في ثورات الربيع العربي، وانتفاضات الشعوب العربية السابقة ضد حُكامها، تفننت القطاعات الاحتجاجية في ابتكار شعارات وهتافات، صدحت بها حناجر المواطنين، لترسم ملمحًا عن نضال هذه الشعوب ضد أنظمة الاستبداد السياسي، وصورة عامة عن خلفيات قضاياهم، التي شكلت دافعًا وراء ابتكار هذه الشعارات.
يرسم التقرير التالي صورة عامة عن هذه الشعارات، وبعض قصصها، وكيف ارتبطت بالسياق الاجتماعي والسياسي لها، والثقافة الشعبية لهذه البلدان، وإلى أي مدى كان الابتكار في الشعارات عاملًا مؤثرًا في تحقيق أهدافهم، وكسب تعاطف قطاعات كبيرة داخل قطاعات متباينة من الشعوب.

قصص أبرز الهتافات في تاريخ الانتفاضات العربية

من بين مئات الانتفاضات التي شهدتها البلاد العربية ضد حُكامها، تحولت بعض الشعارات إلى شعارات أيقونية بفضل خصوصية مفرداتها، وقدرتها على التعبير عن الوضع السياسي تعبيرًا استثائيًّا في لغتها ودلالتها. من بين تلك الشعارات، نرصد بعضًا منها في عدد من الدول المختلفة، علاوة على قصتها، والسياقات المرتبطة بها.

«لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس»

شعار تونسي اكتسب إيقاعًا موسيقيًّا مع ترديده، حين صدحت به حناجر الطلاب التونسيين، وكتبوه في لافتات رفعوها سنة 1976، عند ظهور ما يسمى بالحرس الجامعي في الجامعات التونسية. وقد مثلت الجامعة التونسية المصدر الأوّل منذ أواخر الستينات حتى أواسط الثمانينات، لابتكار علامات احتجاجية مناهضة للسلطة. ولخصوصية هذا الشعار، وقدرته على نقل مطالب المحتجين بشكل موجز؛ انتقل بعد سنوات طويلة إلى دول عديدة في مناسبات احتجاجية أخرى، كان أهمها ترديده في الأيام الأولى للثورة السورية، من جانب طُلاب الجامعة، للمطالبة من خلاله بإسقاط نظام بشار الأسد.

«يا خالد قول لأبوك.. 30 مليون كرهوك»!

عقب وقوع نكسة 1967، وانهزام الجيش المصري أمام إسرائيل، قدم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر استقالته، التزامًا بالمسئولية عما جرى لبلاده؛ قبل أن تخرج الجماهير في التاسع من يونيو (حزيران) عقب عرضه الاستقالة، مطالبة ببقاء عبد الناصر، والحديث عن دخول البلاد في مسار مجهول حال استقالته؛ ليتراجع ناصر ويظل في موقع الحاكم. غير أن تلك التظاهرات الداعمة لم تستمر، وخرجت بعدها بأشهر قليلة قطاعات واسعة من الجماهير، ينتمي أغلب المشاركين فيها لقطاعات العُمال والطلبة، ضد عبد الناصر، وضد سيطرة الأجهزة الأمنية على البلاد، وذلك تحديدًا في شهري فبراير (شباط) ونوفمبر (تشرين الثاني) 1968، هاتفين آنذاك: «يا خالد (خالد جمال عبد الناصر) قول لأبوك، 30 مليون كرهوك، دي مش عزبة أبوك»، و«غيّر غيّر يا جمال».

«حكومة خلت الإندومي من 3 جنيه لـ15 جنيه.. تسقط بس»

تحول هتاف «تسقط بس» من شعار موجز يُلخص معاناة الشعب السوداني، إلى أيقونة في ميادين الاحتجاجات، قبل أن يكتسب أهمية إضافية عبر استخدام مقولات ساخرة أخرى بالعامية السودانية، يوضع في نهايتها «تسقط بس». وتجلي ذلك في الشعار: «حكومة خلت الإندومي من ثلاثة جنيه لـ15 جنيه.. تسقط بس» للتعبير عما آلت إليه ظروف الشعب السوداني، والصعوبات الكُبرى التي يعيشها القطاع الأكبر منهم، والذي رمز إليها المحتجون في شعارهم بتضاعف سعر الإندومي، وهو أحد المأكولات سريعة التحضير التي تُباع في الأسواق الشعبية.

«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان

«يسقط آل سعود»

ظلت السعودية مكانًا يُحظر فيه وقوع الاحتجاجات عقودًا طويلة؛ إذ يلوذ الجميع بالصمت، ويتجنبون تبعات التظاهر من أجل الحرية، التي قد تصل في أغلب الأحوال إلى الإعدام؛ غير أن السنوات الأخيرة شهدت بعض الاستثناءات، خصوصًا داخل المناطق الشرقية، حيث مركز الأقلية الشيعية في المملكة. غير أن حالة الصمت لم تدم؛ لتخرج تظاهرات من جانب متظاهرين شيعة، رصدها فيلم وثائقي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية، ورصدت شعارات رفعها المحتجون داخل هذه المناطق كان أبرزها «لبيك يا حسين»، و«يسقط آل سعود».

«هذه الحكومة ما نريدَه.. و91 إلا نعيدَه»

نشطت التظاهرات المناوئة للحكومة العراقية العام الماضي، وتحديدًا في مدينة البصرة، احتجاجًا على سوء الأحوال الاقتصادية وارتفاع الأسعار، إلى جانب المُطالبة بتوفير الماء والكهرباء وفرص العمل في شركات النفط، علاوة على حرق لافتات في شارع الخميني بالبصرة، وهجمات على مقرات الأحزاب الموالية لإيران، مثل «منظمة بدر»، و«عصائب أهل الحق»، و«تيار الحكمة».

من بين الشعارات التي رفعها أهل الجنوب في العراق في هذه الاحتجاجات: «هذه الحكومة ما نريده و91 إلا نعيده»، في إشارة إلى انتفاضة جنوب العراق وشماله على صدام حسين عام 1991، والتي خرجت فيها جموع كبيرة من المتظاهرين احتجاجًا على انخراط الجيش العراقي في حروب خارجية، والتسبب بقراراته ومغامراته العسكرية في مقتل مئات الآلاف، وإضاعة مليارات الدولارات، غير أن النجاح لم يُكتب لهذه التظاهرات، بفضل قمع نظام صدام حسين لها آنذاك.

«يلعن روحك يا حافظ»

تحول هذا الشعار إلى أيقونة الاحتجاج الرئيسية لسكان مدينة حماة السورية، في عام 1981، ضد نظام الرئيس السوري السابق حافظ الأسد؛ بعدما خرجوا للشوارع من أجل المُطالبة بالكف عن سياسة القمع الماضي فيها؛ قبل أن يُنفذ بحقهم مجزرة دامية، من جانب قوات الأمن والجيش، أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين بينهم أطفال ونساء، وعرفت لاحقًا بـ«مجزرة حماة».

أمام تلك الشعارات الاحتجاجية على نظام حافظ الأسد، ابتكر مؤيدو النظام آنذاك هتافات مؤيدة وداعمة، مثل: «إلى الأبد يا حافظ الأسد»، و«قائدنا إلى الأبد.. الأمين حافظ الأسد»، و«حافظ أسد.. رمز الثورة العربية»، فيما ذكرت لافتات أخرى، عبارات أكثر ولاءً مثل: «لا تركع أمة أنجبت حافظ الأسد».

الشعوب لم تستسلم لليأس.. أبرز الاحتجاجات الشعبية حول العالم في 2018

شعارات الشعوب في ثورات الربيع العربي.. حرية وسخرية وأشياء أخرى

من بين الأنظمة التي حظت بكم شعارات مُبتكرة تُطالب بإسقاطها كانت الجزائر، في تحدٍّ واضح لحكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والتي كان من أبرزها: «ربي حلل أربعة حرام عليك خمسة»، في إشارة إلى الولاية الخامسة التي ترشح لها الرئيس.

واتسمت شعارات المحتجين في الجزائر ببعد ساخر غلب على العديد منها، وبالأخص، في التعبير عن حالة بوتفليقة الصحية في أواخر حُكمه، التي جعلته يخول شخصًا آخر لإلقاء خطبته، أو الذهاب للتصويت على كرسي مُتحرك، وهو ما ظهر في شعار رفعه متظاهر آخر طالب في لافتته الاجتجاجية بأن يكون كرسي الرئاسة من نوعية «Tefal»، كي لا يأتي رئيس جديد ويلتصق بالكرسي كما فعل بوتفليقة.
وفي تظاهرة أخرى رفع المحتجون شعار: «حتى ريال مدريد تركت رابطة الأبطال (في إشارة لخروج النادي الملكي من دوري أبطال أوروبا بعد فوزه مرتين على التوالي في البطولة) يا بوتفليقة اترك الكرسي please».

إلى جانب السخرية التي شكلت بعدًا رئيسيًّا في شعارات الشعوب العربية عمومًا؛ شكلت الحرية أيضًا خطًّا أساسيًّا في الشعارات؛ فتجد في ثورة الياسمين أو الثورة التونسية الحرية مُدرجاة باعتبارها مطلبًا رئيسيًّا في الاحتجاجات ضد نظام حُكم زين العابدين بن على، مثل شعارات «حرّيّة، عدالة اجتماعية، كرامة وطنية»، «حرّيات، حرّيات، لا رئاسة مدى الحياة»، «الشعب يريد، شغل، إسقاط».

مصر هى الأخرى حظت ثورتها في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، بشعارات عديدة؛ رسمت تصورًا عامًا حول أوضاع مصر السياسية والاجتماعية في مرحلة نظام الرئيس السابق محمد حسني مُبارك، وعكست حسًّا إبداعيًّا ونقديًّا وفكاهيًّا لدى المصريين. فإلى جانب الشعار الرئيسي في الثورة «عيش حرية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية»، انطلقت شعارات أخرى عفوية كانت أقرب إلى الفلكلور، عكست بدورها انخراط قطاع واسع من الشعب غير مسيس بالضرورة في الثورة، مثل شعار: «ارحل.. الولية عاوزة تولد والولد مش عايز يشوفك»، في إشارة للتعبير عن عدم قدرة الشعوب على احتمال بقاء مبارك فترة أخرى، والرحيل فورًا.
كما شكلت الأغاني مرجعًا أساسيًّا للعديد من الهتافات في الثورة المصرية، مثل الهتاف الذي ردده المحتجون في جنبات الميدان عقب كلمة نائب الرئيس آنذاك عُمر سليمان التي أعلن فيها تنحي مُبارك عن الحُكم، والتي رددوا فيها: «حاللو يا حاللو.. مبارك شعبه ذله، حاللو يا حاللو.. مبارك شعبه خلعه»، أو «أنا مندس أنا مندس.. أنا عاوز كنتاكي وبس» في إشارة إلى ما أشاعته وسائل الإعلام من أن متظاهري التحرير مجموعة من المنتفعين، الذين تم إغراؤهم للتظاهر بمبلغ 50 جنيهًا ووجبة من مطعم الأطعمة السريعة «كنتاكي».

السجع في شعارات الشعوب العربية.. الحبكة التي ألهمت جماهيرها

شكل السجع البناء الرئيسي للشعارات منذ عقود طويلة، وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، ليصبح طريقة تحفيزية تمنح الهتافات حضورًا وحماسًا عند ترديدها، ويُكسبها كذلك إيقاعًا انفعاليًّا، وحضورًا مميزًا في ميادين الاحتجاج. من بين تلك الشعارات: «بن علي يا جبان الشعب التونسي لا يُهان.. بن علي في السعودية والعصابة هي هي»، وكذلك «يا مواطن يا ضحيّة إيجا شارك في القضيّة.. يا بوليس فيق فيقْ الحجّامة تحكم فيكْ.. الكرطوش حي حيْ والحجامة في دبيْ»، وهو شعار امتزجت فيه بعض المفردات باللكنة الفرنسية، التي يُتقنها معظم التونسيين.

على خلاف أحداثها التي مضت بعد ذلك في طريق حرب الشوارع بين قبائل؛ كانت شعارات ثورة 17 فبراير التي أطاحت نظام الرئيس الليبي الراحل مُعمر القذافي أكثر كلاسيكية عما كان عليه الأمر في الثورات الأخرى، مثل شعارات استدعت أبطال ليبيا التاريخين «نحن أحرار، نحن أحفاد عمر المختار»، أو «اطلع جا عليك الدور، يا معمر يا ديكتاتور».


أما في السودان، حيث الانتفاضة الأحدث عربيًّا التي أطاحت نظام الرئيس السابق عُمر البشير بعد ثلاثة عقود متصلة في موقع الحُكم، كان استخدام الشعارات استثنائيًّا من حيث قصر الجُمل، والتغاضي عن السجع في بناء الهتافات؛ ليتصدر شعار «تسقط بس»؛ الذي اختزل في دلالته تأويلات ثورية وسياسية وشعبية كثيرة. فقد لخصت الكلمتان يوميات حياة كئيبة استمرت 30 سنة، وكانتا تكثيفًا مجازيًا عما يرغب فيه الشعب السوداني، ودلالة على حجم الغضب داخل شعبهم الذي لا يشفي غضبه إلا سقوط هذا النظام.
وظل شعار «يسقط بس» هو اللافتة الرئيسية في ميادين الاحتجاج، والهتاف الرئيسي، حتى عندما ألحق به كلمات إضافية مثل «حكومة تخَّلي العسكري يخربشني وزي البت الشلّبوها (أي التي خُطف زوجها من امرأة أخرى).. تسقط بس».

«ميدل إيست آي»: كيف خسر العالم العربي معركة الديمقراطية على مدار 150 عامًا؟

المصادر

تحميل المزيد