أدلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعدد من التصريحات في 2017، التي بدت غريبة أحيانًا، فمنها ما يُستخدم في لغة معسكر عسكري، وأخرى متناقضة، وبعضها المثير للجدل والسخرية، ولكن ذلك لم يمنع الحضور المؤيد له من التصفيق الحار لعدد من تلك التصريحات.

السيسي للمصريين: «نفذوا التعليمات بس»!

في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، طلب السيسي مساعدة المصريين، قائلًا: «ساعدوني ونفذوا التعليمات بس». مُضيفًا في كلمة ألقاها خلال افتتاح مزرعة سمك غليون «إحنا بننظم نفسنا كدولة، اسمعوا كلامنا، عشان اللي حصل فينا السنين اللي فاتت كان بسبب التجاوز على التعليمات والقوانين اللي بتنظم الدولة، أرجو إنّ محدش يتجاوزها»، وهي لغة أقرب للغة القائد العسكري في المعسكر، تتشابه مع تصريحات سابقة للسيسي قال فيها للمصريين: «متسمعوش كلام  حد غيري».

تعليمات السيسي.. «فلما تتحركوا تلخبطوا»

وخلال إعطاء السيسي تعليمات للشعب المصري، أعطى السيسي المصريين جملة من التعليمات التي بدت مُحيرة ومتناقضة وكلها تؤدي في النهاية – وفقًا له – إلى «هدّ البلد»؛ إذ قال السيسي في 7 نوفمبر 2017، خلال منتدى شباب العالم إن الحكومة قالت له «بلاش» عند اتخاذ إجراءات اقتصادية ولكنه راهن على وعي المصريين، وأوضح مسارين للتعامل مع الإجراءات ولكن اللافت أن كليهما في النهاية يؤدي إلى «هدّ البلد».

https://www.youtube.com/watch?v=F0gw_Sc5frI

إذ قال السيسي: «إن فضلنا ساكتين هانضيع. الفكرة كده. المعضلة كده. إن اتحركنا تزعلوا. ولما تزعلوا تتحركوا. فلما تتحركوا تلخبطوا. فلما تلخبطوا تهدوا البلد». وتابع: «وإن متحركناش هانفضل عاجزين. فتحسوا بالعجز والقِلة. فتتحركوا وتهدوا البلد» وبدت في كلمات السيسي بعض الصعوية، إلا أنها دفعت الحضور للتصفيق، فيما حاول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي توضيح ما قاله في رسوم وصور هذه إحداها:


«إحنا فقرا أوي»

مع مطلع عام 2017، تحديدًا في يوم 28 يناير (كانون الثاني)، أعلنها السيسي صراحةً وكررها: «إحنا فقرا أوي»، وقال خلال جلسة بعنوان «مبادرة الصناعات الصغيرة والمتوسطة للصعيد» في مؤتمر الشباب الثاني بأسوان: «يا ساتر على أهل الشر وتخطيطها وترتيبها لإيذائنا كلنا، ويستخدمونا ناكل بعضنا البعض، ويقولك خلي بالك ده مش سائل فيك، خلي بالك دول مش واخدين بالهم منكم، خلي بالك ده مبيأكلكش، خلي بالك ده مبيعلمكش، بس مقلّكش (لم يقل لك) خلي بالك إنك إنت فقير أوي، محدش قالك إنك إنت فقير أوي؟ لأ ياريت حد يقولكو إن إحنا فقرا أوي ، فقرا أوي.. إحنا بنقولكم المرض، وهنقولكم إن رغم فقرنا هنطلع للأمام ونبقى كبار» ليصفق الحضور.

«بكام ومنين؟» منهج حياة

وعلى إثر ذلك الاعتقاد المترسخ لدى السيسي بالفقر الشديد، اتخذ الرجل من عبارة «بكام ومنين؟» منهج حياة، وأسلوبًا للتفكير، وأسئلة أساسية يجب أن يوجهها المواطن لنفسه إذا فكر في أن يسأل المسؤولين عن حل لمشكلة معينة، وقال السيسي في المؤتمر نفسه الذي يعود ليناير 2017: «لو عاوزين نحل أي حاجة لازم نقول الأول بكام؟ وهنجيب الفلوس منين؟».

وهي عبارة كررها السيسي في منتدى شباب العالم بشرم الشيخ، عندما قال في 7 نوفمبر 2017: «مصر تحارب الإرهاب منذ أربع سنوات، وقبلها ثلاث سنوات في حالة غليان، ومع كل ده عاوز (أي المواطن) تلاقي كل متطلبات الحياة، بكام ومنين الأرقام دي تيجي؟»، مُضيفًا: «التناول للقضايا اللي مش مبني على حقائق وعلم حقيقي يسيء أكتر ما يفيد، ويدمر الدول».

ويستخدم السيسي عادة ذلك الأسلوب لتجاوز العديد من المشاكل، من بينها تطوير التعليم، الذي قال عنه
السيسي
في وقت سابق عام 2016: «يا ترى المصريين كانوا هيستحملوا أحط كل الفلوس المتاحة القليلة للتعليم بس؟ من فضلكم يا مصريين لازم تتعلموا كلمة بكام ومنين».

ومع تكرار السيسي للفظ «بكام ومنين؟» إلا أنه لا يتحدث في أين صُرف الدعم الخليجي لمصر عقب عزل محمد مرسي من خلال بيان القوات المسلحة في  يوليو (تموز) في 2013، والذي بلغ وحده عشرات مليارات الدولارات، فوفقًا لتقرير أجراه «ساسة بوست» حول الدعم الخليجي لمصر، منذ عزل مرسي وحتى أغسطس (آب) 2016، فقد بلغ وفقًا للتصريحات الرسمية ما لا يقل عن  29 مليار دولار، في الوقت الذي أفاد فيه تقرير لشبكة «دويتش فيلله» الألمانية، نُشر في ديسمبر 2015، أن الحجم الإجمالي لتلك المساعدات يتعدى 33 مليار دولار.

ولم تكتفِ مصر بتلك المليارات بل اتفقت مع صندوق النقد الدولي على أخذ قرض قيمته 12 مليار دولار، كان من شروطه إجراءات اقتصادية تزيد من معاناة المواطنين تتضمن رفع الدعم، وتعويم الجنيه.

اقرأ أيضًا: إحصاءات النظام المصري.. «أرقام في الهوا»

الرئيس السيسي يوبخ المرشح السيسي!

تنفيذًا لشروط صندوق النقد الدولي، مضت الدولة المصرية في رفع الدعم عن الوقود والطاقة، ليرتفع أسعاره، ويرتفع معه معظم أسعار المنتجات في مصر، الأمر الذي أزعج كثيرًا من المصريين، من بينهم النائب البرلماني أبو المعاطي مصطفى عن محافظة دمياط، الذي استغل وجود الرئيس السيسي في المحافظة لافتتاح مدينة دمياط للأثاث، في 23 مايو (أيار) 2017، وطالب بإرجاء قرارات زيادة أسعار الوقود.

اقرأ أيضًا: «خارج النصّ».. 10 مواقف «محرجة» تعرّض لها السيسي ورجاله أمام الكاميرات  

وقال مصطفى: «أصحاب الدخول البسيطة مش حتقدر تستحمل، أرجو إرجاء زيادة أسعار الوقود والطاقة لحد ما نرفع الحد الأدنى للرواتب 3 آلاف جنيه عشان نقدر نستوعب الزيادة في الأسعار»، استمر الرجل في الحديث نحو دقيقة حتى ذكر 3 آلاف جنيه، ليلتفت إليه السيسي بغضب، ويُقاطعه «إنت مين؟»، ليرد مصطفى «أنا عضو مجلس نواب».

ليكمل السيسي رده الغاضب «نواب إيه؟! إنت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه.. إنت دارسه؟ إيه ده؟ إنتو دارسين الكلام اللي بتقولوه ده؟ بتقولي إرجئ ارجئ.. عايز دولة تقوم، ولا تفضل ميتة؟ لو سمحت ادرسوا المواضيع كويس. 3 آلاف جنيه حد أدنى، بعد كام سنة؟ لا طبعًا».

ليصفق الحضور، متناسين ما قاله السيسي سلفًا عندما كان مُرشحًا للرئاسة، وسئل عن رفع الدعم، ربط السيسي حينها بين رفع الدعم ورفع الأسعار، برفع الرواتب، عندما قال: «بمجرد رفع الدعم فإن بعض الناس يرفعون الأسعار.. والناس مش هتستحمل.. عايز الأول أغني الناس أغنيهم، بدل ما بياخد ألف يبقى بياخد ألف ونص ألفين أنا بتكلم على كل مواطن، لما الشغل اللي إحنا بنتكلم فيه ده، المصانع والمزارع يشتغل ويتحرك والناس تاكل عيش، يبقى ممكن أوي أن الدعم ده نتحرك معاه».

https://www.youtube.com/watch?v=I8dNC-U81cw

السيسي: «أنا كمان غلبان مش قادر»

تعاني مصر من حوادث قطارات دموية عديدة أودت بحياة العشرات، معظمها بسبب الإهمال البشري وتهالك قطاع السكة الحديد، وفي 14 مايو (أيار) 2017، رفض السيسي تطوير السكة الحديد وميكنتها، مُفضلًا وضع تكلفة التطوير في البنك والاستفادة من فوائدها، عندما قال:

«تقولي أنا هصرف 10 مليار جنيه عشان أكهرب وأعمل ميكنة (للسكة الحديد) العشرة مليار دول لو حطيتهم في البنك هاخد عليهم فايدة 10% يعني مليار جنيه في السنة، وبفايدة الأيام دي هاخد 2 مليار» وقال إن الدولة غير قادرة على دفع تكلفة رفع كفاءة السكة الحديد، وأضاف: «المشكلة إن كل واحد فينا مبيقولش الحاجة دي بتتكلف كام وهنجيبها منين، ونسيب الناس تتفرج علينا، ولما نيجي نقوله (للمواطن) أنا هزود عليك التذكرة جنيه، يقولك أنا غلبان مش قادر، صحيح وأنا كمان غلبان مش قادر».

وعقب أقل من ثلاثة شهور من تلك الكلمات، وقع في 11 أغسطس 2017، واحد من أكثر حوادث القطارات دموية في تاريخ مصر، عندما اصطدم قطار به ركاب، بقطار آخر متوقف بلا ركاب في محافظة الإسكندرية، مما أسفر عن مقتل 49 شخصًا، وإصابة أكثر من 100 آخرين، في حادث كان عدم ميكنة خطوط السكة الحديد أحد أسبابه الرئيسية، لأنه نتج عن «إصدار العامل المختص بالسكة الحديد إشارة خاطئة من سيمافور، أسفرت عن سير القطار المتحرك على نفس قضبان المتوقف وتسبب فى وقوع الحادث». بحسب تصريحات أدلى بها محمد سلطان، محافظ الإسكندرية،  عقب وقوع الحادث.

السيسي: «المصريين معاهم فلوس كتير»

بعد تصريحات للسيسي متكررةٍ يؤكد فيها شدة فقر مصر، ويشدد فيها على متلازمة «بكام ومنين؟»، قال الرجل في نهاية 2017، تصريحًا بدا غريبًا ومنافيًا لما سلف أن صرح به، عندما حاول أن يُشجع المستثمرين الأجانب للاستثمار في مصر خلال  قمة إفريقيا 2017 المُقامة في شرم الشيخ، لفت فيه إلى «غنى المصريين».

وقال السيسي في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2017: «السوق المصري سوق ضخم جدًا، أنت بتتكلم في فرصة مع 100 مليون مصري ده رقم هايل، المصريين معاهم فلوس كتير، سواء مستثمرين أو حتى  مواطنين عاديين».

https://www.youtube.com/watch?v=wpjqn6CtrJU

وأطلق السيسي التصريح على عموم المصريين، دون أن يحدد نسبة هؤلاء الذين يمتلكون «فلوس كتير»، والذين يمثلون الطبقة الغنية في مصر، وهي نسبة غابت عن التقارير والتصريحات الرسمية في مصر، منذ فترات طويلة وبالأخص بعد تعويم الجنيه في نوفمبر 2016، فلم يتضمن تقرير تعداد مصر 2017 المكلف والمطول نسبة الأغنياء في مصر.

ويعود أحدث رقم في هذا الصدد إلى كتاب الإحصاء السنوي لعام 2017، والذي صدر في سبتمبر (أيلول) 2017، ولكن اللافت أن أحدث بحث للدخل والإنفاق والاستهلاك، في هذا الكتاب، والذي يتضمن تقسيم الطبقات بمصر، يعود لعام 2015، وخرج للنور في سبتمبر 2016، وأفاد بأن نسبة من يتعدى إنفاقهم الشهري 4160 جنيهًا في مصر لا تتعدى نسبتهم 15.7%، كان ذلك قبل رفع الأسعار وتعويم الجنيه الذي أغرق فوريًا ما لا يقل عن 27.8% من المصريين إلى ما دون الفقر المدقع!

اقرأ أيضًا: الآثار الاجتماعية لـ«تعويم الجنيه».. أين تذهب الطبقة المتوسطة؟

السيسي يدعو لاستخدام «القوة الغاشمة»

تعني كلمة «غاشم» في اللغة العربية ظالمًا أو غاصبًا أو وحشيًا، وفي 24 نوفمبر 2017، وأثناء استماع المصلين لخطبة الجمعة، شنّ مسلحون هجومًا على مسجد الروضة في شمال سيناء، استخدموا فيه رشاشات آلية، ليسقط 309 قتلى، ما بين شاب ومسن وكهل وطفل، بالإضافة إلى إصابة أكثر من 120 آخرين، وذلك قبل أن يفر المسلحون عقب الهجوم، دون تدخل أمني مباشر من الدولة، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها الرسمية عن الهجوم حتى الآن.

وفي مساء يوم الهجوم، أعلنت القوات المسلحة المصرية أنها استهدفت بؤرًا إرهابية لمنفذي الهجوم واصفةً إياه بـ«الغاشم»، ولكن ذلك لم يمنع السيسي من استخدام نفس اللفظ في الرد على الهجوم،   عندما قال يوم 29 نوفمبر 2017، إنه: «يلزم الفريق محمد فريد حجازي (رئيس أركان الجيش) خلال ثلاثة أشهر، باستعادة الأمن والاستقرار في سيناء» مضيفًا: «أنت – رئيس أركان الجيش – والشرطة المدنية… وتستخدم كل القوة الغاشمة، كل القوة الغاشمة».

اقرأ أيضًا: «هجوم الروضة في الصدارة».. الهجمات الأكثر دموية ضد المدنيين عالميًّا في 2017

السيسي: «لا سجناء سياسيين في مصر»

في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، جدد السيسي نفيه وجود معتقلين على خلفية قضايا سياسية في مصر، عندما قال السيسي: «لا وجود لمعتقلين سياسيين في مصر. لا يوجد لدينا سجناء سياسيون»، في الوقت الذي نقل في تقرير للخارجية البريطانية عن منظمات حقوقية غير حكومية أن المعتقلين السياسيين في مصر قد بلغ عددهم نحو 60 ألفًا.

وبدت كلمات السيسي منافية للتعامل الفعلي لوزارة الداخلية في مصر «التي تُفرق بين المساجين الجنائيين والسياسيين بشكل صريح بلا مواربة أو خجل»، بحسب سيد (اسم مستعار)، وهو شقيق لأحد السجناء في مصر، الذي أضاف في تصريحات لـ«ساسة بوست»: «عند تسجيل الزيارة لشقيقي يسألني الشرطي: ستزور سجينًا سياسيًا أم جنائيًا، وكل منهما له سجل مختلف».

ما قاله سيد أكده أيضًا أحد أشد المؤيدين للنظام المصري، وهو علاء عابد، رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري، الذي قال قبل أقل من أسبوعين من تصريحات السيسي، خلال زيارته لسجن برج العرب، بعفوية ووضوح «قابلت كل المساجين: جنائي وسياسي» مستخدمًا ذلك التفريق بين المساجين الجنائيين والسياسيين.

وتجدر الإشارة إلى أن مصر حلت في المركز 146 عالميًا، من بين 149 دولة، في معيار الحرية الشخصية، ضمن
مؤشر الرخاء العالمي لعام 2017
، الصادر في نوفمبر الماضي، ويتضمن ذلك المعيار قياس تقدم الدولة نحو الحقوق القانونية، والحرية الشخصية، والتسامح الاجتماعي، وهو ما يشي بتأخر مصر في تلك الجوانب.

اقرأ أيضًا: 4 دول عربية في ذيل القائمة.. تعرّف على ترتيب بلدك في مؤشر الرخاء العالمي 2017

المصادر

تحميل المزيد