لم يكن قرار المجلس الأعلى للجامعات الصادر بتاريخ 28 فبراير 2015 بإلغاء انتخابات الاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية سوى امتداد لاحتدام العلاقة بين التنظيمات الطلابية والسلطة، إذ إن نشاط التنظيمات الطلابية قد تصاعد عقب ثورة 25 يناير نتيجة اتسام الانتخابات الطلابية آنذاك بقدر كبير من النزاهة والشفافية بعيدًا عن تدخل الأمن في انتقاء المرشحين لا سيما عقب استبعاد الشرطة من الحرم الجامعي عقب حكم للقضاء الإداري.

وفي هذا السياق تصدرت اتحادات الطلاب حالة الحراك الاحتجاجي التي أعقبت 25 يناير نتيجة رفضهم ممارسات السلطة والمطالبة بخلق واقع جديد يقوم على تحقيق شعارات الثورة “عيش-حرية- عدالة اجتماعية”، واحتجاج الاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية على ممارسات الأمن وسقوط ضحايا من الطلاب للمواجهات بين الشرطة، وبعض المتظاهرين في محيط الحرم الجامعي.

ومن ثم يُعد صدور قرار إلغاء الانتخابات الطلابية في الجامعات المصرية في فبراير الماضي للعام الثاني على التوالي، أحد أهم مؤشرات احتدام العلاقة بين السلطة والاتحادات الطلابية، خاصةً وأن المنتمين للاتحادات الطلابية في الجامعات المصرية يتبنى أغلبهم توجهات معارضة لتحولات الواقع السياسي في مصر عقب 30 يونيو، وهو ما كشف عنه استبيان أجراه الباحث على حالة اتحاد طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة باعتبار نتائجه كاشفة عن الاتجاه العام في الاتحادات الطلابية، ويعرض هذا التقرير بعض نتائج هذا الاستبيان.

وفي هذا السياق أجرى الباحث الاستبيان على عينة متاحة غير احتمالية Convenient Sample قدر عدد مفرداتها بحوالي 21 مفردة من إجمالي 56 طالبًا يشكلون مجمل أعضاء الاتحاد بنسبة 37.5% من إجمالي الأعضاء، ولزيادة احتمالية العينة عمد الباحث لإتاحة استمارة الاستبيان لجميع أعضاء الاتحاد الطلابي من خلال تسليمها إلى رئيس الاتحاد ونائبيه لتوزيعها على الأعضاء، ونسبة 62.5% تمثل نسبة من أحجموا عن الإجابة عن الاستطلاع من أعضاء الاتحاد.

الانحراف عن المسار

يغلب على توجهات أعضاء اتحاد الطلاب توجهات رافضة للنظام السياسي بوضعه الراهن، حيث رأى حوالي 66.6% أن الدستور الحالي لا يحقق العدالة الاجتماعية، بينما رأى حوالي 33.3% أن الدستور يحقق العدالة الاجتماعية على المستوى النظري وبصورة جزئية.

على مستوى آخر وصف حوالي 57% من المبحوثين أحداث 30 يونيو بأنها ثورة تحولت لانقلاب، بينما رأى حوالي 4.7% أن أحداث 30 يونيو كانت انقلابًا عسكريًّا ولم تتجاوز نسبة من يرون أحداث 30 يونيو كثورة كاملة حوالي 38% من المبحوثين.

وفي ذات السياق انقسم المبحوثون بصورة كبيرة حول توصيفهم لأحداث رابعة العدوية؛ حيث رأى حوالي 42.8% أن اعتصام رابعة العدوية كان غير شرعيًّا وينتهك القانون، بينما كان فض الاعتصام جريمة سياسية، في المقابل رأى حوالي 14.2% من المبحوثين أن الاعتصام كان شرعيًّا ولم ينتهك القانون وأن فض الاعتصام كان إجراميًّا، بينما لم يحدد حوالي 38% من المبحوثين موقفهم حول مدى شرعية اعتصام رابعة وأكدوا أن فض الاعتصام كان استخدامًا مفرطًا للقوة، ولم تتجاوز نسبة من رأوا أن فض الاعتصام كان حتميًّا سوى 5% من المبحوثين.

تآكل الثقة في السياسة

فيما يتعلق بالإخوان المسلمين فإن مواقف أعضاء اتحاد الطلاب اتسمت بالانقسام الحاد بين فريقين: أولهما يرى أن الإخوان المسلمين قوة سياسية شرعية، لكنها أساءت تقدير الواقع السياسي وانحرفت عن مسار الثورة وتقدر نسبتهم بحوالي 47% من المبحوثين، في مقابل اعتقاد 43% من المبحوثين في أن جماعة الإخوان المسلمين تعد جماعة فاشية مغلقة إقصائية وغير شرعية، ولم تتجاوز نسبة مؤيدي الجماعة وشرعيتها السياسية حوالي 10% من المبحوثين بما يعكس مدى التراجع في شعبية الجماعة عقب إقصائها عن السلطة على أثر ثورة 30 يونيو.

واتفق جميع المشاركين بنسبة 100% على أن الإعلام الخاص والحكومي على السواء يؤدي دورًا سلبيًّا سواء في نقل المعلومات أو تشكيل توجهات المواطنين، واستخدموا عبارات مختلفة لوصف الإعلام مثل “مزيف للوعي” و”متحيز” و”غير محايد” و”فاشي” و”مضلل” و”غير مهني”.

تفضيل المشاركة الاحتجاجية

أشار حوالي 67% من المبحوثين عن تأييدهم للتظاهرات والإضرابات بصورة مطلقة، في مقابل تأييد حوالي 14% من المبحوثين للممارسات الاحتجاجية لكن بضوابط وفي إطار ما يسمح به القانون، بينما رفض حوالي 19% من المبحوثين أية ممارسات احتجاجية باعتبارها تؤدي للفوضى وعدم الاستقرار السياسي.

وتكشف مراجعة توجهات المبحوثين من أعضاء اتحاد طلاب اقتصاد وعلوم سياسية عن وجود اتجاه عام للعزوف عن المشاركة السياسية الرسمية الداعمة لشرعية النظام السياسي، في مقابل نزوع متصاعد للمشاركة الاحتجاجية الضاغطة على النظام التي تحاكي نموذج الثورات العربية في تغيير نظم الحكم، كذلك يلاحظ أن الإعلام سواء الحكومي أو الخاص ليس وسيلة محورية في تكوين آراء وتوجهات أعضاء اتحاد الطلاب تجاه النظام السياسي والممارسة السياسية والشأن العام.

صورة من أحد الاحتجاجات الطلابية بكلية اقتصاد وعلوم سياسية صورة من أحد الاحتجاجات الطلابية بكلية اقتصاد وعلوم سياسية

ولم يقتصر اهتمام أعضاء الاتحاد على مشكلات وقضايا كلية اقتصاد وعلوم سياسية فحسب، بل امتد ليشمل مختلف القضايا التي تخص الطالب الجامعي على مستوى كافة الجامعات المصرية، يظهر ذلك جليًّا في مظاهراتهم في 28 أبريل 2013 تحت شعار “حق الطالب فين؟” و”حركة طلابية واحدة” منددين بما اعتبروه انتهاكًا لحقوق الطلاب في عدة جامعات، كما تضامنوا مع طلاب جامعة مصر الدولية بشأن فصل الطلاب المعتصمين للمطالبة بإجراءات سلامة على الطريق، وتضامن الاتحاد أيضًا مع الطلاب الذين تم القبض عليهم في أعمال عنف داخل الجامعة ورفعوا شعار “هاتوا زمايلنا من الزنازين”، وتضامنوا مع رئيس اتحاد طلاب صيدلة القاهرة الذي تم فصله بسبب اعتراضه على التضييق على أنشطة الأسر الطلابية من وجهة نظره، ناهيك عن تضامنهم مع طلاب المدينة الجامعية بشأن تأخير موعد تسكينهم في بداية العام الدراسي.

منشور لرئيس اتحاد الطلاب “أحمد خلف” أثناء اعتصام كلية اقتصاد وعلوم سياسية بسبب تأخير التسكين

كلمة أحمد خلف رئيس اتحاد الطلبة في إضراب هندسة القاهرة بسبب مقتل محمد رضا 

 

 

إجمالًا يمكن القول إن توجهات أعضاء الاتحادات الطلابية يغلب عليها رفض الواقع السياسي الراهن والسعي لتغييره جذريًّا، وهو ما يتجلى في أحد شعاراتهم المركزية “نحو واقع جديد” وهو ما يتصل بانهيار روابط الثقة بينهم، وبين مؤسسات الدولة الرسمية والأحزاب، وسعيهم لإيجاد قنوات بديلة للمشاركة وطرح رؤيتهم لتغيير الواقع، في مقابل رؤية شاغلي السلطة السياسية لهم كمسبب لعدم الاستقرار واتباع سياسات الاستبعاد والتهميش وإغلاق قنوات المشاركة في التعامل معهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد