ترجمة وتحرير الخليج الجديد

 

فى وقت مبكرمن يوم 2 أبريل/ نيسان، اقتحمت جماعة مقاتلين من تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، المكلا، خامس أكبر مدينة فى اليمن وعاصمة محافظة حضرموت. واقتحم المسلحون السجن المركزى الذى يقع على المشارف الشمالية للمدينة، ويذكر أنه تم إطلاق سراح 300 سجين، العديد منهم كانوا أعضاء فى تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، بينهم «خالد بارتافي» القاعد العسكرى البارز. ثم انتقل المقاتلون إلى المدينة و سيطروا على الميناء والبنك المركزى والعديد من المبانى الحكومية، بما فى ذلك القصر الرئاسى.

وفى وقت لاحق نشر «بارتافي» على «تويتر» صورا لنفسه من داخل القصر الرئاسى. وفى اليوم التالى، حول المقاتلون انتباههم إلى المنشآت العسكرية القريبة. ثم هرب الجنود عن المقر الرئيسى للمنطقة العسكرية الثانية فى اليمن وقاعدة قوات الأمن الخاصة بعد إبداء حد أدنى من المقاومة، لكن مقاتلى القاعدة كانوا قادرين على نهب مخازن الأسلحة.

لم تكن هذه الغارات جديدة على المكلا وفقط، فقد استولى تنظيم القاعدة على المقر الرئيسى للمنطقة العسكرية الثانية فى سبتمبر/ أيلول عام 2013. وفى أثناء فترة الانتشار السريع للتنظيم عام 2011، هاجم السجن المركزى وتم إطلاق سراح حولى 40 من مقاتلى تنظيم القاعدة . وفى سياق متصل يستمر التنظيم الجهادى في الاستفادة من فراغ السلطة فى اليمن لتوسيع نطاق سيطرته فى البلاد.

تقدم جاء في حينه

أسفر هجوم مقاتلي القاعدة على المكلا عن نصر ثلاثي، حيث غنموا خلاله مقاتلين وأسلحة وأموال، وهو ما من شأنه أن يعضد جهودهم في توسيع قاعدة سيطرتهم في اليمن، وفيما يخص القوى البشرية فقد قاموا بتحرير الكثير من الجنود. علاوة على استعادة التنظيم «خالد بارتافي» القائد العسكري الذي كان له دور بارز في سلسلة الهجمات التي شنها التنظيم في الفترة من 2011 حتى 2012 والتي أسفرت عن سيطرتهم على أجزاء كبيرة نسبيا من الدولة، هذا وقد غنم التنظيم كميات كبيرة من الذخيرة والأسلحة الصغيرة والخفيفة، بالإضافة إلى الأسلحة الثقيلة مثل العربات المدرعة وقطع المدفعية. وقد نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسئول يمني قوله بأن حصيلة ما تم نهبه من نقود من البنك المركزي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، وهو الريع الذي سيكون له أثر إيجابي في معاملات كدفع الرواتب وشراء الأسلحة وكسب ولاء بعض القبائل اليمنية.

كانت بعض التقارير قد أشارت إلى قيام بعض قادة القبائل بحضرموت بحشد قوة لضرب القاعدة وطردها خارج المكلا، إلا أن التنظيم لا يزال يفرض سيطرته على معظم أجزاء المدينة، يذكر أيضا أنه رغم تمركز مركبات القاعدة ومقاتليهم بأعداد كبيرة داخل المكلا وعلى أطرافها إلا أن طائرات التحالف تجاهلت تماما أي هدف يمت للقاعدة بصلة، وبدلا من ذلك استمر طيران التحالف في تركيز هجماته على الوحدات العسكرية الموالية للرئيس السابق «على عبد الله صالح» وميليشيات الحوثيين، الأمر الذي عاد بالنفع على تنظيم القاعدة حيث أنه أضعف أكبر قوتين معاديين له، بل إن العديد من وسائل الأعلام تحدثت عن قيام ميليشيات القاعدة بمهاجمة واحتلال نقطة حدودية يمنية قرب مديرية زمخ ومنوخ في السادس من أبريل/نيسان الماضي، الخطوة التي قد تكشف عن احتمال تخطيط التنظيم لفرض سيطرته على قطاعات كبيرة من اليمن كما حدث عام 2011.

الغنيمة والدعاية الإعلامية التي حققها سقوط المكلا لم تكن لتأتي في وقت أفضل من وجهة نظر القاعدة، فقد كان التنظيم قد مني بخسائر فادحة في ميدان المعركة تحت وطأة الهجمات الجوية التي تشنها الولايات المتحدة منذ يناير 2012 واستخدمت فيها طائرات بدون طيار، أضف إلى هذا صعود «الدولة الإسلامية» أشهر الجماعات الجهادية في اليمن وإزاحتها تنظيم القاعدة من صدارة المشهد، فقد نفذ «تنظيم الدولة» سلسلة تفجيرات انتحارية على ثلاث مساجد تابعة للشيعة في صنعاء وفي مبني حكومي في صعدا أسفر عن مقتل 137 شخصا على الأقل وإصابة المئات، الأمر الذي حاز انتباها دوليا أكبر، ولكن النتيجة الأوقع كانت الرسالة التي بعثتها تلك الهجمات ومفادها أن أعضاء «تنظيم الدولة» على استعداد لاتخاذ تدابير خطيرة ضد الحوثيين، بينما اكتفى مقاتلو القاعدة غالبا بموقف المدافع، الأمر الذي دفع العديد من شباب المقاتلين من القاعدة إلى التذمر من افتقار التنظيم إلى مكاسب حقيقية مقارنة بما حققه تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا، بل إن البعض منهم انشق بالفعل وأعلن بيعته للدولة الإسلامية.

وفي ضوء ما سبق يتضح أن استحواذ القاعدة على المكلا والمنشآت العسكرية القريبة منها كان نصرا جاء للتنظيم في وقت هو أحوج ما يكون إليه، فالنجاح العسكري الذي حققته القاعدة بالإضافة إلى تحرير السجناء وتعزيز رصيدها من المال والأسلحة من شأنه أن يدعم قائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب «ناصر الوحيشي» في القضاء على حالة السخط والانشقاق بين جنود التنظيم.

الأجندة السعودية

استفاد القليل من الحرب الدامية التى دمرت معظم البنية التحتية للمدن الغربية فى اليمن من محافظة صعدة فى الشمال إلى عدن فى الجنوب، بإستثناء تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية. وعندما اختارت الرياض مهاجمة أعداء التنظيم على أرض الواقع فى اليمن، كانوا يعرفون بلا شك أن التنظيم الجهادي سيستفيد. وفى الواقع، بينما يعارض تنظيم القاعدة الفصائل المختلفة من الحركة الانفصالية الجنوبية والقوات الموالية للرئيسى المحاصر «عبد ربه منصور هادى»، لكن لم يكن لأى من هذه الأطراف أثر فى محاربة التنظم كميليشيات الحوثيين والوحدات الموالية لـ«صالح»، التى دربت الولايات المتحدة العديد منهم.

لماذا، إذن، اختارت المملكة العربية السعودية التدخل فى حرب أهلية فى اليمن؟ أولا وقبل كل شئ، هذه ليست المرة الأولى التى فعلت فيها ذلك. بعد الانقلاب الناصرى عام1962 عندما تمت الإطاحة بالمملكة المتوكلية والإمام الزيدى، خشى السعوديون أنهم سيكونون البلد التالى التى يستهدفها الناصريون. لذلك تدخلوا إلى الجانب الملكى، لضمان أن الحرب ستكون طويلة ودموية، ولكن ستظل جنوب الحدود السعودية.

أيضا، وإلى جانب عمليات التوغل العسكرى، تدخلت الرياض منذ فترة طويلة فى شؤون جارتها  الفقيرة من خلال توفير الأموال والأسلحة إلى القبائل والفصائل السياسية الأخرة الداعمة للمصالح السعودية. وفى عددة مرات، ذهبت هذه المبالغ إلى أو من خلال «صالح»، الذى حكم شمال اليمن من عام 1978 إلى عام 1990 واليمن المتحدة من عام 1990 حتى عام 2012. كما تدخلت السعودية أيضا بجانب «صالح» فى حرب 2009ـ2010 ضد الحوثيين.

ومع ذلك، فإن الدافع الحقيقى لتدخل المملكة العربة السعودية فى اليمن هو حاجتها إلى الرد ضد إيران، أو على الأقل الظهور بالرد ضد إيران، بعد أن وافقت طهران وواشنطن على إطار الاتفاق النووى، والذى يعد أول خطوة فى تقارب أوسع بين البلدين. وترى السعودية أن تحسن العلاقة بين طهران وواشنطن يشكل تهديدا حقيقيا لموقفها الجيوسياسى، والذى يقوم على وعد الحماية من الولايات المتحدة.

وتسعى الولايات المتحدة مرة أخرى إلى إستراتيجية توازن القوى فى المنطقة. ومع تورط إيران عسكريا فى سوريا والعراق، تعتقد السعودية أنها بحاجة إلى القيام بشئ ما لاستعراض قوتها النامية وعرض قوتها العسكرية. وكان الحل السعودى لاختيار أضعف هدف: وهو اليمن؛ كونه أسهل بكثير للمملكة العربية السعودية للهجوم من حزب الله والحكومة السورية أو إيران نفسها. كما أن التدخل فى اليمن أعطى الفرصة للرياض لعرض قدرتها على بناء تحالف إقليمى مؤيد للسعودية. ومع ذلك، أظهر صالح والحوثيين قدرة كبيرة على التعافي بسرعة بعد الصمود لأكثر من أسبوعين تحت وطأة الضربات الجوية ودون إبداء أي مظهر من مظاهر الاستسلام.

وكما ذكرنا آنِفاً فطبيعة الصراع في اليمن ليست بالطائفية ولا بالإقليمية، بل يمكن توصيفها بدقة أكبر على أنها صراع داخلي على السلطة داخل الدولة، ورغم هذا فإن قوىً بذلت ما بوسعها لصبغ الصراع بالطائفية، ومن العجيب أن أول من وسم الصراع ضد الحوثيين بالطائفية كان «صالح» المتحالف حاليا مع الحوثيين. فبعيد أول مواجهة له مع الحوثيين عام 2004، حاول «صالح» مرات عديدة إقناع حكومتي الولايات المتحدة والسعودية أن إيران تدعم الحوثيين وأنه يجب عليهم الرد عن طريق دعم جهود اليمن في القضاء على المتمردين، بل إن «صالح» قد طلب من المسئولين الأمريكيين معلومات استخبارية قد تقوده لاغتيال «مالك الحوثي» زعيم الحوثيين، لكن البرقيات العديدة الواردة من وزارة الخارجية الأمريكية في الفترة من 2004 إلى 2010 تظهر أن الولايات المتحدة لم تقتنع بالمزاعم القائلة بدعم إيران وتظهر فشل «صالح» ووزرائه في تقديم أي برهان على تورط إيران أو حزب الله.

واقتداء بـ«صالح» حاولت إيران توصيف الصراع ضد الحوثيين على أساس طائفي لتضخيم صورتها الذهنية وقوة نفوذها وسعة سطوتها في محاولة منها لردع منافسيها، بل تعدى الأمر إلى تزويدها مركز «ستراتفور» الأمريكي للاستخبارات بمعلومات مزيفة بهدف تضخيم دور حزب الله وطهران وتورطهم مع الحوثيين.

ومن المستحيل التأكد مما إذا كانت السعودية قد صدقت مزاعم «صالح» المضللة أو أنها تستغلها فقط لاستعراض قوتها في اليمن، وفي كلا الحالتين فإن السعودية انتهى بها المطاف إلى تدمير مخازن للسلاح التي كانت قد أعطتها لليمن لدعم «صالح» في حربه ضد الحوثيين في مفارقة فريدة من نوعها.

الأفعى القاتلة

وعلى كل حال فلا يمكن لـ«صالح» الفوز بهذه المعركة في اليمن، فرغم ما اشتهر به «صالح» من قدرته على «الرقص على رؤوس الأفاعي»، والتي اكتسبها بسبب جهوده الاستثنائية، والقصيرة الأمد أيضا، في التلاعب بمصالح القوى المتناحرة في اليمن وضرب بعضهم ببعض، إلا أنه يرى بعينيه الآن كل ما بناه يسقط متهدما من حوله، وهو لا يخدم سوى مصالحه الخاصة وسينقلب على حلفائه إن كان في ذلك منفعة له.

 فعلى سبيل المثال قام «صالح» باستغلال القبائل المحافظة والجهادية ضد أعدائه في الجنوب أثناء الحرب الأهلية في الفترة من 1993 إلى 1994، واستخدمها كذلك ضد الحوثيين أكثر من مرة خلال الست حروب التي خاضها ضدهم، ولم يقتصر استغلاله للجهاديين على محاربة أعدائه ولكنه استخدمهم أيضا كفزاعة للولايات المتحدة لضمان حصوله على التمويل والأسلحة والتدريب الذي ينشده. ومنذ الإطاحة به في 2011، صار «صالح» ناقمًا يستخدم الحوثيين ليهاجم بهم آل الأحمر، وهي إحدى العائلات القوية التي تقود قبائل «حاشد» التي أشعلت شرارة الحرب الأهلية التي أدت في نهاية المطاف إلى إجبار «علي عبد الله صالح» على التنحي، وهو في ذات الوقت يطلب ثأره ممن يعتقد أنهم مسئولون عما آل إليه حاله مثل «عبد ربه هادي» والمصالح الأجنبية في اليمن.

 فتراه متقمصًا دور شخصية الشرير في إحدى الكتب الهزلية في سعيه إلى الانتقام من المسئولين عن محاولة اغتياله في يونيو/حزيران2011، التي شوهته وكادت تقضي على حياته.

وتستمر معاناة اليمن بين تنظيم جهادي آخذ في التعافي ورئيس سابق ناقم ذا حيلة واسعة وبين العديد من قادة القبائل المختلفين والقادة العسكريين، ولا تزيد الضربات الجوية والقتال في المدن الموقف إلا تعقيدا، فعلى مدار العقود الماضية كانت اليمن تترنح على حافة الانهيار بسبب الحروب الأهلية التي لا تنقطع والثورات المسلحة والحركات الجهادية والاقتصاد المتهاوي والتضخم السكاني والجوع وفقر المياه، ثم لم يزد التحالف الذي تقوده السعودية اليمن شيئا، إلا أنه،على ما يبدو، قد دفع اليمن من على الحافة إلى أسفل الهاوية، وكما هو حال الصومال وليبيا وسوريا فإن عودة اليمن إلى ما كان عليه سيكون أمرا بالغ الصعوبة وسيستهلك الكثير من الوقت، وفي خضم الفوضى الراهنة سينمو تنظيم القاعدة ويزدهر.

المصدر | ستراتفور

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد