مع انطلاق بطولة الأمم الأفريقية في 21 يونيو (حزيران) الجاري، المنافسة العالمية الثالثة من حيث المتابعة الجماهيرية، لا تزال ذاكرة التاريخ تحتفظ بذكريات مهمة؛ تركت أثرها على نسخ البطولة المختلفة، وتستحق أن تروي عن هذه البطولة القارية؛ والتي انطلقت نسختها الأولي عام 1957 بمشاركة ثلاثة منتخبات فقط، فيما يشارك بها الآن لأول مرة 24 منتخبًا، ويأملون جميعًا في حصد اللقب.

التمييز العنصري يحرم جنوب أفريقيا من المشاركة

في مطلع خمسينات القرن العشرين كانت العديد من الدول الأفريقية تحاول الاستقلال عن دول أوروبا المستعمرة لأراضيها، وكنوع من المقاومة والاستقلالية، أسس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بمشاركة أربع دول: مصر، والسودان، وإثيوبيا، وجنوب أفريقيا عام 1957، وقررت الدول الأربعة لعب البطولة الأفريقية الأولى.

Embed from Getty Images

مانديلا يحتفل بالكأس مع لاعبي منتخبه

كانت مصر المرشحة الأولى لاستضافة البطولة، لكن العدوان الثلاثي وأثره على مصر حال دون ذلك، وكانت جنوب أفريقيا هي الدولة الثانية المرشحة، إلا أن فريقها بالكامل كان مكونًا من لاعبين بيض، وكانت حكومة جنوب أفريقيا آنذاك لديها نظام فصل عنصري يحرم السود من حقوقهم، ويمنح البيض الامتيازات لذا رفض طلبها وحرمت من المشاركة أيضًا.

بين انسحابها طواعية من السباق وبين اجتماع الدول الثلاث الأخرى على حرمانها تبقى الحقيقة غائبة، لكن المؤكد أن جنوب أفريقيا استبعدت من بطولة الأمم الأفريقية منذ عام 1957 وحتى نسخة البطولة عام 1996، والتي استضافتها بعد إلغاء سياسة التمييز العنصري، وفازت بهذه النسخة لأول مرة بعد حرمان عشرات السنوات.

القضية الفلسطينية تدفع المصريين للانسحاب

عام 1965 كان الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة في زيارة لمصر، والتقى في هذه الزيارة أعضاء مجلس الشعب المصري، والرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفي 22 فبراير (شباط) عام 1965 أصدر الرئيسان بيانًا مشتركًا أكدا فيه تأييدهم للقضية الفلسطينية، ولمنظمة التحرير الفلسطينية.

لاحقًا وفي أثناء زيارة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة إلى الأردن ألقى بورقيبة في الثالث من (آذار) مارس 1965 خطابًا رسميًا في أبناء فلسطين بمدينة أريحا الفلسطينية القديمة، فيما عرف بخطاب أريحا، وفيه طالب من العرب والفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل، وأن يقبلوا التقسيم كجزء من معركتهم ضد إسرائيل؛ مما أثار سخط العرب والقادة، وخاصة جمال عبد الناصر، الذي استنكر أن الرئيس التونسي كان في القاهرة قبل أيام ولم يتطرق إلى ذلك، واشتعلت التصريحات بين البلدين.

تونس كانت الدولة المستضيفة لبطولة الأمم الأفريقية عام 1965، وفي ظل اشتعال الموقف بسبب خطاب الرئيس التونسي بورقيبة وخلافه مع عبد الناصر، قرر الاتحاد المصري مقاطعة هذه النسخة اعتراضًا على خطاب أريحا، وبسبب توتر العلاقة بين البلدين، ولعبت البطولة بدون منتخب مصر، وكانت هذه هي النسخة الأولى في البطولة التي تغيب عنها مصر.

«هدفي ليس صحيحًا سيدي الحكم».. 7 مواقف أخلاقية أظهرت الوجه الجميل لكرة القدم

 

المنتخب الزامبي.. لنقل وداعًا قبل البطولة

عاش المنتخب الزامبي فترة جيدة في نهاية ثمانينات القرن العشرين، وشهدت هذه الفترة انسجامًا قويًا بين اللاعبين ومستوى وأداء مميزين، وحين شارك المنتخب الزامبي عام 1988 في أولمبياد لندن حقق مفاجأة مدوية بفوزه على منتخب إيطاليا بأربعة أهداف مقابل صفر، فتعلقت آمال جماهير زامبيا بهذا المنتخب، والذي حصد المركز الثالث في بطولة الأمم الأفريقية عام 1990، ووصل إلى الربع نهائي عام 1992، وكانوا يتوقعون منه المزيد في نسخة 1994.

في أبريل (نيسان) عام 1993 خرج المنتخب الزامبي من بلاده في طائرته الخاصة متوجهًا إلى السنغال في تصفيات كأس العالم، لكن الطائرة سقطت في المحيط الأطلسي بعد وقت قصير من إعادة التزود بالوقود في مدينة ليبرفيل عاصمة الجابون، ومات كل من على متنها، الناجي الوحيد من هذا المنتخب هو اللاعب كالوشا بواليا؛ لأنه لم يكن في الطائرة أصلًا.

بعد إتمام مراسم دفن المنتخب، وتخليد ذكراه، بدأ الاتحاد الزامبي لكرة القدم في تحضير منتخب جديد ليشارك في بطولة الأمم الأفريقية، ورغم ضيق الوقت تم تشكيل فريق جديد، وشارك في البطولة عام 1994، والأغرب من ذلك أن هذا المنتخب الجديد حقق المركز الثاني، وكان هذا أقصى مركز حصلت عليه زامبيا في البطولة حتى فازت بها في عام 2012 بمدينة ليبرفيل، وبالقرب من مكان تحطم طائرة منتخبهم الراحل.

«الفيفا» VS «أسود الكاميرون»

مع بداية القرن الحالي كان المنتخب الكاميروني يشكل واحدًا من أبرز الفرق بعد منتخب 1990 الذي وصل إلى دور الثمانية في كأس العالم، المنتخب الجديد كان يضم في صفوفه، المهاجم باتريك مبوما، والمهاجم الشاب آنذاك صموئيل إيتو، والمدافع المخضرم ريجوبرت سونج، ولاعب خط الوسط جيريمي، والمدافع لوران، وحارس المرمى العملاق جاك سونجو، وغيرهم، وتمكن هذا المنتخب من حسم بطولة الأمم الأفريقية عام 2000.

وكنوع من الاستعراض ظهرت الكاميرون في بطولة 2002 بقمصان دون أكمام مثل لاعبي السلة؛ مما أغضب الفيفا، وحصدت اللقب في هذه النسخة، لكن «الفيفا» حذرهم من ارتداء تلك القمصان مجددًا لأنها بلا أكمام، فاضطر الكاميرونيون خلال بطولة كأس العالم اللاحقة إلى ارتداء قمصان بنصف كم أسفل القميص الأصلي.

وفي عام 2004 طار منتخب الكاميرون إلى تونس للمشاركة في بطولة الأمم الأفريقية، وارتدى اللاعبون هذه المرة سترة واحدة صنعت خصيصًا لهذه المناسبة، (وليس قميصًا وشورت منفصلين)؛ ما أثار غضب «الفيفا»؛ لأن الكاميرون لا تلتزم بقوانين اللعبة، وتم توقيع عقوبة مالية على الكاميرون مع خصم ست نقاط من مجموعتهم في تصفيات كأس العالم 2006، قبل أن يتم التراجع بعد ذلك عن العقوبة.

نيران المسلحين تطارد لاعبي توجو

كان عام 2010 مميزًا للقارة الأفريقية، فلأول مرة تستضيف القارة بطولة كأس العالم في جنوب أفريقيا، أما دولة أنجولا فكانت تستعد بدورها لتستضيف – لأول مرة أيضًا – بطولة الأمم الأفريقية، وكان كل شيء جيد قبل انطلاق البطولتين، حتى عكرت جماعة انفصالية صفو القارة الأفريقية.

في الثامن من يناير (كانون الثاني) كان المنتخب التوجولي يتوجه بحافلته عبر مقاطعة كابيندا الأنجولية لحضور بطولة أمم أفريقيا المقامة في أنجولا، وتعرض لهجوم بالرشاشات الآلية من مسلحين، قتل على أثرها سائق الحافلة، والمسؤول الإعلامي، ومساعد المدرب، بينما أصيب سبعة آخرون من الطاقم، بينهم لاعبون، اما البقية فاختبأوا أسفل المقاعد لمدة 30 دقيقة مدة حصار الحافلة.

أعربت جماعة «جبهة تحرير مقاطعة كابيندا (FLEC)» عن مسئوليتها عن الحادث، وهي جماعة انفصالية متمردة تحارب النظام الإنجولي لعقود، بهدف انفصال مقاطعة كابيندا عن إنجولا، وقالت إنها كانت تستهدف عناصر الشرطة التي تؤمن المنتخب التوجولي، وليس المنتخب، أما المنتخب التوجولي فقرر العودة إلى دياره، ولم يلعب هذه النسخة من البطولة، وهي البطولة التي فازت فيها مصر للمرة السابعة والأخيرة إلى الآن.

«فورين بوليسي»: هذه القضية دليل على أن «فيفا» تهتم بالمال فقط وليس باللاعبين

المصادر

تحميل المزيد