عادةً ما تعتمد الحكومات على استخدام الغاز المسيل للدموع لفض التظاهرات، وقد يتصاعد الأمر إلى وسائل أكثر دموية تتضمن إطلاق الرصاص الحي، بل قد تصل إلى استخدام المدرعات والطائرات أحيانًا في الدول الأكثر قمعًا، ولكن أن تستخدم الجمال لفض تظاهرات! تبدو وسيلة غريبة حقًا من وسائل غريبة أخرى تتضمن استخدام «النبال»، والمياه نتنة الرائحة!

«الخيول والجمال» لفض التظاهرات في مصر

إن أحداث الأيام القليلة الماضية تفرض علينا جميعًا شعبًا وقيادة الاختيار ما بين الفوضي والاستقرار.. وأقول بكل الصدق وبصرف النظر عن الظرف الراهن أنني لم أكن أنتوي الترشح لفترة رئاسية جديدة.

قال الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك تلك الكلمات، يوم 1 فبراير (شباط) 2011، فيما عُرف بـ«الخطاب العاطفي» والذي جاء في محاولة لمبارك لتهدئة الحشود الغاضبة منه والمطالبة بإسقاط نظامه في ميدان التحرير وغيرها من الميادين المصرية في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

ولم يمضِ على هذا الخطاب أكثر من 24 ساعة، حتى تفاجأ المتظاهرين في  نهار اليوم التالي الموافق 2 فبراير 2011، بمجموعة من مؤيدي مبارك امتطوا الخيول والجمال التي عبرت مدرعات الجيش، ليهاجموا  المتظاهرين، وحاولت اقتحام ميدان التحرير وفض التظاهرات، في مشهد غير مسبوق في التاريخ المصري الحديث استُخدمت فيه الجمال والخيول في معركة ليست في الصحراء، وإنما على أرض إسمنتية في قلب العاصمة المصرية القاهرة.

وكان ذلك اليوم من أشد أيام الثورة دموية، وشهد اشتباكات متواصلة بين مؤيدي مبارك والثائرين ضده امتدت لساعات طويلة، وأوقعت عشرات الضحايا، وظل ذلك اليوم محفورًا في أذهان المصريين باسم «موقعة الجمل» ارتباطًا بتلك الوسيلة الغريبة في فض التظاهرات،  وانتهى اليوم بإبعاد مؤيدي مبارك، واستمرار تظاهرات الثائرين ضده في ميدان التحرير؛ حتى أعلن مبارك تنحيه بعد أقل من 10 أيام من موقعة الجمل يوم 11 فبراير 2011.

اقرأ أيضًا: كيف كشفت الوثائق المسربة عن سياسات الإمارات تجاه مصر منذ ثورة يناير؟

«النبال والمقاليع» لفض التظاهرات في الهند

إذا ارتبط في ذهنك مظهر الجمال والخيول بالحروب والسيوف في العصور القديمة، وتفاجأت باستخدامها في فض تظاهرات في القرن الحالي، فإن النبال التي كان يستخدمها الأطفال أحيانًا في إزعاج بعضهم البعض تعتبرها الهند أداةً لفض التظاهرات!

في فبراير 2016 أفادت الشرطة في ولاية «هريانا» الهندية بأنها ستسخدم النبال أو المقاليع في فض التظاهرات العنيفة، وبدأت بالفعل في تدريب رجال الشرطة على استخدام النبال؛ الأمر يبدو غريبًا حقًا ومضحكًا بعض الشيء، ولكنّ «ابهيشيك جوروال» المسؤول الشرطي في الولاية الهندية أكَّد في تصريحات صحافية أن  استخدام النبال «جاء بعد فترة طويلة من البحث والتطوير»؛ لتجنب استخدام الأسلحة المميتة، لافتًا إلى أن الشرطة أخذت تعليمات باستخدام النبال وقنابل الغاز المسيل للدموع، والاحتفاظ بالرصاص «الحي» خيارًا أخيرًا.

تدرب أفراد الشرطة في الهند على استخدام النبال المعدة لفض التظاهرات (المصدر: بي بي سي)

وتعتمد النبال على ذخيرة تتكون من «كرات الفلفل والرخام» الُمعبئة في أكياس صغيرة في يد أفراد الشرطة؛ ليستخدموها ذخيرةً للنبال؛ لتكون سلاحًا مع الشرطة بجانب الهراوات والغاز المسيل للدموع، ويقول جوروال: «إن ذخيرة النبال لن تتسبب في ضرر دائم للمتظاهرين، ولكنها ستدفعهم للتراجع والابتعاد».

«البُوأش» تستخدمه قوات الاحتلال الإسرائيلية لفض تظاهرات الفلسطينيين

تخيّل أنك أثناء التظاهر فوجئت بسقوط مياه متسخة ذات رائحة نتنة عليك، ربما لا تُطيق الاستمرار  طويلًا في التظاهر، وهذا ما وصلت إليه قوات الاحتلال الإسرائيلي؛ ليستخدموا  تلك الوسيلة في فض تظاهرات الفلسطينيين؛

ليستخدم ما يُسمى بـ«البُوأش»  وهو سائل يُعرفه «بتسليم» مركز المعلومات الإسرائيلي في الأراضي المُحتلة بأنه: «سائل نتن ومتعفّن طوّرته شرطة إسرائيل من أجل تفريق المظاهرات. ويُرشّ هذا السّائل من صهاريج، ورائحته لا تُطاق، ويُجبر كلّ شخص موجود في المنطقة القريبة على الابتعاد»، ولا يتوقف الأمر على الرائحة الكريهة فقط، وإنما تمتد أضرار ذلك السائل إلى ما هو أبعد؛ إذ تُضيف جمعية حقوق المواطن في إسرائيل بأن السائل يُسبب «الشعور بالغثيان، ويمكن أن يؤدّي لمسُ السائل للعينيْن للألم والاحمرار، وإلى تهيّجات عند لمسه الجلد، وقد يؤدّي في حالة البلع إلى آلام في المعدة تستوجب عناية طبيّة»

سيارة رش المياه في  شرطة الاحتلال الإسرائيلي (المصدر: الأناضول)

ولذلك، ففي المرة القادمة التي ترى فيها قوات الاحتلال تستخدم سيارات المياه لفض التظاهرات، فلا تستبعد أن تكون تلك المياه، ليست مجرد مياه عادية، وإنما مياهًا «عادمة» غنية بسائل «البُوأش»، اللافت أن قوّات الاحتلال الإسرائيلي لا تستخدم تلك المياه العادمة لفض التظاهرات فقط، وإنما ترشه أيضًا على البيوت والأسواق والمحال التجارية لإزعاج الفلسطينيين.

وتحكي الفلسطينية «رانيا» لـ«العربي الجديد»، والتي  أصاب الحي الذي تعيش فيه بُوأش الاحتلال: «عندي حساسية من الروائح، وبمجرد أن ترش المياه العادمة على الحيّ ابدأ بالتقيؤ والُسعال بشدة، وأسارع بالهروب من البيت إلى المستشفى مع أولادي، حيث أعطونا أدوية ونصحونا بالابتعاد عن المنطقة».

«المياه الملونة» لفض التظاهرات والقبض على المتظاهرين

إذا كنت شاركت في إحدى التظاهرات التي فضها الأمن، وبدأ في محاولة اعتقال بعض المتظاهرين، فلن ينفعك كثيرًا  محاولة التنكر بشراء بعض «الفواكه والخضروات» لإظهار نفسك أنك أحد المارة العابرين صدفةً في الشارع بعد فض التظاهرات، إذا كانت الشرطة استخدمت في فضها للتظاهرت المياه الملونة، وهي التي تميز المتظاهرين، وتستخدمها عادةً الأنظمة، ليس فقط لفض التظاهرات، وإنما أيضًا لمحاولة القبض على المتظاهرين.

ومثلما استخدمت قوات الاحتلال «المياه العادمة» في فض تظاهرات الفلسطينيين، فإنها استخدمت أيضًا «المياه الملونة» أحيانًا لفض التظاهرات ومحاولة اعتقال بعض المشاركين فيها.

الشرطة الإسرائيلية تستخدم المياه الملونة لفض تظاهرات فلسطينيين (المصدر: أ ف ب)

ولا يقتصر استخدام  المياه الملونة على شرطة الاحتلال الإسرائيلية فقط، وإنما استخدمت لفض التظاهرات أيضًا في دول أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، منها دول: المجر، وماليزيا، والأرجنتين، بالإضافة إلى جنوب أفريقيا، تلك الدولة التي مرّت بتجربة «فريدة» مع استخدام  المياه الملونة.

«الأرجواني يجب أن يحكم» شعار الحملة المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا

وتعود تلك القصة لعام 1989، عندما استخدمت الشرطة الجنوب أفريقية المياه الملونة باللون الأرجواني (البنفسجي)  لفض تظاهرات المعارضين لنظام الفصل العنصري؛ ليتمكن أحد المتظاهرين بتحويل المياه الأرجوانية نحو الشرطة والمباني الحكومية، تلك الواقعة التي لم تمر مرور الكرام، وإنما استلهم مناهضو العنصرية منها شعارًا لهم يحمل اسم «الأرجواني يجب أن يحكم»، وبالفعل أعقبت تلك الاحتجاجات المتواصلة إنهاءً لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا!

اقرأ أيضًا: 3  من أهم الصراعات التاريخية التي انتصر فيها «اللا عنف»

المصادر

تحميل المزيد