فجر الاثنين الماضي، السادس من سبتمبر (أيلول)؛ استيقظ العالم على خبر نجاح عملية فرار ستّة أسرى فلسطينيين من سجن «جلبوع» الإسرائيلي شديد الحراسة، الواقع في مدينة بيسان شمال فلسطين المحتلة. 

وتشمل قائمة «الأحرار» الستة، محمود ومحمد عارضة، وعمرهما 46 سنة و39 سنة على التوالي، وكلاهما من مدينة جنين، ومحكوم عليهما بالسجن المؤبد، وقد اعتُقل محمود في سنة 1996، بينما اعتقل محمد في 2002. بالإضافة إلى يعقوب قادري 49 عامًا من بير الباشا، والمعتقل منذ سنة 2003، والمحكوم أيضًا بالإعدام. وأيهم كمنجي (35 عامًا)، وزكريا زبيدي (46 سنة) ومناضل انفيعات (26 سنة) المعتقلان منذ 2019. وينتمي خمسة من هؤلاء الأسرى الأحرار الستة إلى تنظيم «الجهاد الإسلامي»، بينما السادس من «كتائب شهداء الأقصى».

بعد أسطورة القبة الحديدية.. سجن «جلبوع» صفعة جديدة على وجه الاحتلال

شرع الأسرى في عملية حفر خندق تحت المغسلة دامت عدّة شهور متواصلة، لينجحوا أخيرًا في الخروج من سجن جلبوع الذي يعدّ أحد أكثر السجون الإسرائيلية تحصينًا وحراسة، وهو ما شكّل ضربة قويّة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية بحسب تعليقات الصحافة الإسرائيلية، على عملية الفرار.

Embed from Getty Images

عمليات تمشيط واسعة للبحث عن السجناء الهاربين الستّة

ردًّا على نجاح الأسرى في الفرار، وتجنّبًا لأية محاولة فرار جديدة، قامت إدارة السجون الإسرائيلية بتشديد إجراءات الحراسة على الأسرى الفلسطينيين، إذ باشرت عملية إفراغ سجن جلبوع بالكامل ونقل الأسرى المحكموم عليهم بالسجن المؤبد إلى جهات متفرّقة في سجون ريمون ونفحة والنقب. كما شدّدت إجراءات السجن ضد باقي الأسرى في العديد من السجون، وامتنعت إدارة السجون عن توزيع وجبات الطعام. 

وقد باشرت السلطات الإسرائيلية عملية واسعة للبحث والتنقيب عن الأسرى الستّة، عبر إطلاق حملات تمشيط واسعة في القرى والبلدات الواقعة شمال فلسطين على الحدود مع الأردن والضفة الغربية، وشاركت في هذه العمليات قوات خاصة من الجيش والشرطة، كما استعانت بالمروحيات وطائرات «درونز» لرصد أيّة حركة في الغابات القريبة والمساحات غير المأهولة، وترجّح تقارير إسرائيلية أن تكون المجموعة قد انقسمت إلى مجموعتين على الأقل، وربما وصلت إحداها إلى الأردن. 

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية إن الأسرى الفلسطينيين الأحرار، قد نسّقوا مع أفراد من خارج السجن، كانوا في انتظارهم أثناء خروجهم، وذلك عن طريق هاتف جرى تهريبه إلى داخل السجن؛ وأضافت مصادر إسرائيلية أن الفرار قد حدث في الساعة الواحدة والنصف فجر الاثنين الماضي، وجرى اكتشافها في تمام الساعة الرابعة أثناء عملية إحصاء الأسرى. 

وقد خلّفت العملية الناجحة ردود أفعال قويّة في الداخل الفلسطيني، إذ اعتبرها الكثيرون عملية أقرب إلى الخيال، وأنّها فاقت الأفلام الهوليوودية التي تتناول حبكات حول الفرار من السجن.

بينما اعتبرتها قيادات فلسطينية ضربة موجعة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، وانتصار معنوي للمقاومة الفلسطينية في مواجهة الترسانة الأمنية الإسرائيلية التي لطالما تفاخرت بقدراتها الاستخباراتية، وبإحكام قبضتها على السجون شديدة الحراسة، والتي من بينها سجن جلبوع الذي جرى افتتاحه سنة 2004، والملقّب بـ»الخزنة» بسبب تحصينه الشديد والذي جرى بناؤه تحت إشراف خبراء إيرلنديين. وقد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الحادثة بأنها «حادث خطير يستدعي تحرّك الأجهزة الأمنية والعسكرية». 

مختصر تاريخ الفرار الفلسطيني من سجون الاحتلال الإسرائيلي

رغم تعقيد العمليّة وصعوبتها التي تقترب من الاستحالة، وذلك نظرًا إلى التحصين الشديد المفروض على سجون الاحتلال، إلا أنّ نجاح المقاومين الفلسطينيين في كسر الأغلال ومعانقة الحريّة قد تكرّر أكثر من مرّة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، نذكر بعضها في السطور التالية.

1. الفرار من سجن شطة.. أكبر عملية فرار جماعية قبل ما يزيد عن 60 سنة!

أكبر هذه العمليات كانت تلك التي وقعت سنة 1958 في سجن «شطة» الواقع شمال الأغوار، وقادها الضابط المصري المتخفي أحمد عثمان الذي دخل مصلحة السجون الإسرائيلية بهوية صحافي، وذلك عندما أطلق الأسرى الفلسطينيون عملية تمرّد ضد الحرّاس وخاضوا مواجهات ضدهم بعد نجاح الضابط المصري بالاستيلاء على مخزن للسلاح، لتنتهي العملية بإصابته والقبض عليه، واستشهاد 11 أسيرًا، وقُتل سجانان إسرائيليان، بينما نجح 77 أسيرًا في الفرار.

2. لم يهرب أحد قبلي من سجن الرملة.. «الزئبق» الذي فرّ من سجون الاحتلال 3 مرات

«لن أمكث سنوات طويلة في المعتقل وسوف أقفز من فوق أسواره وأقهر سجانه وأهرب منه». *حمزة يونس أمام المحكمة العسكرية التي قضت عليه بمؤبد جديد ونقله إلى سجن الرملة شديد الحرسة، عام 1972

في تاريخ الفرار الفلسطيني من سجون الاحتلال، سنجد بأحرف بارزة عمليات هرب الأسير حمزة يونس الملقّب بـ«الزئبق» والذي نجح في الفرار من السجون الإسرائيلية ثلاث مرّات ما بين أعوام 1964 و1971، ثم انضمامه في الأخير إلى صفوف المقاومة الفلسطينية في لبنان.

وقد وثّق حمزة يونس عملية فراره الأخيرة بالتفصيل في كتابه «الفرار من سجن الرملة»، وحكى فيه أسباب اعتقاله في المرات الثلاث، والتي بدأت بسبب مشاجرة مع عامل إسرائيلي في محطة وقود، ثم محاولته الفرار إلى قطاع غزّة الذي كان تحت الإدارة المصرية آنذاك، وسجنه في سجن عسقلان بتهمة الخيانة والتخابر مع مصر، ثم تفاصيل محاولة الفرار الناجحة.

ويحكي أيضًا تفاصيل الوقوع في قبضة الإسرائيليين مرّة أخرى في عام 1967، بعد انضمامه لقوات المقاومة الشعبية في غزة وإصابته في الساق، ثم هربه إلى الأردن، وانضمامه لحركة فتح. ويختم بالحديث عن فراره الكبير من سجن الرملة، بعد إحباط عملية اختطاف جنود إسرائيليين لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين كان مشاركًا فيها، وحُكم عليه بالسجن المؤبد سبع مرات، وأودع سجن الرملة شديد الحراسة، وبعد عامين استطاع الهرب بخطة مبهرة، تحاكي التفاصيل الهوليودية شديدة الحبكة.

فقد استطاع حمزة يونس، بمساعدة رفيقين في السجن من تهريب وإخفاء مناشير، نشروا بها قضبان نافذة غرفة الغسيل، وفر حمزة وأحد رفيقيه منها وقت قيام رفيقهما الثالث (الذي عرف خلال الإعداد للعملية أنه لن يستطيع الفرار من النافذة، بسبب ضخامة حجمه) بقطع التيار الكهربائي عن السجن، إذ كان أمامهما سبع ثواني لتجاوز جهاز الإنذار الأول، ودقيقتان لبلوغ سور السجن!

ومن ثم هرب يونس ورفيقه عبر غابات نهر العوجا، وتمكنا هناك من تدبير ملابس جديدة والتخفي دون الوقوع في فخ الاتصال بأي من ذويهم أو أصدقائهما، ثم عبرا الحدود اللبنانية سرًا ووصلا إلى بيروت حيث عقدا مؤتمرًا صحافيًا بحضور قيادات من منظمة التحرير.

3. نصف منشار في قطعة خبز و«الفرار الكبير من سجن غزة»

عملية الفرار الناجحة من السجون الإسرائيلية التي جرت الاثنين الماضي، تشبه عملية مماثلة في مايو (أيار) سنة 1987، مباشرة قبيل اندلاع الانتفاضة الأولى. فقد استطاع ستّة أسرى فلسطينيين، هم: صالح اشتيوي، وسامي الشيخ خليل، ومحمد الجمل، وعماد الصفطاوي، وخالد صالح ومصباح الصوري، من الفرار من أحد السجون في قطاع غزة الذي كان يخضع حينها للاحتلال الإسرائيلي، عن طريق قصّ قضبان نافذة المرحاض، وذلك بعد حصول مصباح الصوري، على نصف منشار حديدي جرى تهريبه داخل قطعة خبز طلبها خلال إحدى الزيارات، وقت أن كان مسموحًا بها.

Embed from Getty Images

سجناء فلسطينيون في سجن مجيدو شمال إسرائيل 

انطلقت بعد عملية الفرار الناجحة، التي اختير لتنفيذها يوم عيد يهودي، عملية أمنية شاملة للبحث على الأسرى الفارّين، وجرت مواجهات مسلّحة بين اثنين منهم والقوّات الإسرائيلية، وقد سقط خلال هذه المواجهات كل من محمد الجمل، وسامي الشيخ خليل، واعتقل الصوري مصابًا بجروحه، ثم لم يلبس أن استشهد متأثرًا بها؛ وتعرف هذه المعركة باسم «معركة الشجاعية» التي يعتبر محلّلون أنها لعبت دورًا مهمًا في إطلاق الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ويشير الدكتور وليد عبد الحي، أستاذ العلوم السياسية، إلى أن العملية قد ساهمت في اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى وهيّأت الأجواء لانطلاقها. 

4. عملية سجن غزة تلهم أسرى سجن نفحة

في العام نفسه وبعد عملية سجن غزة التي تعرف في أدب السجون باسم «الفرار الكبير»، شهد سجن «نفحة» الواقع بمنطقة النقب فرار ثلاثة أسرى فلسطينيين: خليل مسعود الراعي، وشوقي أبو نصيرة، وكمال عبد النبي، إذ ألهمت عملية سجن غزة خليل الراعي الذي اعتقل عام 1974 وحاول الهرب في 1975، ولم ينجح؛ فعاقبته قوات الاحتلال حينها بالسجن الانفرادي.

وبعد 12 عامًا من محاولته الأولى قرر الراعي المضي قدمًا في محاولة جديدة، مستغلًا الفوضى التي أحدثتها أعمال التوسيع والبناء في السجن، وبالفعل بدأ وزميلاه في الإعداد للعملية التي نجحوا في إتمامها بالفعل والخروج من السجن، لكن تمام عملية الفرار فشل إثر اعتقالهم بعد ثمانية أيام من فرارهم من السجن، خلال محاولتهم دخول مصر عن طريق معبر رفح. 

5. التسعينات وما أدراك ما التسعينات

شهد عقد التسعينات العديد من محاولات الهرب الفلسطينية من سجون الاحتلال الإسرائيلي. من بين العمليات الناجحة عملية كان وراءها الأسير عمر النايف، الذي نفذ مع شقيقه حمزة وصديقه سامر المحروم عملية فدائية عام 1986، لقي على إثرها مستوطن مصرعه، واعتقلت قوات الاحتلال الفدائيين الثلاثة، وحكمت عليهم بالسجن لمدة 25 سنة، فيما شكوا جميعًا من تعرضهم لشتى صنوف التعذيب من قبل جنود الاحتلال في السجن – بحسب ما ذكره موقع «بوابة اللاجئين الفلسطينيين».

على أثر هذا التعذيب المتواصل بدأ الأسير عمر النايف إضرابًا مفتوحًا عن الطعام عام 1990، استمر 40 يومًا؛ ما أدى إلى تدهور في وضعه الصحي، وضرورة نقله إلى المستشفى، وخلال تواجده في مستشفى فلسطيني في بيت لحم نجح في الهرب، ثم خرج فيما بعد من الأراضي المحتلة إلى الأردن، ثم بلغاريا عام 1994، وتزوج واستقر هناك، قبل أن يلقى حتفه في فبراير (شباط) 2016 داخل سفارة السلطة الفلسطينية في بلغاريا بعد لجوئه إليها هربًا من مذكرة اعتقال بلغارية بعد طلب إسرائيل من بلغاريا تسليمه إليها بحسب الاتفاقات بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.

أما الأسير صالح طحاينة فقد استطاع الهرب بعد أن انتحل شخصية أسير مفرج عنه، وفر من سجن النقب سنة 1996.

6. الحفر في سبيل الحرية.. عمليات الفرار عبر الأنفاق تبدأ من سجن كفر يونا

شهدت سنة 1996 عملية فرار من سجن كفريونا من خلال حفر نفق بطول 11 مترًا، استطاع من خلاله غسان مهداوي (أول أسيرٍ فلسطيني يهرب عبر نفق، بحسب شهادته) ورفيقه توفيق الزبن الفرار عبره، بعد خلع البلاط والحفر تحته، واستغلال فترة ترميم السجن الذي كانا يعملان فيه من أجل الحصول على أدوات مناسبة تساعدهما في الحفر الذي استمر أربعة أشهر متواصلة.

طريقة فرار الأسيرين عبر النفق- مصدر الصورة باب الواد

خرج الأسيران بالفعل من النفق، وأبصرا النور في نهايته، لكن السلطات الفلسطينية اعتقلتهما، ثم أفرجت عنها بفعل الضغط، ثم عادت واعتقلت غسان، ثم تركته؛ ليقضي عامًا ما بين الحرية والسجن في سجون السلطة الفلسطينية، حتى اختطفته قوات إسرائيلية عام 1997، ليكمل مدة سجنه القديمة (11 عامًا)، علاوة على عامين إضافيين بسبب هربه. ويقول غسان عن الهرب إنه كان عملية ناجحة بكل المقاييس، حتى أنه تسبب في إقالات عدة داخل السجون الإسرائيلية، حتى أن صحيفة «يديعوت أحرونوت» كتبت في مانشيتها الرئيس: «المخربون يسخرون من السجانين».

المصادر

تحميل المزيد