لماذا تشعر وكأن فمك يحترق عندما تتناول الفلفل الحار، بينما تشعر بالبرودة بعد تناول حبات النعناع؟ ما الذي يجعل الطعام يبدو حارًّا أو باردًا؟ وما الاستجابة التي يدفع الجسم للقيام بها؟ ولماذا يفضل البعض الطعام الحار في حين لا يتحمله البعض؟ هذا ما نحاول الإجابة عنه في السطور التالية، ولكن دعونا أولًا نستكشف متى بدأ البشر باستخدام التوابل أو البهارات؟ ولماذا؟

لمحة عن تاريخ التوابل والبهارات

من غير المعروف لماذا ومتى تحديدًا بدأ البشر بتناول البهارات الحارة. اكتشف علماء الآثار بعض التوابل مثل الخردل مع أثريات بشرية يرجع تاريخها إلى 23 ألف عام. ولكنهم يجهلون ما إذا كانت هذه التوابل تستخدم للغذاء، أم الدواء، أم محض الزينة. ومؤخرًا، عُثر على قِدر يبلغ عمره نحو 6 آلاف عام، يحتوي على أسماك ولحوم بالإضافة إلى الخردل. 

تقول إحدى الدراسات إن البشر بدأوا بإضافة البهارات إلى الطعام لقتل البكتيريا، في حين تقول دراسات أخرى إن استعمال التوابل تطور غالبًا في المناطق دافئة المناخ، حيث تكون الميكروبات أكثر انتشارًا. وبعض النظريات تُشير لاستخدام البهارات في المناطق الحارة لزيادة التعرق، وتبريد الجسم عبر تبخر العرق.

وقد استخدم المصريون القدماء عدة أنواع من مساحيق الأعشاب لحفظ الأطعمة، وعلاج الأمراض، وفي التحنيط؛ إذ كشفت بردية مصرية تعود إلى عام 1555 ق.م عن استخدام عدة أصناف من البهارات والأعشاب في تحسين الصحة مثل الكمُّون، والكُزبرة والشَمَر.

كذلك، استخدم الصينيون القدماء عام 2700 ق.م ما يزيد على 100 نوع من الأعشاب والتوابل في الاستشفاء والتداوي، أبرزها القِرفة الصينية التي تشتهر بها الصين. أيضًا اشتهرت حضارة سومر في بلاد ما بين النهرين – دجلة والفرات – بوفرة أنواع عديدة من البهارات، مثل الزعتر، والكركم، والزعفران، والينسون. ولكن لماذا نشعر بأن هذا حارق، وهذا لاذع، وذاك بارد؟ وكيف تقوم تلك الحبيبات الصغيرة بتأثيرها القوي في أجسامنا؟

«مستقبلات الألم».. سر التتبيلة الحارة

مع أننا كثيرًا ما نقول عن شيء إن طعمه حار، فإن الحرارة فعليًّا ليست بطعم مثل الطعم الحلو، أو المالح، أو الحامض. ولكن ما يحدث في الحقيقة هو أن بعض المركبات الموجودة في الأطعمة الغنية بالبهارات تعمل على تنشيط نوع من الخلايا العصبية الحسية، تُسمى «مستقبلات الألم متعددة الأنماط». 

توجد هذه الخلايا في جميع أنحاء الجسم، بما في ذلك الفم والأنف، وهذه المستقبلات هي المستقبلات ذاتها التي تنشط بالحرارة الشديدة. لذا؛ عندما تأكل فلفلًا حارًّا سيشعر فمك وكأنه يحترق؛ لأن دماغك يعتقد بالفعل أنه يحترق. ويحدث العكس تمامًا عندما تأكل شيئًا يحتوي على المنثول (النعناع)؛ إذ يُنشط المركب البارد المشتق من المنثول المستقبلات الخاصة بالبرودة لديك.

ويوجد قياس متبع لقياس مدى حرارة الطعام، ففي عام 1912، طور الكيميائي الأمريكي ويلبر سكوفيل مؤشر «سكوفيل للحرارة»، والذي يقيس حرارة توابل الفلفل. وتُقاس الحرارة فيه بمضاعفات 100 وحدة، بناءً على كمية السكر والمياه اللازمة لتخفيف الفلفل إلى الحد الذي يجعل المتذوقين لا يشعرون بحرارته. 

ويسجل الفلفل الحلو على مقياس سكوفيل 0 وحدة، بينما تسجل صلصة التاباسكو (صلصة طماطم حارة) ما بين 1200 و2400 وحدة، في حين يسجل فلفل منطقة موروجا في ترينيداد الملقب بـ«العقرب»، وفلفل كاليفورنيا ريبر من 1.5 مليون إلى مليوني وحدة؛ ليتربعا بذلك على عرش أحرِّ الفلافل.   

وضعية «القتال أو الهرب».. هكذا تؤثر التوابل في أجسامنا

عندما تنشط المستقبلات الحساسة للحرارة، يعتقد الجسم أنه ملامس لمصدر حراري خطير، ويستجيب وفقًا لذلك. ولهذا، تجد أنك تبدأ بالتعرق، وتتسارع نبضات قلبك؛ إذ إن الفلفل أثار الاستجابة الخاصة بوضعية «القتال أو الهروب»، التي يستجيب بها الجسم لمعظم التهديدات التي يتعرض لها.

وتُسمى المادة الموجودة في الفلفل الحار الكابسيسين، والتي تُحفز هذه المستقبلات لإحداث شعور بالحرقان. ويمكن أن يؤثر هذا الشعور في الفم، والمعدة، والعينين والجلد عند التلامس، وقد تسبب المستويات الشديدة منه الغثيان، أو صعوبة التنفس.

ولكن الأطعمة الحارة ليست جميعها حارة بالطريقة نفسها؛ إذ يكمن الفرق في أنواع المركبات الموجودة بها. على سبيل المثال، تتكون مادتا الببرين، والكابسيسين الموجودتان في الفلفل الأسود، والفلفل الحار من جزيئات كبيرة وثقيلة، تُدعى «أميدات الألكيل»، ويبقى معظم هذه الجزيئات في الفم.

أما عن الخردل (المستردة)، والفجل الحار، والوسابي (الفجل الياباني) المعروف بطعمه اللاذع، فيتكون من جزيئات أصغر تُدعى «أيزو ثيوسيانات»، والتي يمكنها أن تطفو بسهولة لتصل إلى جيوبك الأنفية. ولهذا؛ يحرق الفلفل الحار فمك، بينما يحرق الوسابي أنفك. ومع هذا، لماذا يحب البعض الطعام الحار ويستمر في إخضاع نفسه له؟ 

ما بين الحب والنفور.. هل يقل تأثير التوابل في محبيها؟

السبب وراء حب البعض للبهارات الحارة أمر غامض قليلًا، فالبنسبة للبعض تناول الطعام الحار مثل ركوب لعبة الأفعوانية، فهم يستمتعون بالإثارة التي تعقب ركوبها، حتى إذا كان الإحساس المباشر غير ممتع. وقد أظهرت بعض الدراسات أن أولئك الذين يحبون تناول الأكل الحار في الأغلب يستمتعون بالأنشطة عالية الأدرينالين، مثل القمار، والقفز بالمظلات، وغيرها من الرياضات المتطرفة. وقد يكون تذوق الطعام الحار نتيجة عوامل وراثية. 

على الجانب الآخر، يجادل بعض الخبراء بأننا نحب الفلفل الحار لأنه مفيد لنا؛ إذ يمكن أن يساعد في خفض ضغط الدم، وقد يكون له بعض التأثيرات المضادة للميكروبات، ويزيد من إفراز اللعاب، ويمكن أيضًا لألم الفلفل الحار أن يقتل الآلام الأخرى. 

وإذا كنت تفكر في أن تتدرب قليلًا لترفع من قوة تحملك للطعام الحار، فإن نتائج الدراسات لا تشجعك على ذلك. وفقًا لإحدى الدراسات، لا يقل الشعور بالألم الناتج من تناول الطعام الحار مع كثرة تناوله، وأن الأشخاص الذين يحبون الأطعمة الغنية بالتوابل لا يشعرون بألم الإحساس بالحرق بدرجة أقل من أولئك الذين لا يتناولونها بالمعدل ذاته، بل يبدو أن محبي الطعام الحار يحبون الألم أكثر.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
ثورة التبغ.. 4 مواد لن تصدق أنها أشعلت حروبًا وثورات طاحنة

المصادر

تحميل المزيد