يرى البعض أن منح لقب «أفضل زعيم» لأي رئيس دولة في أفريقيا، يشبه: إدراج أحد مشركي قريش على قائمة «العشرة المبشرين بالجنة»، أو على الأقل منح لقب «الأول على الدفعة» لطالبٍ حصل على درجة «مقبول»؛ لمجرد أن بقية زملائه لم يجتازوا الاختبارات، فهو «الأول، على رأس مجموعة من الراسبين».  

وبعيدًا عن المبالغة التي ينطوي عليها التشبيهان السابقان، فإن اختيار «الأفضل» من بين رؤساء 54 دولة في قارةٍ فريدة السمات كأفريقيا، ينطوي على مخاطر تتعلق بمسألتين: 

  • الإرث العسكري الدمويّ الذي ترجع جذوره إلى سنوات الحروب الأهلية، وانتهاكات حقوق الإنسان التي تلاحق كثيرين من رؤساء القارة في الحاضر.
  • التحديات المعقدة التي تمتد جذورها إلى ما قبل صعود الرئيس إلى السلطة، ويرجح أن تستمر إلى ما بعد رحيله مهما كانت طموحاته تناطح السحاب.

والقاعدة في أفريقيا أن القادة لا يخدمون شعوبهم، لذلك يمثل سوء الحكم أكبر عائق أمام التنمية الاجتماعية والاقتصادية في القارة. والحال هكذا، يصبح اختيار «أفضل رئيس» بمثابة «تصويت سلبي»، في أفضل الأحوال، لصالح الرجل القوي الذين وضع نهاية للصراعات الأهلية، أو الزعيم الشاب الذين ينثر بذور الأمل في قلوب اليائسين، أكثر من كونه تصويتًا لصالح الرفاه الاقتصادي المستدام، أو تحسين وضع الحقوق والحريات. 

رئيس رواندا بول كاجامي.. نموذج «المنقذ»

أحد أبرز الأمثلة على ذلك، هو الرئيس الرواندي بول كاجامي، الذي حصل على لقب أفضل شخصية أفريقية في عام 2018، ويقول عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «الرئيس كاجامي مقاتل من أجل الحرية، وهدية عظيمة لشعب رواندا، وللقارة. بعد القتال من أجل الحرية، يكون من الصعب بناء المؤسسات، لكن عندما تذهب إلى رواندا؛ سترى كيف غَيّر هذا القائد وجه البلد».

لكن هذا الرئيس نفسه هو زعيم الحرب السابق الذي الذي يحكم رواندا منذ عام 2000 وتتهمه منظمات غير حكومية وجماعات حقوق الإنسان بـ«ترهيب الأصوات المعارضة»، وتوظيف القانون لـ «إسكات المخالفين في الرأي، من السياسيين والصحفيين والمسؤولين الحكوميين السابقين».

والمتأمل في فوز كاجامي بولاية ثالثة، في انتخابات 2017 التي تشبه الكرنفال الملون، يتعجب من نسبة 99% التي أحرزها، فيما لم يجمع أي من المرشحين المعارضين ولو 1% من الأصوات. 

وكأن المسألة مرتبة، فقبلها بعامين، عدَّل كاجامي الدستور الرواندي في عام 2015 ليستطيع البقاء في السلطة حتى عام 2034. وهل من قبيل المصادفة، أن التعديل الدستوري حصل على نسبة موافقةٍ تكاد تتطابق مع نسبة التصويت لصالح الرئيس في الانتخابات الأخيرة؟

Embed from Getty Images

بول كاجامي

لكن الرئيس كاجامي في نظر آخرين هو «القوة التي وحَّدت البلاد»، والرجل الذي استطاع بقيادته الحكيمة إخراج رواندا من الخراب الشامل، ونقلها خطوات كبيرة إلى الأمام، على صعيد «التماسك الاجتماعي والتنمية والتخطيط المستقبلي». وحتى لو لم يكن هو الرئيس الأمثل بمقاييس «الحقوقيين المترفين»، فإنه الرجل القوي الذي تحتاجه رواندا أكثر خلال هذه الفترة. 

وبالفعل، بعد ربع قرن من المذبحة الجماعية التي أزهقت أرواح حوالي 15% من السكان، أصبحت رواندا أحد أسرع الاقتصادات نموًا في وسط أفريقيا، ونما اقتصادها بمعدل 7.3% سنويًا منذ عام 2000، متجاوزًا دول مجاورة أكثر ثراء، وانخفض عدد أبنائها يعيشون تحت خط الفقر من 57% عام 2005 إلى 45% عام 2010.

كما قطعت رواندا شوطًا كبيرًا نحو تحقيق المساواة بين الجنسين، فأصبح حوالي 64% من البرلمانيين نساء، مقارنة بـ22% فقط في جميع أنحاء العالم. لكن مرة أخرى يؤكد النقاد أن «رواندا تشبه الفتاة الجميلة التي تضع الكثير من الماكياج، لكن داخلها مظلم وقذر».

وبينما يحتفي «صندوق النقد الدولي» والمؤسسات الدولية الأخرى بالبيانات الحكومية التي تشير إلى انخفاض نسبة الروانديين الذين يعيشون تحت خط الفقر منذ عام 1994 إلى 39% من 77%. تسلط جماعات حقوق الإنسان وعدد متزايد من الأكاديميين الضوء على «الجانب المظلم لمعجزة رواندا الاقتصادية»، بل يشكك الباحثون في المؤشرات الاقتصادية المتفائلة، ويتهمون الحكومة بالتلاعب بإحصاءات الفقر والنمو.

صحيحٌ أن هناك مشاريع بناء كبرى، توجت بفنادق فاخرة، غير أن تكلفتها الباهظة التي بلغت 300 مليون دولار أدت إلى ارتفاع الدين الحكومي، مما ألجأ الدولة إلى طلب خطة إنقاذ من «صندوق النقد الدولي» بقيمة 200 مليون دولار في عام 2016. لكن مرة أخرى يصر مؤيدو الرئيس على أنه «هبة من السماء»، ويكفيه فخرًا أنه استطاع وضع حدٍ لحملة الإبادة التي أودت بحياة 800 ألف شخص معظمهم من أقلية التوتسي.

وما من بلد في أفريقيا، إن لم يكن العالم، استطاع إنجاز التحوُّل الذي حققته رواندا في هذا الوقت القصير جدًا، فانخفض معدل وفيات الأطفال بنسبة 70%، ونما الاقتصاد بمعدل 8% سنويًّا على مدى السنوات الخمس الماضية، ودشنت الحكومة برنامج تأمين صحي وطني، ظن الخبراء الغربيون أنه مستحيل في بلدٍ أفريقي مُعدم.

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد.. نموذج «الأمل»

«في التاريخ الإثيوبي، لم نر قائدًا مثله أبدًا. إنه شخص مثقف ويتحدث عن الوحدة. لقد أطلق سراح الآلاف من السجن. وحقق السلام بين إثيوبيا وإريتريا بعد 20 عامًا من الحرب. نعم، لا يزال الناس يحتجون. لكنهم الآن لن يسجنوا عندما يحتجون. بالنسبة لي، هذه هي الديمقراطية. هذا هو الأمل».

بهذه الكلمات احتفى العداء الإثيوبي الحاصل على الميدالية الفضية في أولمبياد ريو 2016، فيسا ليليسا، باختيار مجلة «تايم» رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ضمن أكثر 100 شخصية تأثيرًا ونفوذًا لعام 2019؛ لأنه «فتح صفحة جديدة في تاريخ بلاده». 

في 2 أبريل (نيسان) 2018، أصبح آبي (41 عامًا) رئيسًا لوزراء إثيوبيا وأصغر قائد في أفريقيا. وخلال العام الأول من توليه السلطة، أصبحت كلمة «التغيير» شائعة في إثيوبيا؛ فصنع السلام مع الخصوم الإقليميين القدامى مثل إريتريا ومصر، وأطلق سراح الصحافيين، ودعا جماعات المعارضة إلى المشاركة في الحياة السياسية، واعترف بأن السجناء تعرضوا للتعذيب وسوء المعاملة، وعزز موقع النساء في السلطة، وجذب استثمارات قياسية بلغت 13 مليار دولار، ومنح المسافرين الأفارقة تأشيرة دخول عند الوصول.

كما أنه سمح لموظفي «هيومن رايتس ووتش» بزيارة إثيوبيا لأول مرة منذ ثماني سنوات، وأشاع مناخًا من الارتياح يقول عنه فيليكس هورن، الباحث البارز في «هيومن رايتس ووتش»: «لقد كان من المنعش رؤية مدى انفتاح الناس على مناقشة القضايا الحساسة سياسيا، وهو ما يتناقض بشكل حاد مع الماضي حيث كان هناك خوف كبير من التحدث بصراحة».

على الصعيد الاقتصادي، سعت الحكومة إلى إعادة هيكلة بعض قروضها، وعلقت بعض المشاريع الضخمة التي كان مخططًا لها لمحاربة الفساد وتبسيط جهود الإنجاز، وتعهدت بزيادة خصخصة قطاعات مثل الطيران والاتصالات. لكن نجاح كل هذه الخطوات «يعتمد على إنشاء نظام لأسواق رأس المال، يتمتع بتكامل أكبر مع العالم ومتحرر من العزلة الحالية»، على حد قول رودي باركلي، مدير الاستخبارات والتحليل في شركة «أفريكا براكتيس» الاستشارية. 

في الوقت ذاته، لا تزال إثيوبيا تعاني من قدرة تنافسية محدودة، ونقص العملات الأجنبية، وعدم تحصيل ما يكفي من الضرائب، وتخلف القطاع الخاص، وارتفاع مستويات الديون. ورغم الآمال العريضة، لا تزال إدارة آبي أحمد تواجه نفس التحديات المزمنة وعليها معالجة القضايا المتعلقة بالفيدرالية العرقية، والعدالة الاجتماعية، وإصلاح الأراضي، والتنمية الاقتصادية المنصفة، والتعددية وحرية التعبير، إلى جانب خلق إجماع وطني.

«الحداثة المستحيلة».. لماذا يظل «حلم الدولة الديمقراطية» بعيد المنال في إثيوبيا ولبنان؟

وعلى الرغم من النمو الاقتصادي السريع، لا تزال إثيوبيا واحدة من أفقر دول العالم وأكثرها تضررا من الجفاف. وبينما رفعت الحكومة بعض قيودها على وسائل الإعلام، وأضفت الشرعية على العديد من المنظمات السياسية التي كانت محظورة من قبل، لا تزال هناك قضايا أخرى بحاجة إلى معالجة، مثل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري الناتج عن مشاريع التنمية.

وتضاف إلى قائمة التحديات التي سيواجهها آبي في الأشهر المقبلة: إدارة تدفق اللاجئين من إريتريا (الذين يصل عددهم إلى نحو 10 آلاف شخص شهريًا)، وتقليل التوترات العرقية والمنافسات الفصائلية داخل الجبهة الحاكمة، واجتياز اختبار الانتخابات الوطنية العام المقبل.

ومع ذلك، فإن مستوى التفاؤل بين العديد من الإثيوبيين حول قدرة آبي أحمد على تحسين الظروف السياسية والاقتصادية عميق؛ حيث يتواصل مع السكان المحليين بطرق لم يتبعها زعيم إثيوبي منذ 2000 عام، وهو ما كان الناس يتوقون إليه بشدة. وهناك توقعات بأن تصبح إثيوبيا القوة الاقتصادية القادمة في القارة.

رئيس غانا نانا أكوفو أدو.. نموذج «النزاهة»

«لا أسعى لتفويضكم كي آتي وأجمع ثروة شخصية، لن آتي كي أسرق أموال الدولة»، هذا أحد التصريحات المشهورة لرئيس غانا، نانا أكوفو-أدو، الذي اختير أفضل زعيم في أفريقيا لعام 2018، بحسب استطلاع أجرته منظمة «قادة الغد» الكندية للأبحاث، ويتبوأ المرتبة الأولى في أفريقيا والثالثة على مستوى قادة العالم الذين يتمتعون برؤية، بحسب «منتدى الرؤية العالمية». 

وفقًا لفريق البحث الكندي، أثبت أكوفو-أدو منذ فوزه في انتخابات عام 2016، أنه «رجل قريب من الناس، وينتهج سياسات إيجابية، بما في ذلك التعليم الثانوي المجاني، والتزامه بالتنمية وتراجع مزاعم الفساد في حكمه واحترام حكومته لسيادة القانون، مما جعله يحظى بتقدير كبير».

Embed from Getty Images

نانا أكوفو أدو

يعرف أكوفو-أدو بمعارضته للحكام العسكريين وبدعمه للديمقراطية في بلاده غانا التي تعد منارة للديمقراطية في غرب أفريقيا، واتسمت الانتخابات فيها بالسلمية عمومًا. وتعهَّد خلال حملته الانتخابية ببناء مصنع لكل مقاطعة، ومجانية التعليم الثانوي، وجذب الاستثمارات من الخارج، والحد من الفساد. 

لكن التنفيذ الفعلي للعديد من المشاريع واجه بعض الانتكاسات؛ حيث لم تكن المدارس مهيأة للأعداد الضخمة من الطلاب، نظرًا لافتقارها إلى المواد التعليمية والمدرسين المؤهلين وكذلك الضروريات مثل المكاتب والكراسي. 

وترتبط غانا باتفاق مساعدة مدته ثلاث سنوات مع «صندوق النقد الدولي» لإعادة التوازن الاقتصادي وتحريره من قيود الديون العامة والعجز وارتفاع أسعار الفائدة. ومن اللافت أن رواندا وإثيوبيا تجمعهما اتفاقات مشابهة مع المؤسسات الدولية، التي تبارك خطواتها الإصلاحية، ولذلك دور كبير لا ينبغي إغفاله في اختيار هؤلاء الرؤساء لهذه الألقاب الفخمة. 

موريشيوس.. «نموذج أفضل أداء» في أفريقيا

«مؤشر إبراهيم للحوكمة في أفريقيا IIAG» هو أداة لمراقبة وقياس أداء الحوكمة في البلدان الأفريقية. والحوكمة وفق تعريف المؤشر هي: توفير السلع والخدمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يحق لكل مواطن أن يتوقعها من دولته، وتتحمل الدولة مسؤولية تقديمها لمواطنيها.

يعتمد التقييم على 102 مؤشر، موزعة على أربع فئات رئيسية: السلامة وسيادة القانون (27 مؤشرًا)، والمشاركة وحقوق الانسان (19 مؤشرًا)، والفرص الاقتصادية المستدامة (30 مؤشرًا)، والتنمية البشرية (26 مؤشرًا).

من أجل تقديم صورة موثقة ومحايدة وشاملة لأداء الحوكمة في القارة، يجمع المؤشر البيانات من 35 مصدرًا مستقلًا، وخلُصَت نسخته السنوية الـ12، إلى تتويج موريشيوس بالمرتبة الأولى في الفئات الأربع (79.6 من 100) لعام  2018: سلامة وسيادة القانون (81.3)، المشاركة وحقوق الانسان (77.2)، والفرص الاقتصادية المستدامة (74.8)، والتنمية البشرية (84.6).

خلال العقود الثلاثة الماضية، عملت حكومة موريشيوس مع الهيئات الدولية لتجديد الإطار التنظيمي للشركات في البلاد، وكان هذا جزءًا من حملة لتشجيع الاستثمار المحلي والدولي. وأجريت إصلاحات واسعة النطاق، شملت إنشاء بورصة للأوراق المالية واعتماد معايير دولية للمحاسبة والإبلاغ عن الشركات، وإنشاء عدد من الوكالات لتنظيم قطاعات الخدمات المالية والمهنية،  والشروع في خصخصات كاملة وجزئية للأصول المملوكة للدولة، وتحرير القطاعات الرئيسية.

لكن اقتصاد موريشيوس لا يزال مثقلًا بأعباء الماضي الاستعماري المزدوج (الفرنسي والبريطاني)، ويواجه عددًا من التحديات، أبرزها سيطرة عدد قليل من التكتلات الكبيرة ومؤسسات الدولة العاملة في بيئة تنظيمية ضعيفة. ويقول النقاد: إن «الفساد والحكم السيئ ينتشران في موريشيوس، ويبدو أنه لن يتوقف في المستقبل القريب». أما الصورة التي تحاول الحكومة الترويج لها فمختلفة تمامًا عن «الحقائق الكئيبة التي يعيشها الناس على أساس يومي».

هذه ليست قصة رواندا أو إثيوبيا أو غانا أو موريشيوس، بل حكاية أفريقيا: «قارة المتناقضات».

تناستها كتب التاريخ.. هكذا ضمت أفريقيا أكبر الممالك الإسلامية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد