في عام 2021 تابعت وسائل إعلام عالمية باهتمام الأحداث التي أعقبت وفاة ملك شعب الزولو في جنوب أفريقيا جودويل زويليثيني، متأثرًا بمضاعفات مرض السكري، بعد أن أوصى بولاية العرش إلى زوجته شييوي مانتومبي، لكنها لم تلبث أن توفيت بعد زوجها بشهر واحد فأوصت بولاية العرش للابن الأكبر ميسوزولو، الذي عيّن بعد ذلك تنفيذًا للوصية.

لكن مشهد قراءة الوصية كان حافلًا بمظاهر الفوضى؛ إذ شكك أعضاء في الأسرة المالكة علنًا في أحقية ميسوزولو بالحكم بعد والده، كما شككت أميرتان أيضًا فيما إذا كان الملك الراحل قد أعطى زوجته الحق في ترشيح خليفة لها. كل تلك الأنباء كان محل عناية ومتابعة وسائل الإعلام العالمية، لكن إذا علمنا أن «الملك» المشار إليه هنا لا يملك أي سلطة تنفيذية، وهو أقرب إلى «زعيم قبيلة» محلي في جنوب أفريقيا، فما سبب كل هذا الاهتمام؟ سنغوص قليلًا في أعماق التاريخ لنجد إجابة السؤال.

كيف حول شاكا قبائل الزولو إلى أقوى ممالك أفريقيا؟

لم يكن الطفل شاكا مرحبًا به بين أبناء عشيرته، الزولو، برغم أن أباه سينزانكاخونا كان زعيم القبيلة، فقد وُلد الطفل عبر علاقة غير شرعية بين أبيه وامرأة تُدعى ناندي من عشيرة لانجيني المجاورة، فلم ترحب العشيرة في البداية بثمرة تزاوج انتهك التقاليد القبلية، فنشأ شاكا منبوذًا يحمل وصمة عار، حتى أن اسم شاكا نفسه كان يعني «الطفيل المعوي» (الطفيليات التي تعيش في الجهاز الهضمي).

لكن البدايات قد تكون خادعة أحيانًا، فالفتى أسمر اللون قوي البنية، والذي اضطرت أمه إلى الهرب به من أرض الزولو حين كان في السادسة من عمره، حتى استقر بهما المقام في الشمال عند القائد دينجيسوايو ملك قبائل مثثوا المجاورة، سيثبت شجاعة وبراعة في القتال، وينضم إلى جيش دينجيسوايو الذي وثق به، ولم يبخل عليه بتعليمه فنون التنظيم العسكري والتكتيكات الحربية.

وبعد وفاة سينزانكاخونا، سرعان ما أرسل ملك مثثوا شاكا إلى أرض الزولو مجددًا، ليصبح حاكمًا على الأرض التي لفظته واضطهدته قبل سنوات، فبدأ على الفور في الانتقام ممن أساؤوا معاملته هو ووالدته في الماضي، وحكم القبيلة بقبضة حديدية، كما أسس شاكا لأول مرة في تلك المنطقة جيشًا احترافيًا منظمًا، فجرى الاستبدال بالرماح الخفيفة سهامًا حادة ثقيلة، وزود جنوده بدروع ثقيلة، ودرب الجنود على الأسلحة الجديدة.

شاكا ملك الزولو.. مصدر الصورة ويكيبيديا

أدخل شاكا تكتيكات جديدة في القتال، فبدلًا عن الهجوم الجماعي كان يقسم جيشه إلى ما سماه «تكتيك الجاموس»، حيث يقسم القوات إلى قرنين (جناحين) وصدر (قلب) وخاصرة (مؤخرة)، ما كان يتيح له الهجوم الفعال مع محاصرة الفارين من جيش العدو، وكان يخير الناجين بين الموت أوالانضمام إلى قواته، شريطة التخلي عن ولائهم القبلي القديم، بل كان يتحولون إلى زوليين أيضًا، وخلال العام الأول فقط، تزايد عدد قواته – من قبيلة صغيرة لا يتجاوز عددها 350 شخصًا فقط – بمقدار أربعة أضعاف.

في عام 1817 جرى اغتيال دينجيسوايو على يد قبيلة مجاورة، فانتقم شاكا لمعلمه السابق، وضم مملكة مثثوا إلى سلطانه، واندفع يغزو الأراضي والقبائل المجاورة، والتي لم يستطع أي منها الوقوف في طريقه، وطوال 10 سنوات من القتال والغارات، تمكن شاكا من توسيع مملكة الزولو حتى صارت أكبر إمبراطورية في جنوب أفريقيا، حتى امتدت مساحتها على مليوني ميل مربع (من مستعمرة الكيب جنوبًا إلى تنزانيا الحديثة شمالًا)، وأصبح عدد سكانها ربع مليون نسمة، وقوام جيشها 40 ألف محارب، وراح ضحية حروب شاكا نحو مليوني شخص، حيث كان يستخدم سياسة «الأرض المحروقة» مع أعدائه.

عام 1827 توفيت ناندي، والدة شاكا، والتي كان متعلقًا بها لدرجة كبيرة، فانهارت معنوياته تمامًا، وبدأ يتبع سلوكيات متطرفة أفقدته ثقة من حوله؛ فقد أمر بالامتناع عن زراعة المحاصيل تمامًا في البلاد لمدة عام؛ مما تسبب في مجاعات وخسائر كبيرة، وأمر بعمليات إعدام جماعية شملت قرى بأكملها، وهو الأمر الذي زاد السخط داخل مملكته، سيما مع الضجر من استمرار الحروب، وحملات الإغارة التي لا تتوقف أبدًا، وفي سبتمبر (أيلول) 1828 نفذ الأخوان غير الشقيقين لشاكا – دنجان وماهلنجانا – عملية قتله.

مملكة الزولو والصراع مع المستوطنين الهولنديين

بعد مقتل شاكا استولى دنجان على الحكم في أرض الزولو، ولم يكن دنجان بنفس قوة شاكا وكفاءته، لكنه اتبع نفس طرق البطش التي انتهجها، ولجأ إلى نفس أساليب الإرهاب والإبادة التي كان يستخدمها، لكنه فشل في أن يثير لدى جنوده ذات الروح والحماسة، ولم يحالف النجاح أغلب حملاته العسكرية التي قادها.

في عام 1837 بدأت المتاعب تطرق أبواب دنجان؛ إذ كان الفلاحون الهولنديون الذين عرفوا باسم «البوير» (وهم أحفاد المستوطنين الهولنديين الأوائل الذين شكلوا أول مستوطنة في جنوب أفريقيا عام 1652، وبعد الاستعمار الفرنسي لهولندا، آلت السيادة في تلك المستعمرة إلى باريس، قبل أن يسيطر عليها التاج البريطاني في إطار التنافس الاستعماري مع الفرنسيين)، قد هربوا من مناطق السيطرة الانجليزية، ودخلوا في عمق أراضي الزولو، محاولين تأسيس دولة هولندية خاصة بهم.

سياسة

منذ 5 سنوات
هل كانت أفريقيا غنية وديمقراطية قبل مجيء الاستعمار؟

حاول زعيم البوير بيت رتيف التفاوض مع دنجان لمنحه جزءًا من الأرض للبوير، وقد خشى ملك الزولو من الرفض الصريح للطلب، فقد كانت بنادق الهولنديين قد أسقطت للتو بعض الممالك المجاورة، فتظاهر دنجان بالموافقة، وأقام في الليلة التالية احتفالات في قصره دعا إليها بيتر رتيف وقادة البوير، وعندها، وفيما كان الجميع مستغرقين في الشرب والرقص قفز دنجان فجأة وصرخ في رجاله، فاندفعوا للقبض على الهولنديين، حيث جرى إعدامهم جميعًا.

بعد ذلك مباشرة هجم دنجان على معسكرات قريبة للبوير، وأبادوها عن بكرة أبيها، جمع الهولنديون صفوفهم وأعادوا الهجوم على الزولو، وفي ديسمبر (كانون الأول) 1838 وقعت معركة «نهر الدم» بين 15 ألف جندي من الزولو، وأقل من 500 مستوطن هولندي، وبرغم الفارق الشاسع في العدد، فقد كان الهولنديون أكثر تنظيمًا، ومسلحين بالأسلحة النارية المتطورة؛ فهزم جيش دنجان هزيمة ساحقة، وقتل منه نحو 3 آلاف شخص، وانتزع البوير الأراضي التي أرادوها لدولتهم.

بعد ذلك بعامين فقط فقدَ دنجان عرشه لصالح شقيقه مباندي، قبل أن يقتله أحد رجاله، وقد تحالف مباندي مع الهولنديين، وحين حل البريطانيون محلهم حافظ على علاقات جيدة معهم كذلك، واستعاد معظم الأراضي التي كانت قد فقدتها مملكة الزولو لصالح البوير، لكن الصراع قد اندلع مبكرًا في عام 1856 بين ولديه سيتشوايا ومبويزي على خلافته، لينتصر سيتشوايا في معركة ندونداكاسوكا، ويحكم الإمبراطورية بشكل فعلي لسنوات طويلة قبل أن يتوج رسميًا بعد وفاة والده عام 1872.

بريطانيا العظمى في مصيدة مملكة الزولو

في ذلك الوقت أرسلت الحكومة الإنجليزية أحد رجالاتها، وهو السير بارتل فرير إلى جنوب أفريقيا؛ بغرض تكوين اتحاد كونفدرالي يضم المستعمرات البريطانية، وأراضي البوير، وكل الدول السوداء المستقلة في تلك المنطقة، توصل فرير إلى رأي حاسم: لا يمكن لبريطانيا إقامة تلك الكونفدرالية المنشودة بدون إخضاع مملكة الزولو القوية، بمحاربيها المنضبطين البالغ عددهم 40 ألف محترف.

لم تكن الحكومة البريطانية في لندن راغبة في الحرب، رد السير هنري بيش، السكرتير الاستعماري، على رسالة فرير بـ«لا يمكننا الآن خوض حرب مع الزولو»، لكن فكرة إخضاع الزولو كانت قد سيطرت على فرير تمامًا، فقرر التحرك منفردًا، حيث قام بتوجيه إنذار للملك سيتشوايا دعاه فيها إلى مطالب تعجيزية، من بينها حل جيش الزولو تمامًا، فكانت الحرب بين الطرفين حتمية.

«إذا دُعيتُ للقيام بعمل عسكري ضدهم، فسأسعى جاهدًا إلى أن أظهر لهم كم هم أقل شأنًا منا في القتال، وإن كانوا أكثر عددًا»، كان صاحب تلك العبارة هو اللورد تشيلمس فورد، والذي تحرك على رأس جيش قوامه 5 آلاف جندي لدخول مملكة الزولو. سارت الأمور في البداية بالسلاسة المتوقعة، فدخل الإنجليز «الأقل عددًا، ولكن الأكثر في القوة والتكنولوجيا الحربية بمراحل» إلى عمق أراضي المملكة، وبعد مناوشات طفيفة ارتكب تشيلمس فورد أكبر أخطائه.

معركة إيساندلوانا – مصدر الصورة ويكيبيديا

سحب اللورد الانجليزي ثلثي جنوده (تقصد جنده؟)، ووجههم إلى مطاردة ما اعتقد أنه فلول جيش الزولو الخائف، ولم يتبق معه في المعسكر في منطقة إيساندلوانا (والتي سينسب إليها اسم المعركة التي لن ينساها الإنجليز أبدًا) سوى 1750 شخصًا، وجدوا أنفسهم محاصرين فجأة من 20 ألف مقاتل من الزولو، كان هذا هو «تكتيك الجاموس» الذي صاغه شاكا قبل ستة عقود، وتسبب في «مذبحة» غير مسبوقة في التاريخ الإنجليزي؛ فقد قُتل 1350 من الجيش البريطاني؛ ليثبت الزولو للورد الإنجليزي أن الكثرة والشجاعة قد تغلب فارق التطور والسلاح أحيانًا.

بعد الهزيمة المدوية أعاد البريطانيون الكرة، ونجحوا في هزيمة مملكة الزولو، وجرى تقسيمها إلى عدة مقاطعات صغيرة، وجرى القبض على سيتشوايا وإرساله إلى كيب تاون، ومنذ ذلك الحين – ورغم بعض المحاولات الخجولة لإعادة أمجاد إمبراطورية الزولو، والتي كان مصيرها الفشل – تضم دولة جنوب أفريقيا الحالية معظم المناطق التي كانت تحت حكم الزولو في القرن التاسع عشر.

في الوقت الحالي يعترف الدستور الجنوب أفريقي بالسلطة الروحية والاجتماعية لزعماء القبائل المحلية، وفي مقدمتهم بالطبع الزولو الذين يبلغ عددهم اليوم 11 مليونًا، مشكلين بذلك أكبر عرقية في جنوب أفريقيا، وبرغم أن «ملك» الزولو اليوم مجرد من السلطة السياسية، ويحمل اللقب تشريفًا فقط، فإن وسائل الإعلام المحلية والعالمية لا تدخر جهدًا في تتبع أخباره، وأخبار شعب الزولو، وكأن شبح المملكة الأقوى في أفريقيا لم يزل يلقي بظلاله على الحاضر اليوم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد