لكن علاجه بسيط وسهل، أن يخرج فوق سطح الماء ويتنفس الهواء الطبيعي وينجو بحياته، وفي المقابل تنكشف العملية بأكملها ويتم القبض على باقي المجموعات التي توجهت لتفجير السفينة الأخرى، فما كان من رفيقي إلا أنه اختار الحل الأصعب؛ بأن تنجح العملية ويموت هو بعد غرس لغمه في مؤخرة السفينة».

معركة الكرامة.. حين هزم العرب أعتى آلات الحرب الإسرائيلية بـ«الأسلحة البيضاء»

المصادر

عرض التعليقات