ترجمة وتحرير: الخليج الجديد

تحاول حركة «حماس» تضييق الخناق على النشاط الجهادي في قطاع غزة وسط ادعاءات ومؤشرات على وجود أنشطة تعود لتنظيم «الدولة الإسلامية» في المنطقة، وتريد «حماس» الحفاظ على مكانتها كقوة سياسية مهيمنة، والخروج من العزلة المفروضة عليها منذ سنوات، وإعادة التواصل مع القوى السنية الإقليمية، وبخاصة مصرح وسوف ينبني ذلك في صورة كبيرة منه على مدى نجاح الحركة في منع تحول قطاع غزة إلىقاعدة لعمليات «الدولة الإسلامية».

تحليل

وتدل العديد من الأحداث في غزة في الأشهر الأخيرة على احتمال وجود فروع لـ«الدولة الإسلامية» هناك، وكان أبرز هذه الأحداث هو اعتقال رجل دين سلفي يوم 6 إبريل/نيسان من قبل قوات الأمن التابعة لـ«حماس». وما يثير الاهتمام أكثر هي سلسلة الهجمات التي سبقت وتلت عملية الاعتقال، لقد كان هناك عدد من العبوات الناسفة حول مدينة غزة وقد تسببت في جملة من الأضرار الطفيفة دون وقوع إصابات، وكانت مجموعة تطلق على نفسها اسم «الدولة الإسلامية بمحافظة غزة» قد أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات، وعلى الرغم من أن الهجمات لم تكن مثيرة بشكل خاص، وكلا الفريقين، «حماس» والسلفية في غزة، لم يعلقا على مزاعم وجود فرع للدولة الإسلامية في القطاع، إلا إنه يبدو أن هناك نوع من النشاط للدولة الإسلامية الذي يمكن أن يهدد سلطة «حماس».

ومنذ أواخر عام 2014، تحاول المجموعة إعلان نفسها ممثلا لحكومة القطاع التابعة للدولة الإسلامية، أو «ولاية غزة»، من خلال العديد من البيانات والتصريحات، وإعلان المسؤولية عن عدد من الهجمات، وأعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم الذي وقع على المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، وفي الشهر التالي أصدرت المجموعة بيانا يطالب المرأة بالالتزام بقواعد الشريعة في اللباس، وفي ديسمبر/كانون الاول أصدرت المجموعة بيانا هددت فيه بقتل عدد من الكتاب والشعراء في غزة إذا لم يتوقفوا عن «الإساءة للإسلام»، وعلى سبيل المقارنة، فإن «حماس» لديها موقف معتدل تجاه الرموز الاجتماعية فيما يتعلق باللباس والأدب.

وبعد اعتقال رجل الدين الذي يدعى «عدنان خضر ميط» في 6 إبريل/نيسان، طالبت بيانات موقعة باسم «ولاية غزة» بإطلاق سراح أفراد «الدولة الإسلامية» السجناء في قطاع غزة، وانفجرت عبوات ناسفة في مدينة غزة في أيام  6 و10 و17 إبريل/نيسان، وبدا أن الهجمات التي وقعت بين أواخر عام 2014 والآن مجرد إشارات تحذيرية، ومع ذلك فإنهم لم يصلوا بعد الى مرحلة استهداف الناس أو البنية التحتية.

ومارست حركة «حماس» ضبط النفس في التعامل مع هذه الهجمات والتهديدات من نشاط «الدولة الإسلامية» في غزة بشكل عام، وعلى الرغم من أنها تحاول احتواء أنشطة الجماعات السلفية المتشددة، إلا أن «حماس» لم تسعَ إلى مواجهة علنية مع الإسلاميين، وفي الماضي حاولت «حماس» احتواء الأنشطة السياسية للحركات السلفية، والآن توجد دلائل على أن «حماس» يمكن أن تتحول نحو استراتيجية القضاء على الأنشطة السلفية، ولكن حتى الآن تحاول الحركة التقليل من شأن قضية وأهمية وجود ما يسمى بـ«الدولة الإسلامية» في القطاع، وهناك الكثير من تصريحات لقادة في «حماس» بأنه لا وجود لما يسمى بـ«الدولة الإسلامية» في قطاع غزة، ولا يعلقون من قريب أو بعيد على الهجمات التي تشنها «ولاية غزة».

إنكار وجود أي نشاط للدولة الإسلامية في غزة هو جزء مهم من حماية شرعية حركة «حماس»، ولم تسلم حركة «حماس» من وجود معارضة داخلية بشكل دائم، لكن ظهور مجموعة جهادية متطرفة تعود للدولة الإسلامية من شأنه أن يثير تساؤلات حول مدى سيطرة حماس في الواقع وبشكل فاعل على التشدد في غزة، ومن أجل الحفاظ على سلطتها وتمثيل غزة في المفاوضات، سواء مع مصر أو إسرائيل، تحتاج «حماس» لإظهار أن لديها قدرة على السيطرة على القطاع.

احتمالية وجود «الدولة الإسلامية»

هناك تعاطف من مجموعات قليلة في القطاع مع «الدولة الإسلامية»، المجموعة التي يمكن أن تكون هي المسؤولة عن الهجمات في غزة – ما يشكل تهديدا خطيرا للأراضي، هي المنظمة المعروفة سابقا باسم جماعة أنصار بيت المقدس. وأعلنت هذه المجموعة عن نفسها في عام 2011، متخذة في الأساس شبه جزيرة سيناء في مصر مقرا لشن عمليات تمردها، ولكنها كانت أيضا نشطة في غزة، وفي الواقع هناك فصيلان مختلفان يعلنان عن أنفسهما تحت مسمى «ولاية غزة» و«ولاية سيناء»، وتبنت المجموعة هذه الأسماء بعد انقسام في المؤسسة قاد الفصيل النشط في سيناء إلى مبايعة «الدولة الإسلامية» في نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

وتم الكشف عن ارتباط رجل الدين المقبوض عليه في 6 إبريل/نيسان بولاية سيناء، ويشير اعتقاله إلى أن «حماس» وجدت أنه من الضروري أن تبدأ عملية تضييق الخناق على المجموعة، لم يكن هناك مواجهة كبيرة أو هجمات تذكر حتى الآن، ولكن إذا زادت حدة الضغط بين «حماس» وأنصار بيت المقدس، وباتت «ولاية غزة» قادرة على الاعتماد على مواردها في سيناء، فإن «حماس» سوف تواجه صعوبات في احتواء المجموعة أو القضاء عليها.

وليست «ولاية سيناء» هي المنظمة السلفية الوحيدة التي تتصل بـ«الدولة الإسلامية» في قطاع غزة، فهناك «مجلس شورى المجاهدين» وهو عبارة عن مجموعة أخرى لها تمثيل جيد في سيناء، ولكنها غير قادرة على القيام بنشاط يذكر في غزة.

وأعلنت المجموعة صراحة دعمها للدولة الإسلامية ولكن لم تعلن ولاءها، ومع ذلك فقد ظهر ما تقوم به المجموعة من نشاط في تجنيد المقاتلين الفلسطينيين الذين انضموا إلى القوات مع «الدولة الإسلامية» في سوريا.

تنظيم آخر أكثر غموضا هو «جند الله» وقد بقيت هذه المجموعة نائمة منذ الحملة القوية من قبل «حركة حماس» ضدها في عام 2009، والتي انتهت بمعركة بالأسلحة النارية الكبيرة قتل خلالها معظم قادة الفصيل، وقد دفع هذا الحادث «الدولة الإسلامية»، المعروفة آنذاك باسم تنظيم القاعدة في العراق، للتنديد بحركة «حماس»، وعادت «جند الله» إلى الظهور في الآونة الأخيرة عندما أصدرت شريط فيديو معلنة مسؤوليتها عن هجوم ثان على المركز الثقافي الفرنسي في غزة في ديسمبر/كانون الاول عام 2014، وفي شريط الفيديو، زعمت المجموعة أنها نفذت الهجوم دعما للدولة الإسلامية، ويشتبه وجود صلات بين «جند الله» ووحدة المقاتلين الفلسطينيين في سوريا التي تعمل تحت مظلة «الدولة الإسلامية».

ومن الواضح أن «الدولة الإسلامية» لديها العديد من الاتصالات المختلفة، علاوة على درجة معينة من الدعم الشعبي لأنشطتها في قطاع غزة، حيث تتوافر الظروف اليائسة التي تمثل أرضا خصبة للتطرف، ورغم ذلك فإنه ليس هناك أية علامة على وجود حملة مركزية لعناصر الدولة الإسلامية في سوريا أو العراق لممارسة النفوذ أو سلوك العمليات في غزة، ولا توفر «الدولة الإسلامية» منصة جديدة لمحاولات التوسع.، ولا تزال «حماس» تعطي إشارات حتى الآن على قدرتها التعامل مع هذه التحديات، ومع ذلك فإنه رغم اليقين في سيطرة «حماس» على قطاع غزة من دون ذرة شك، إلا إن نشاط «الدولة الإسلامية» قد يكون ضارا بهذه المنظمة الفلسطينية.

تعقيدات محتملة

وتعتمد «حماس» على القوى الخارجية بما في ذلك مصر وإيران للحفاظ على السلطة في غزة، ولكن مسألة تحول العلاقات في الشرق الأوسط تسببت في ترك «حماس» دون خط واضح ومضمون من الدعم، وتسببت الحرب في مصر ضد الإرهاب في سيناء وعلاقة القاهرة مع إسرائيل في تضييق الخناق على شحنات الأسلحة إلى «حماس» عبر شبه جزيرة سيناء، وهو الطريق الذي أفسده نجاح المملكة العربية السعودية في سحب السودان بعيدا عن رادار النفوذ الإيراني، التزامات إيران في سوريا والعراق، والأهم من ذلك، سلوكها في ضوء الاتفاق النووي مع القوى العالمية كان أيضا وراء حدوث تغير وتأثر في الدعم لـ«حماس».

وفي هذا السياق، تحتاج حركة «حماس» إلى التأكد من أنه لا ينظر إليها على أنها مضيف محتمل لـ«الدولة الإسلامية»، وهو الأمر الذي من شأنه أن يضر أكثر علاقاتها مع مصر، ويمثل انتشار النشاط الراديكالي غير المنضبط في غزة أيضا خطرا بالغا في احتمالية تصاعد الصراع مع إسرائيل، ومن الناحية التاريخي، فإن شن «حماس» لحملة ضد جماعات مثل حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية والمجموعات السلفية التي على علاقات بالدولة الإسلامية، والتي دأبت على استهداف الإسرائيليين كان عنصرا أساسيا في حفاظ «حماس» على مكانتها كممثل فلسطيني رئيسي في المفاوضات، ويمكن القول إنه حتى الآن لا تزال «حماس» ناجحة في احتواء نشاط «الدولة الإسلامية» في قطاع غزة، ولكن هذا قد يتغير في حال أن «حماس» تبنت إجراءات أكثر صرامة ضد المجموعة أو أنها تركت الأمر دون معالجة، واضعة رأسها في الرمال ومصرة على أنه لا وجود للدولة الإسلامية في القطاع.

ويمكن لحركة «حماس» أن تثبت قدرتها على التعامل مع المشكلة في حال أن جهودها كانت فعالة، وهو الأمر الذي يساعد القاهرة في التعامل مع مشكلة سيناء الخاصة بها، ونعود لنؤكد أن تبني «حماس» سياسة المواجهة مع الجهاديين في غزة يجعل من الحركة هدفا أكبر لأنشطتهم.

المصدر | ستراتفور

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد