لطالما استمتعنا بمشاهدة مغامرات القراصنة، في بحثهم الحثيث عن الكنوز، ومشاهدة أساطيلهم المرعبة في أعالي البحار، على الشاشة السينمائية وحتى في بعض إنتاجات الإنمي. غير أن تلك المغامرات ليست حبكة وليدة من قلب هوليوود، إنها استلهام من قصص حقيقية خلال العصر الذهبي للقراصنة، إبان بدايات القرن الثامن عشر، حيث أسس القراصنة جمهوريتهم الخاصة في ناساو في الخليج الكاريبي.

خلال تلك الفترة، ظهرت أسماء أشهر القراصنة الخالدين، من إدوارد تيتش الملقب باللحية السوداء، وسام بيلامي، وجاك راكهام إلى هورنيجولد، وتاشرلز فاين، وماري ريد، إلى جانب قراصنة آخرين، فما قصة هذه الجمهورية؟

بدايات صعود القراصنة

في عام 1670 وصل المستعمرون البريطانيون جزيرة ناساو، الموجودة بجزر الباهاماس في الخليج الكاريبي، وأنشأوا هناك مستوطنة جديدة، ستصبح في ما بعد قاعدة خلفية لمركز القرصنة.

الموقع الجغرافي لجزيرة ناساو

الموقع الجغرافي لجزيرة ناساو

كانت الحرب آنذاك مندلعة بين الإنجليز والإسبان والفرنسيين في تنافسهم على بقاع العالم الجديد؛ القارة الأمريكية، وكان القراصنة جزءًا أساسيًّا منها؛ حيث كانت كل حكومة تغض الطرف عن تابعيها من القراصنة طالما يستهدفون فقط سفن الأعداء التجارية، وهكذا بدأت حرفة القرصنة تجذب آلاف الرجال وبعض النساء من كل أوروبا، الذين هاجروا إلى جزر الكاريبي.

تقع جزيرة ناساو في موقع إستراتيجي؛ إذ كانت صلة ربط لطرق التجارة بين البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، وبدت خليجًا محميًّا بشكل طبيعي ومنطقة راحة أو انتظار للسفن التجارية، مما جعلها مكانًا مثاليًّا لممارسة القرصنة. وسرعان ما بدأت أعداد القراصنة تتزايد شيئًا فشيئًا إلى أن أصبحوا قوة مسيطرة على الجزيرة، ولا سيما بعد تخلي الإداريين الاستعماريين البريطانيين عن حكم مستوطنة ناساو في 1704.

خلال تلك الفترة اشتهر القرصان هنري أفيري، الذي عاث في البحر نهبًا وقرصنة حتى أصبح فاحش الثراء، ثم لجأ هاربًا إلى ناساو بعد أن أُدرج اسمه على رأس قوائم الاعتقال في جميع أنحاء العالم. تعقبته شركة الهند الشرقية البريطانية إلى المكان واختفى مرة أخرى دون أن يسمع عنه أحد، إلا أن حكايات ثرائه السريع ومغامراته البطولية ألهمت جيلًا جديدًا من القراصنة الأوروبيين.

بحلول عام 1713، انتهت الحرب الإسبانية الإنجليزية، وبذلك انتهى عمل العديد من القراصنة المفوضين، وزال غطاء الحماية للحكومة التي يدينون لها بالولاء، إلا أن الكثير منهم فضلوا الاستمرار في أعمال القرصنة على السقوط في البطالة، فارتحل العديد من القراصنة إلى جزيرة ناساو قادمين من مختلف مناطق الخليج الكاريبي، فتحولت الجزيرة إلى خلية قراصنة يهيمنون على المستوطنين المحليين.

ابتداء من هذه اللحظة سيبدأ العصر الذهبي للقرصنة، وستصبح ناساو ملاذًا دائمًا للقراصنة، حيث سيبرز بنيامين هورنيجولد، بصفته واحدًا من أقوى قادة القراصنة، والذي سيقرر تنظيم مجتمعهم في ناساو، وهكذا أعلن قيام «جمهورية القراصنة» بالجزيرة الكاريبية.

الآباء المؤسسون! قيام جمهورية القراصنة

في ذلك الوقت، كانت ناساو تضم حوالي 100 من السكان المحليين وحوالي ألف قرصان، وكان يحكمها الأعراف الخاصة بالقراصنة، والتي تقضي بأن تصوت أطقم القراصنة بالأغلبية في اختيار قادتهم، واحترام ملكيات زملائهم من القراصنة، ويسيِّر شؤون البلدة زعماء القراصنة بالاتفاق، وهو نهج متقدم تمامًا عن نظام بلدانهم الأصلية، التي تحكمها ملكيات مطلقة حينذاك.

هذا ما جعل بعض المؤرخين يعتبرون أن «قراصنة ناساو» هم ربما المؤسسون الأوائل لأمريكا الحديثة، بوصفهم أول من سعى لقيام جمهورية منفصلة بالعالم الجديد في القارة الأمريكية، بروح من المغامرة والمخاطرة والقوة، قبل حتى بنجامين فرانكلين، وتوماس جيفرسون، وجورج واشنطن.

وسرعان ما ازدهرت «جمهورية القراصنة» على نهب السفن التجارية، وبثت أساطيلهم الرعب في كافة أرجاء البحر الأطلسي، غانمين كل ما يعترض طريقهم من سفن محملة بالمواد النفيسة والكنوز.

سيطر على الجمهورية زعماء قراصنة مشهورون، من بنيامين هورنيجولد وهنري جينينجز، مرورًا بإدوارد تيتش الشهير، المعروف باسم اللحية السوداء، إلى سام بيلامي، وستيد بونيه، وتشارلز فاين، وجاك راكهام، وكذلك القرصانات آن بوني، وماري ريد. كان هؤلاء القراصنة متنافسين لدودين فيما بينهم، وعلى الرغم من ذلك شكلوا جبهة موحدة لحماية جزيرتهم.

بعدما أحكمت سفن القراصنة قبضتها على الطرق البحرية التجارية على البحر الأطلسي، ونشرت الرعب في كافة المستعمرات الإسبانية والبريطانية على السواحل الأطلسية، أصبحت ناساو مصدر إزعاج للحكومات الأوروبية، وجذبت انتباه البحرية الملكية الإنجليزية والإسبانية، التي دكَّت غير مرة سواحل ناساو وأحرقتها بمدافع السفن، ومع ذلك استمر نشاط القرصنة.

إلى أن قرر علية القوم في لندن وضع حد لجمهورية القراصنة، بعد تضرر مصالحهم التجارية بشدة، ولأجل ذلك عينوا الكابتن البريطاني وودز روجرز في مهمة للسيطرة على ناساو وإدارتها.

جمهورية عمرها 5 سنوات.. نهاية العصر الذهبي للقرصنة

في عام 1718، وصل روجرز إلى ناساو بأسطول مكون من سبع سفن حربية، حاملًا معه عفوًا ملكيًّا عن كل أولئك الذين سلموا أنفسهم وامتنعوا عن المزيد من القرصنة.

بالنسبة لمعظم القراصنة، كانت هذه فرصة سانحة للعودة إلى العيش بأمان تحت القانون، ومن أولئك الذين حصلوا على العفو هنري جينينجز، جنبًا إلى جنب مع بنيامين هورنيجولد، الذي أصبح صيادًا للقراصنة بإشراف من الحاكم البريطاني الجديد في ناساو، وتعقب العديد من حلفائه السابقين، بعدما كان هو صاحب إعلان قيام جمهورية القراصنة في السابق!

مع ذلك، لم يقبل جميع القراصنة العفو والاستسلام؛ إذ حارب العديد منهم، مثل تيتش وتشارلز فاين، الحاكم البريطاني الجديد روجرز، وأبدوا ضده مقاومة شرسة استمرت لشهور خلال محاولة الأخير السيطرة على الجزيرة واستعادة النظام.

صورة مرسومة لإدوارد تيتش، القرصان الشهير الملقب باللحية السوداء

لكن روجرز كان قاسيًا ومدعومًا من البحرية الملكية البريطانية القوية، فأسر تشارلز فاين وشنقه، بينما ألقى القبض على آن بوني وماري ريد، أما إدوارد تيتش وسام بيلامي فقتلا أثناء معاركهما مع البحرية الملكية.

في نهاية المطاف، استُعيد النظام في ناساو وانتهت جمهورية القراصنة بعد خمس سنوات من قيامها، لينتهي معها العصر الذهبي للقراصنة الكاريبيين، الذين ألهمت مغامراتهم الفريدة الناس والأدباء في أرجاء أوروبا.

ومع أن عصر القراصنة قد وُلد ومات في ناساو، فإن قصصه استمرت في الخيال الشعبي لمنطقة الكاريبي، مكانًا يمكن لأي شخص أن يجد فيه جنته الخاصة البعيدة عن أي قانون، والاستمتاع بالحياة الطبيعية البدائية. وإلى اليوم تجد في جزيرة ناساو مآثر عصر القرصنة، من حطام السفن القديمة إلى الحصون التاريخية وتماثيل زعماء القراصنة، رمزًا سياحيًّا لجزر الباهاماس!

تاريخ

منذ سنة واحدة
سرقة وأعمال بطولية أيضًا.. تعرف إلى تاريخ القراصنة بين الحقيقة والخيال

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد