يا عمّال العالم اتحدوا. – كارل ماركس

منذ أيّام، شهد العالم مواكب احتفالية ضخمة في أرجاء مختلفة منه، إحياءً لليوم العالمي للعمال، أو ما يعرف بعيد العمّال. فيما شهدت مناطق أخرى تظاهرات متزامنة مع اليوم، فإلى جانب ما يتمتع به من طابع احتفالي، بخاصة مع تخصيصه كإجازة رسمية في العديد من الدول، هناك جانبٌ آخر له، حيث التظاهرات المطالبة بمزيد من الحقوق للعمال والحرفيين.

في هذا التقرير، نحاول الإجابة على التساؤلات المتعلقة بما هو عيد العمّال؟ أو، أي ذكرى تاريخية حملت لعمّال العالم يومًا تحتفل الأرض به؟ ما هي نماذج النضالات التي تقاطعت مع حقوق العاملين، لتنتج قوانين تطورت بتطور النضال؟ ما هي النقاط المفصلية في الحراك العمّالي العالمي؟

8 ساعات عمل.. 8 ساعات راحة.. 8 ساعات نوم

مقولة كارل ماركس، التي تصدرت بيان الحزب الشيوعي عام 1848، تُعتبر إرهاصًا – وإن كان غير مباشر – ليوم العمّال العالمي، إذ إنه، وبداية من عام 1851، شهد العالم هبّات عمّالية جماعية، بدأت في أستراليا التي احتفلت بأول عيد عمّال في 21 أبريل من العام نفسه، ثمّ شهدت كندا حراكًا عمّاليًا كبيرًا، بخاصة في مدينة تورينتو، التي استطاعت بفضل النضالات العمّالية، أن تستصدر قرارًا بقانون “الاتحاد التجاري”، عام 1872، الذي أعطى صفةً اعتباريةً قانونية للعمال الكنديين، قبل أن يتطور لقانون العمل الكندي بصورته الحالية.


 

 

من اليوم، ليس على أي عامل أن يعمل أكثر من 8 ساعات.

 

كان ذلك شعار عمال أمريكا، الذين أضربوا عن العمل في الأول من مايو عام 1886. بدأت الإضرابات في شيكاغو، فيما عُرف لاحقًا بـ”حركة الثماني ساعات”، إذ طالب المضربون في أكثر من خمسة آلاف إضراب شهده ذلك اليوم، بتقليص مدة العمل اليومية إلى 8 ساعات. تقول تقارير، إن عدد العمال المشاركين في موجة الإضرابات الأمريكية ذلك العام، تراوحت ما بين 350 ألف و400 ألف عامل، نادوا جميعًا بـ“8 ساعات عمل.. 8 ساعات راحة.. 8 ساعات نوم”. وهو ما حثّت عليه الأممية الاشتراكية الأولى في جنيف بسويسرا عام 1866.

إحياءً لذكرى دماء عمّال “هايماركت”

بعد أن دعت الأممية الاشتراكية الأولى في جنيف (1866)، العمّالَ إلى التحرك، للحصول على “حق” العمل لثماني ساعات يوميًا فقط، تحمّس عمّال الولايات المتحدة الأمريكية للدعوة، لتتبناها منظمة “فرسان العمل” الأمريكية، داعيةً بدورها إلى البدء في تطبيق العمل بنظام الساعات الثماني، بدايةً من السبت الأول من مايو 1886.

مؤسسو منظمة “فرسان العمل” الأمريكية

في ذلك اليوم، دخلت المناطق الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة، وعلى رأسها شيكاغو إضرابًا مفتوحًا عن العمل، لعله كان الإضراب الأكبر على مرّ التاريخ. التقارير تشير إلى نحو خمسة آلاف إضراب، بمجموع عمّال مضربين تراوح ما بين 350 ألف و400 ألف. لهذا النجاح الساحق الذي حققته دعوة الإضراب، تقرر مدّه لأيام أخرى، مع تنظيم تجمّع عمّالي لبحث تطورات الحراك في “هايماركت” بشيكاغو.

سيأتي اليوم الذي يصبح فيه صمتنا في القبور، أعلى من أصواتنا.

بتلك الكلمات، أنهى أحد العمّال حياته، بعد أن حكم عليه بالإعدام في 11 نوفمبر 1887، على خلفية أحداث هايماركت، التي لقي فيها عمّالٌ حتفهم، بعد أن دفعت السلطات الأمريكية بقوات أمن لفض التجمّع العمّالي. هنا تكمن نقطة اختلافٍ تاريخية، ففيما تُبرز تقارير، ومحاولات تأريخ للحدث، أن بعض العمّال عمدوا إلى تفجير قنبلة في قوات الشرطة، قبل أن تفتح الأخيرة النار على العمّال؛ توضّح تقارير أخرى أن قوات الأمن فتحت النيران مباشرة، خوفًا من غضب العمّال على أثر مقتل أربعة عمّال مضربين قبل يوم، في شركة ماكروميك للحصاد الزراعي، بعد أن أطلقت الشرطة النيران عليهم، لكن في كل الأحوال، الثابت هو وقوع مجزرة أودت بحياة عدد ليس بالقليل من العمّال؛ أقصى الإحصاءات تشير إلى 200 عامل، بينما تتفاوت الأعداد في إحصاءات أخرى، بدايةً من 12 إلى ما فوق.

“ولدي الصغير، عندما تكبر ستفتخر بوالدك”!

أعقب ذلك الحادث، إلقاء القبض على عدد من العمّال المنظمين للإضرابات، تعرضوا لمحاكمات مثيرة للجدل، البعض وصفها بـ”المشبوهة”، خاصة بعد أن حُكم على عدد من العمال بالإعدام (اختلف في عدد من أعدموا، ما بين 4 و7 و8)، فيما اعتُبر حُكمًا “متعلقًا بمعتقداتهم السياسية، وليس بالضرورة لارتكابهم جرائم جنائية”!


 

في 11 نوفمبر 1887، وفي وقت تنفيذ حكم الإعدام، تَلتْ زوجة العامل أوجست سبايز (أحد المحكوم عليهم بالإعدام)، خطابًا، كتبه لابنه جيم، قال فيه:

“ولدي الصغير، حين تكبر، ستعرف لماذا أعدمت. ليس عندي ما أقوله، أكثر من أنني بريء، وأنني أموت لأجل قضية شريفة، ولذا فأنا لا أخاف الموت. ولدي الصغير، عندما تكبر ستفتخر بوالدك، وستحكي قصتي لأصدقائك”.

“سباينز” هو نفسه الذي أطلق صيحته، التي باتت شعارًا مؤسسًا في تاريخ نضال الحركة العمالية: “سيأتي اليوم الذي يُصبح فيه صمتنا في القبور، أعلى من أصواتنا”.

أوجست سبايز، من قيادات إضراب هايماركت الذين حُكم عليهم بالإعدام


خطاب أوجست سبايز، وصيحته الأخيرة، أضحيا علامة في أدبيّات الحركة العمّالية، وكذلك أحداث الأول من مايو (هايماركت)، التي يحيي ذكراها العالم، تحت مسمى اليوم العالمي للعمال، أو عيد العمال.

وبات للعمّال عيدٌ رسمي

أحداث هايماركت بلغ صداها العالم أجمع، لتؤدي لموجة غضب بين التجمعات العمّالية حول العالم، وبخاصة في أوروبا، التي أخذ الحراك العمّالي فيها منحىً أكثر تنظيمًا، وتحديدًا من حيث المطالب. كما دعت الأممية الاشتراكية في باريس 1889، إلى إحياء ذكرى هايماركت في الأول من مايو، قبل أن تعتبره لاحقًا عيدًا سنويًا للعمال. وفي نفس الوقت ماجت عواصم أوروبية بتظاهرات عمّالية، تطالب بحق التنظيم النقابي، وكذلك بساعات العمل الثماني.

وفي عام 1904 دعت الأحزاب الاشتراكية، في اجتماع أمستردام، عمّال العالم، بالانقطاع عن العمل في الأول من مايو من كل عام، كما دعتهم إلى السّعي حثيثًا نحو إقراره يوم إجازة رسميّة.

القديس جوزيف بارا (يوسف النجّار) شفيع للعمّال والحرفيين.- الكنيسة الكاثوليكية

بدورها، “باركت” الكنيسة الكاثوليكية في روما، الأول من مايو عيدًا للعمّال، فيما أقرّ الكونجرس الأمريكي في 1958، الأول من مايو “يومًا للوفاء”، بخاصة بعد أن أعلن الاتحاد السوفيتي وقتها “تبجيله” للذكرى التي يمثلها اليوم. لكن وللآن، تحتفل أمريكا بعيد العمّال في أول يوم اثنين من شهر سبتمبر! البعض يقول إنها محاولة لتجاهل “مجزرة هايماركت”، فيما يقول آخرون، إنها “تقاليد متبعة”!

والآن، تحتفل معظم الدول بالأول من مايو عيدًا للعمّال. ويُعتبر إجازة رسمية في أغلبها، بينما تضيق دولٌ أخرى الخناق حول أي مظاهر احتفال بهذه المناسبة، ودول أخرى لا تعترف به نهائيًا.


المصادر

تحميل المزيد