على الرغم من أثره الايجابي برفع أسعار النفط عالميًا، إلا أن الكويت، التي تسبب إضراب عمال النفط فيها بهذا الارتفاع، تواجه خطرًا حقيقيًا مع كل يوم يمر على هذا الإضراب غير مسبوق، فقد انخفض إنتاجها المقدر ثلاثة ملايين برميل نفط يوميًا، إلى أقل من النصف، خلال الثلاثة أيام الأولي للإضراب.

رابع أكبر منتج لنفط في «أوبك»، الكويت، معرضة مع هذه الأزمة إلى انزلاق كبير، قد يؤدي إلى انفلات زمام الأمور، فالعمال ونقاباتهم مصرين على مطالبهم بتراجع الحكومة عن تطبيق «مشروع البديل الاستراتيجي»، الذي يرون فيه إجحافًا لحقوقهم الوظيفية، بينما ترى فيه الحكومة سبيلًا لترشيد النفقات، وتنفيذ خطتها للإصلاح الاقتصادي، ومواجهة أزمة أسعار النفط. وفيما تتعامل الحكومة الكويتية بتعنت كبير مع مطالب المضربين، اضطرت نقابة شركة البترول الوطنية لإرسال مذكرة لمنظمة العمل الدولية تشكو فيها تهديدات الحكومة وتعسفها في التعامل مع إضراب عمال النفط.

إضراب غير مسبوق

«أوقفوا التدخل في حقوق العاملين في القطاع النفطي»، «لا لانتقاص حقوقنا»،«لا للخصخصة»، و«لا لانتقاص حقوق العاملين في القطاع النفطي»، بعضًا من الشعارات التي رفعها عمال النفط الكويتيين خلال إضرابهم، أمام نقابات الشركات في منطقة «الأحمدي».

بدأ هذا الإضراب بحشد عمالي غير مسبوق، ففي اليوم الأول أضرب 13 ألف عامل من أصل 20 ألفًا في قطاع النفط، ونقل عن رئيس نقابة العاملين في شركة نفط الخليج، «فالح هندي العجمي»، قوله إن «الإضراب قائم ومستمر، فأنتم من يدافعون عن الكويت ككل، وأنتم من تملكون القرار في القطاع النفطي، الذي هو ملك الشعب، ويجب تكوينه، وإقالة من تسبب في هذا الإضراب».

ورغم أن مطالب عمال النفط بدأت برفض اعتماد «مشروع البديل الاستراتيجي»، إلا أنه سرعان ما تحولت مطالبهم نحو المزيد؛ إذ طالب اتحاد عمال البترول وصناعة البتروكيماويات والنقابات، بإقالة وزير النفط بالوكالة، والرئيس التنفيذي لمؤسسة البترول الكويتية، وكذلك إلغاء تعيين العمالة الأجنبية، وتكوين القطاع النفطي بالكامل، وجميع مرافقه، وتوظيف الكويتيين.

ما هو «مشروع البديل الاستراتيجي»الحكومي؟

في إطار بحثها عن وسائل تقشفية لمواجهة تدني أسعار النفط على المستوي العالمي، فرضت الحكومة الكويتية على جميع القطاعات، بما فيها القطاع النفطي، ما أسمته بـ«مشروع البديل الاستراتيجي»، وهو بمثابة هيكل جديد للرواتب والمزايا الوظيفية، اعتبرت بنوده مقلصة للمزايا المالية والوظيفية للمطبق عليه من العاملين في الكويت.

 

اتخذ قرار المشروع من قبل ديوان الخدمة المدنية بالكويت، وقد أعدته إحدى الشركات المختصة لمواجهة أزمة أسعار وهو مشروع يشمل 3150 مسمى وظيفيًا على جميع مستويات الدولة. النقابات النفطية التي رفضت المشروع سرعان ما طالبت باستثناء العاملين بقطاعها، والبالغ عددهم 20 ألفًا، مؤكدة على أن المشروع بمثابة انتقاص للعديد من المميزات  الوظيفية لهم، فعلى سبيل المثال، حسب سلم الرواتب الحالي، يعين الجامعي على الدرجة الرابعة، أما في مشروع البديل الاستراتيجي فسلم الرواتب سيكون طويلًا (يبدأ من 1 إلى 18 درجة وظيفية)، كما أن نظام الترقيات يعتمد على رأي المسئول،إذ أُلغيت الترقيات بالأقدمية، وهو حسب المختصين يفتح الباب على مصراعيه للواسطة والمحسوبية.

يقول علي السكوني رئيس نقابة العاملين إن«دليل تخبط الديوان والمجلس، هو إقرار بدل النوبة والطعام والمناطق النائية فقط للعاملين في الشعيبة، وترك العاملين في الشويخ والدوحة، بلا بدلات فهل هذه عدالة الحكومة؟ مع أن الجميع يتعرض لنفس طبيعة العمل ونفس البيئة الخطرة ونفس ساعات العمل».

اقرأ أيضا: انهيار أسعار النفط يلقي بظله الثقيل على دول الخليج

آثار الإضراب كارثية

مع بداية الإعلان عن الإضراب، أكدت الحكومة الكويتية على أن مخزونها من البترول، يكفي لمدة 25 يومًا، أما مخزونها الإستراتيجي فيكفي لمدة 31 يومًا آخر، مشددة على أن تنفيذ خطط للطوارئ ستعيق أي أثر سلبي لهذا الإضراب. وقالت الحكومة «إن النفط الكويتي سيبقى قادرًا على تلبية متطلبات السوق العالمي»، لكنها وجدت نفسها مضطرة في اليوم الثالث للإضراب، للاعتراف بتضرر إنتاجها، ما دفعها إلى إرغام مهندسي العمليات، للعمل كمشغلي غرف تحكم، بدون أدنى خبرة.

وأدى إضراب العاملين في مجال النفط، إلى توقف أكثر من 60% من إنتاج الكويت للنفط، أي خسارة تجاوزت 20 مليون دينار كويتي، (يعادل 66.2 مليون دولار)، هذه الخسائر تأتي في ظل مطالبة بمنع وقف امتيازات للعمال تبلغ 150 مليون دينار خلال الخمس سنوات المقبلة.

ونتيجة انخفاض إنتاج الكويت النفطي إلى 1.1 مليون برميل هبوطًا من مستوى 3.065 مليون برميل يوميًا، تخطت الخسائر إيقاف ثلثي إنتاج النفط الخام في حقول شركة نفط الكويت، وكذلك خسرت المصافي في شركة البترول الوطنية الكويتية نصف الطاقة التشغيلية، أما في اليوم الثالث للإضراب، فقد بلغ معدل إنتاج النفط الخام 1.5 مليون برميلًا يوميًا أي نصف الإنتاج المعتاد. وكان مزيج «رنت» العالمي،قد انخفض إلى 7%  الاثنين الماضي، بعد أن فشل لقاء الدوحة الذي سعى إلى التوصل إلى اتفاق على تثبيت إنتاج النفط؛ إذ ارتفعت أسعار النفط بنسب تجاوزت 3% خلال تداولات العقود الآجلة للنفط في البورصات العالمية، كما تجاوز سعر مزيج برنت العالمي 44 دولارًا للبرميل، في حين تجاوز سعر الخام الأميركي 41 دولارًا للبرميل.

«مكابرة» الحكومة

قبيل بدأ الإضراب، صرح المتحدث باسم شركة البترول الوطنية الكويتية، خالد العسعوسي، قائلًا إنه «إذا صار هناك إضراب، فنحن عندنا خطط إستراتيجية للتعامل مع هذا النوع من الأزمات». ربما كان هذا التصريح الذي دلل على ثقة الحكومة الكويتية الكبيرة في التعامل مع الأزمة، هو الأخف وطأة بين تصريحات المسئولين الكويتيين الذين أخذا يتوعدون العمال المضربين بمحاسبتهم قانونيا؛ لأن الإضراب «مجرم قانونيًا» في دولة الكويت، مؤكدين على أن «خطة الطوارئ» ستضمن عدم تأثر الأسواق المحلية والخارجية بهذا الإضراب.

 

تتعامل الحكومة الكويتية بمكابرة مبالغ فيها، بالتزامن مع اتخاذها أسلوب الوعيد نهجًا للتعامل مع الإضراب. وصدر عن مسئوليها عدة قرارات وصفت بأنها منتقصة لحقوق العمال وتخالف الأحكام القضائية والاتفاقيات الثنائية والعلاقة التعاقدية.

وتوعدت الحكومة الكويتية بالاستعاضة عن العمال المضربين، بعمالة نفطية متخصصة من السعودية والبحرين؛ لتسيير العمل، ووصل الأمر لحد إصدار شركة نفط الكويت تعميمًا تطالب فيه جميع المضربين الذين وصفتهم بالمتغيبين عن العمل، بتسليم سياراتهم لفريق عمل عمليات النقل. وتوعدت بتطبيق لائحة الجزاءات التأديبية بحق من يخالف التعليمات، بل تمكنت بعض الشركات من سحب السيارات الممنوحة للعاملين فيها المشاركين في الإضراب.

اقرأ أيضًا: مترجم: النفط ودول الخليج.. الانهيار المرتقب من الداخل.

ووصل الأمر لحد استنكار نقابة المهندسين الكويتيين لتشغيل المنشآت النفطية تحت ظروف غير آمنة، فحسب بيان نقابة المهندسين فإن «التشغيل غير الآمن، لا سيما في مصافي شركة البترول الوطنية الكويتية التي أرغمت عمالة المقاول على العمل في غير اختصاصاتهم حسب عقد الصيانة المبرم وليس عمليات التشغيل، يشكّل خطرًا بالغًا على أرواح الجميع».
ويعقب بيان نقابة المهندسين على موقف الحكومة بالقول «أصبح الأمر في خانة العناد وتسجيل الانتصارات الشخصية لهذه القيادات، بعيدًا عن حسابات مصلحة الاقتصاد الوطني».

تحديث

أعلن العمال المضربون، اليوم الأربعاء، إنهاء إضرابهم، بعد ساعات مرت على دعوة وجهها وزير النفط إلى المضربين، تفيد استبعاد التفاوض معهم قبل إنهاء الإضراب. الإضراب الذي أُنهي فجأة، دون أن يتحقق أيٌّ من مطالب المضربين، أدى في النهاية إلى عودة النفط إلى أسعاره المنخفضة.

وجاء الإعلان عن إنهاء الإضراب، في بيان نشره اتحاد العاملين في قطاع النفط، على موقع التدوينات القصيرة، تويتر، أرجع قرار إنهاء الإضراب إلى «إكرام مقام حضرة صاحب السمو أمير البلاد المُفدّى، وانطلاقًا من مبدأ المحبة والموالاة لسموه».

عرض التعليقات
تحميل المزيد