للحركات الطلابية في العالم العربي تاريخها الطويل في النضال ضد الاستعمار، ثم ضدّ الاستبداد السياسيّ للأنظمة العربية نفسها. وعلى مر التاريخ قادت الحركات الطلابية الشارع أحيانًا، وانخرطت معه أحيانًا أخرى، وتحالفت مع العمال والأحزاب السياسية لتحقيق مطالب الطلاب التعليمية، والاقتصادية، والسياسية في كثير من الأحيان.

في هذا التقرير نستعرضُ انتفاضات طلابية واجهَ فيها الطلاب أنظمتهم وآلة القمع الأمنية لتحقيق مطالبهم.

تضييق واتهام بعدم الشرعية.. هل كبح النظام في الجزائر الحراك الطلابي؟

ليبيا.. من مشانق الاستعمار لمشانق النظام

على غفلةٍ منهم وجدَ أهالي مدينة بنغازي الليبيّة المشانقَ منصوبةً أمامهم في وسط المدينة. مشانق «أشبه مْتاع الإيطاليين»، هكذا يصفها أحدُ الطلاب الليبيين الناجين من أحداث «ثورة الطلاب»، كما اشتُهرت في ليبيا، أو أحداث 7 أبريل (نيسان) 1976.

تعود جذور هذه الانتفاضة الطلابية لسنوات قبلها، وربما بداياتها في خطاب «زوارة» الشهير لرئيس ليبيا السابق، معمّر القذافي، عام 1973، الذي أعلنَ فيه خمسَ نقاطٍ رسمت مستقبل ليبيا، منها: تطهير «أعداء الثورة» والقضاء على الحزبيين، وأعلن ثورةً ثقافيّة ضدّ مؤسسات النظام القديم الملكيّ والاستعماريّ، وألغى المؤسسات السياسية والإداريّة القديمة واستبدلها باللجان الشعبيّة التي ينتخبها الناس في أحيائهم وقراهم، وتُعالج قضايا كل منطقة بشكل مباشر. لاحقًا كانت هذه اللجان أداةً استبداديّة فعّالة في يد القذافي. وانطلقت الأذرع الأمنيّة للقذافيّ مع انطلاق ثورته الثقافيّة لتُلاحق المثقفين الذين قال لهم في خطابه «جهّزوا حقائبكم»، فمستقرّكم الجديد هو السجن.

بعدَ ذلك بعامَين، في نهاية 1975، جَرَت انتخابات طلابيّة في جامعة بنغازي أنتجت «رابطة جامعة بنغازي» المستقلّة رسميًّا عن اتحاد الطلبة التابع للنظام، ما أثار حنقَ القذافي الذي وجّه النظام لحلّ الاتحاد العام للطلبة كليًا وحلّ رابطة جامعة بنغازي، وكان رفضُ الطلاب بمسيرات احتجاجيّة داخلَ الحرم الجامعيّ انتهت باقتحام عناصر أمنية للجامعة، مُعتديةً على الطلاب ومُهددةً إياهم، وفي أثناء هذا الاقتحام أُصيب بعض الطلاب بالرصاص الحي ونالَ أحدهم رصاصةً بالرأس دفعت الطلاب ليهتفوا: «الطالب في الكليّة مات.. برصاص المخابرات».

الرئيس الليبي السابق معمر القذافي

تحوّلت الاحتجاجات من المسيرات إلى اعتصام خيّم في حرم الجامعة، ثم انتقل، بعفوية ودونَ تخطيط إلى الشارع نحوَ وسط مدينة بنغازي، وخرجَ طلاب من الجامعة يدعون طلاب الثانوية لتأييدهم في مطالبهم التي اتسعَ نطاقها ليصل إلى إسقاط النظام. وكانت المواجهة الأولى بإصابات خفيفة واعتقالات، واستمرَ نشاط الاتحاد الطلابي المستقل حتى أبريل 1976، عندما جاء ردّ القذافي، حاسمًا ونهائيًا، ضدّ ما أسماه قوى سياسية وطلابيّة «رجعيّة» تعملُ ضد الثورة، وأمرَ بـ«تطهير» الهيئات التدريسية والطلاب من التوجهات السياسيّة. أيامٌ قليلة من الاعتقال والاعتداء على الطلاب انتهت يوم 7 أبريل بشنق اثنين منهم أمام الجميع تنفيذًا لحكم إعدام صدر بحقهم في يومين فقط.

فبراير 1972.. موجة الغضب الطلابيّ في تونس

القصة في تونس مرتبطةٌ بالسياق السياسيّ والاجتماعيّ الأوسع؛ النظام الجديد، بقيادة الحبيب بورقيبة الرئيس التونسيّ الأول بعد الاستقلال. فمع انطلاق النظام الجديد دشّن بورقيبة مشاريع وقرارات جديدة في عديد من المساحات الاجتماعيّة، بما فيها الشؤون الدينية، والأسريّة، والاقتصادية، بتطبيقه لمشروع اقتصاديّ اشتراكيّ فشلَ في الستينات، فتحوّل بعدها للنموذج الليبراليّ في السبعينات.

وفي قلب مشاريع النظام الجديد المؤسسات التعليميّة؛ أُغلقت جامعة الزيتونة، وهي جامعةٌ للعلوم الدينية، وافتتح بدلًا عنها جامعة تونس التي أزعجت النظام طويلًا بعد ذلك.

كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة تونس. مصدر الصورة: ويكيبيديا

أُسّس «الاتحاد العام لطلبة تونس» عامَ 1953 قبلَ استقلال البلاد بقليل في باريس، بتوجيهٍ من حزب بورقيبة، الحزب الدستوريّ الجديد. ومع انطلاق مشروع بورقيبة لبناء الدولة التونسيّة بدأ حزبه محاولات السيطرة على المؤسسات السياسيّة والاجتماعيّة المختلفة لتنفيذ المشاريع الجديدة بواسطتها، ومن بينها بالطبع جامعة تونس التي نشط فيها حراكٌ طلابيّ تفاعلَ بشكل مستمر مع قضايا تونس والعالم العربي، وعلى رأسها حربُ النكسة عام 1967، وبالطبع أعطت أحداث مايو (أيار) 1968 الطلابيّة في فرنسا دفعةً لطلاب تونس الذين وصلوا لذورة صدامهم مع النظام منذ الاستقلال عامَ 1972، بحراك فبراير (شباط).

شيئًا فشيئًا سيطرَ النظام على الاتحاد العام لطلبة تونس، وبدأ بفرض قيادات الاتحاد دونَ العودة للطلاب ودون مناقشتهم في طريقة تدبير حياتهم الجامعية والعلميّة. مع طرد بعض الطلاب ومحاكمة آخرين محاكماتٍ أمنيّة، جاء مؤتمر اتحاد الطلبة عامَ 1971 ليشعل غضب الطلاب.

استطاع الطلاب المُعارضون للنظام الفوزَ بأغلبية في اتحاد الطلبة آخذين 105 مقاعد من أصل 175 ما أيقظ الحزب الدستوري لتراجع نفوذه في الجامعة، وعلى الطريقة التقليديّة للأنظمة العربيّة، فُضّ المؤتمر، وأُجبر الطلاب على الخروج، وعُيّنت هيئة إدارية للاتحاد تتبع للحزب الحاكم.

لم يرضخ الطلاب هذه المرة، وفي الثاني من فبراير أو «فيفري» بالفرنسيّة وكما هو متداولٌ في تونس، خرجَ 4 آلاف طالب في كليّة الحقوق بجامعة تونس احتجاجًا على «الانقلاب» الذي نفذّه الحزب الحاكم. وأعلنوا إضرابًا عامًا عن الدراسة، وإقامة مؤتمر استثنائيّ للطلاب أُقيم فيه اتحاد مستقلّ يطبّق حالة «القطيعة» معَ النظام سياسيًا وتنظيميًا، ويعبّر عن رأي القاعدة الطلابيّة العامة، وللاتحاد لجانه الخاصة المستقلّة أيضًا.

استجاب النظام التونسيّ بالطريقة التقليدية، وبخشونة أشد هذه المرة تدخّلت الشرطة لقمع المؤتمر قبل انتهائه، وأُغلقت كليات الأدب والحقوق ثلاثة أشهر مع اعتقال قرابة 1500 طالب أُفرج عنهم لاحقًا وأتمّت قلة منهم 10-11 شهرًا في السجن دون محاكمة، حتى انفراج الأزمة بتدخّل مباشر من بورقيبة.

الطلبة يعلّمون شوارع القاهرة.. انتفاضة عام 1946

شبح الموت والدم من الحرب العالمية الثانية ما زال يلوح للمصريين والعالم إبّان الحرب العالمية الثانية، تُعاني مصرُ الآن تضخمًا وأزمة اقتصاديّة سببها الحرب وأثقالها على مصر التي كان يستعمرها البريطانيّون، ويستعمرون قلبها: القاهرة.

أرسلت الحكومة المصريّة مطلع عام 1946 للحكومة البريطانية تطلبُ إعادة النظر في اتفاقية عام 1936، وهي اتفاقية تتعلق بالدفاع المشترك بين البلدين وتنظّم إجلاء جزءٍ من قوات الاستعمار البريطانيّ وبقاء جزء آخر في السويس لتأمين المصالح البريطانية. تأخّرت الحكومة البريطانية في الردّ ولما جاء لم يكن على هوى الطلاب المصريين، ولا الشعب.

الوضعُ الطلابيّ في مصر أقدمُ عمرًا من غيره في العالم العربيّ، فللحركة الطلابيّة نشاطها القديم منذ بدايات القرن الماضي، عاشت فيه ثورة 1919 وانتفاضةَ 1936، ثمّ جاءت انتفاضة 1946 التي قاد الشارع فيها طلاب الجامعات واستدعوا معهم العمّال، فصار اسمها انتفاضة «العمال والطلبة».

جاء رد الطلاب بعقد مؤتمر عام يومَ 9 فبراير 1946 يرفضُ الرد البريطانيّ ويندّد بأي مفاوضات مع الاستعمار البريطاني لا يكون أساسها وشرطها إجلاء قوات الاستعمار واستقلال مصر. ومن مقرّ المؤتمر انطلقَ الطلاب نحو قصر عابدين وأثناء مرورهم بكوبري عباس فُتح الكوبري فانقسم المتظاهرون على طرفيه وفي ذات الوقت هاجمتهم قوات الأمن المصريّة. أثارت الحادثة حنقَ الجماهير فاستمرت وتوسّعت التظاهرات في اليوم التالي مطالبةً بإلغاء اتفاقية 36 وأي اتفاقية مع بريطانيا.

تطوّر الأحداث مع واقعة الكوبري أدّت لاستبدال حكومة النقراشي بحكومة إسماعيل صدقي، وبعدَ الحادثة أعلن الطلاب، بتحالفٍ مع العمّال تحت لجنةٍ وطنيّة، يومَ 21 فبراير يومَ «الجلاء» وانتهى ذلك اليوم بوقوع ضحايا مصريين على يد قوات الاستعمار، وأُعلن يوم 4 مارس (آذار) يومَ حداد على الشهداء فوقعَ فيه، مرةً أخرى، ضحايا جدد في مواجهات مع قوات الاستعمار، وقُتل 23 وجُرح 120.

ضغطت الانتفاضة الطلابيّة – العماليّة على الحكومة وتقدّمت بالحركة الوطنية للاستقلال خطوةً كبيرةً للأمام أجبرت الاستعمار البريطانيّ على نقل قواته من القاهرة إلى السويس فحسب، وأُوقف بعد سنوات التفاوض مع الاستعمار بيدِ مصطفى النحاس باشا، رئيس الحكومة المصريّة، الذي أقرّ الاتفاقية عام 1936.

اليرموك.. تعليمٌ برائحة الرصاص

أُسّست جامعة اليرموك عامَ 1976 شمالَ الأردن في مدينة إربد، وهي جامعةٌ حكومية. كانت الحركة الطلابيّة الأردنية نشطةً في الثمانينات بتياراتها المختلفة، وعلى رأسها آنذاك التيار الإسلاميّ واليساريّ، ولكلّ منهما ارتباطاته الحزبيّة.

للحركة الطلابيّة في اليرموك تاريخٌ من المواجهات مع إدارتها والنظام، آخرها آنذاك كانَ عام 1984 عندما أجبر الطلاب إدارة الجامعة على إعادة زملاء لهم فُصلوا تعسّفيًا. لكن ذروة الصدام في اليرموك كانت عامَ 1986 باعتصامٍ طلابيّ مفتوح.

تبدأ القصة بإلغاء رئيس الجامعة، عدنان بدران لاتحاد الطلبة. وبدران رئيس الجامعة وأحد مؤسسيها الذي صار لاحقًا رئيسًا لوزراء الأردن عامَ 2005. مع إلغائه قدّم بدران نوادٍ جامعية بديلة للاتحاد، لكن دونَ تقدّم في تشتيت العمل الطلابيّ. وبعده بفترة من الزمن فُرض مساق تدريب إلزاميّ في كلية الهندسة، إحدى أهم كليات اليرموك، برسومٍ إضافية إلزاميّة.

نظّم الطلاب احتجاجات ضدّ القرار الجديد سبّبت فصل ما يزيد عن 30 طالبًا فصلًا جزئيًا مع اعتقالات أمنية لبعض الطلاب.

مكتبة جامعة اليرموك، إربد، شمال الأردن. مصدر الصورة: ويكيبيديا.

وردًا على إدارة الجامعة امتنعَ الطلاب من دخول الامتحانات بشكل جماعيّ وتتابعت الاحتجاجات حتّى أُعلن الاعتصام المفتوح في 14 مايو 1986، وانضمّت له مختلف القوى الطلابيّة على اختلاف توجهاتها، وسرعان ما جاء الفضّ الأمني على الطريقة التقليدية ذاتها كما حصل في تونس، وانتهى الاعتصام في ليلة اليوم التالي بمقتل ثلاثة طلاب بإطلاق نارٍ عشوائيّ من قوات البادية الأردنية. وبانتهاء الاعتصام فُصل مع الطلاب الأساتذة الجامعيّون الذين تعاونوا معهم.

من المدرسة للقبر.. الدم في شوارع الدار البيضاء

في 19 فبراير 1965، أصدرَ وزير التربية والتعليم المغربيّ آنذاك، يوسف بلعباس، قرارًا نتيجته العملية فصلُ طلاب من الدراسة الثانويّة إذا تأخّروا عن عمر معيّن، ما عَنى فصل الكثير من طلاب الثانويات. ما سبب القرار؟ يحيله البعض سياسيًا لسياسات أرادها ملك المغرب، ويُحال أحيانًا لاعتبارات اقتصاديّة مثلَ رغبة الحكومة بالتخفف من نفقاتها على الطلاب نظرًا إلى ظروف اقتصادية صعبة كانت تمرّ بها البلاد آنذاك.

انفجرت الدار البيضاء وخرجَ طلابها، من الثانويات والابتدائيات، احتجاجًا على القرار واتجهوا نحو مقر نيابة التعليم، وهناك وقعَ أول صدامٍ عنيف بين الطلاب وقوات الأمن. وصلَ عدد الطلاب في بعض الاحتجاجات إلى 15 ألف طالب.

صورة للاحتجاجات. مصدر الصورة: وسائل التواصل الاجتماعيّ.

غيّرت الاحتجاجات مسارها وتابعتها الأجهزة الأمنية بالملاحقة والتشتيت. مع انتشار خبر الإضراب العام عن الدراسة خرجَ طلاب المدارس كلٌّ منهم أمام مدرسته احتجاجًا على القرار، واحتجاجًا على «القمع والإفقار»، ولم تهدأ الأمور إلا بدخول الجيش المغربيّ مباشرةً.

مع ارتفاع وتيرة القمع انخرطَت أُسر الطلاب والعمال مع الطلاب في احتجاجهم، ولكن الاحتجاجات فُضّت بالرصاص الحَي، ووقع قتلى اختلفت الروايات في تقدير عددهم: من 5 آلاف، إلى 1500 طالب، في رواية أحد الطلاب، إلى عشرات، وفقًا لرواية النظام.

لم تتحدث وسائل الإعلام الرسميّة عمّا جرى ويروي أحد المشاركين في هذه الانتفاضة أن الطلاب المدرسيين قُتلوا ودُفنوا، ولم يعرف أهلهم أين جثث أولادهم. وأُغلق الملف.

39 عامًا من الحِراك: تاريخ الحركة الطلابية في الأردن

 

المصادر

تحميل المزيد