بمقتضى كونها مملكة تستمد مكانتها من مبادئ الإسلام، ويشغل الملك منصب القائد العام للقوات المسلحة، لتفرض عائلة آل سعود سيطرتها التامة على عملية صنع القرار السياسي في السعودية.

صحيحٌ أن انتقال القيادة يُفتَرض أن يتم بسلاسة بموجب نظام الخلافة في المملكة، إلا أنها دائمًا ما تكون عملية معقدة؛ بالنظر إلى عدد من المتغيرات، مثل: صحة الملك عبد الله (90 عامًا)، وولي العهد الأمير سلمان (77 عامًا) نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، وهو ما وضع الخلافة السعودية مرة أخرى في دائرة الضوء. بيدَ أنّ اهتمام الصحافة الدولية تزايد مؤخرًا عندما عين الملكُ الأميرَ مقرن (70 عامًا)، الذي شغل سابقًا منصب رئيس المخابرات (2005 – 2012) ليصبح الثاني في ترتيب ولاية العرش، خلال أبريل 2014.

تحديات ثلاثية

وتمثل الخلافة السعودية أهمية خاصة في ظل تحديات لا تُحصى يواجهها آل سعود، ستتطلب قيادة قوية ومحنكة.

داخليًّا:

وتشمل هذه التحديات ضمان توجيه عائدات النفط الكبيرة إلى مشروعات التنويع الاقتصادي الرئيسة في الداخل، مثل برنامج الطاقتين الشمسية والنووية المدنية.

إقليميًّا:

ونظرًا لأنها أكبر مصدر للنفط، ولمحورية دورها، ولمكانتها القيادية الإسلامية بحكم الأمر الواقع، وتدخل بعض المقاتلين السعوديين في سوريا، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف الفاعلة الحكومة وغير الحكومية ذات الصلة، يتحتم على المملكة سرعة حسم هذا الصراع. كما أن العداء التاريخي والصراع الطائفي بين السعودية وإيران أيضًا يفاقم قلق الرياض من البرنامج النووي الإيراني. هذا إلى جانب سعي المملكة إلى تعزيز تماسك مجلس التعاون الخليجي وتعاونه في ظل تباينات السياسة الخارجية.

دوليًّا:

وتسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق التوازن بين عدد متزايد من التحديات والتهديدات القائمة بدون حل في بيئتها الإقليمية، وذلك عبر علاقات سياسية فعالة مع الولايات المتحدة، في مقابل توثيق علاقات سياسية طويلة المدى مع أسواق النفط الآسيوية المتنامية. وتمثل الطبيعة الوجودية لبعض هذه التحديات، إلى جانب قواعد الخلافة القائمة، أحد الاعتبارات الرئيسة التي تميل لمنع جيل الأمراء الأصغر من الارتقاء وظيفيًّا حتى المناصب العليا. وهؤلاء هم أبناء أحفاد عبد العزيز آل سعود (1876-1953) مؤسس الدولة السعودية الثالثة في عام 1932.

حركة الماء الراكد

لكن حجرًا ما قد يُلقى أحيانًا في هذا الماء الراكد. فالأمير محمد بن نايف (53 عامًا) تقلد منصب وزير الداخلية بعد والده، الذي شغل أيضًا هذا المنصب إلى جانب كونه وليًّا للعهد، قبل وفاته عام 2012. وأعفي الأمير بندر بن سلطان من منصبه كمدير للمخابرات في 15 أبريل 2014، ربما لاعتلال صحته (لم يُشاهَد علنًا منذ أجرى عملية في كتفه هذا العام)، وسط مزاعم حول عدم تمكنه من تقديم حلٍ مُرضٍ للصراع السوري. وانتقلت حقيبته إلى نائب غامض يُدعى يوسف الإدريسي (من خارج العائلة المالكة)، بينما بقي صوريًّا كأمين عام لمجلس الأمن الوطني. كما انتقلت مهمة توجيه استراتيجية السعودية في سوريا من بين يديه لتصبح جزءًا من مسؤوليات الأمير نايف، الذي يتمتع بقدر كبير من المصداقية لتحمل المزيد من المسئولية في المستقبل؛ بالنظر إلى أنه هو الشخصية التي اجتمع معها أوباما وكبار مسئولي إدارته في فبراير 2014، قبيل لقاء الرئيس الأمريكي بالملك عبد الله في الرياض.

سيناريوهات الخلافة

ولأن الزيجات المختلطة هي الأساس الذي تقوم عليه المملكة، بهدف توحيد القبائل المختلفة واستقرار النظام السياسي في البلاد؛ فإن العديد من السيناريوهات المستقبلية المحتملة للخلافة لا تستند فقط إلى ما يحدث وراء الأبواب المغلقة في الرياض، ولكن أيضًا تستند إلى التسلسل الزمني للأحداث والحفاظ على التوازن القبلي بين المتنافسين. والنتيجة نهجٌ توافقي يحقق المبادئ العامة والمصالح الأساسية لمراكز القوى الرئيسة، سياسيًّا ودينيًّا.

لكن إذا عيَّن الأمير مقرن نجل الملك متعب (62 عامًا، وهو حاليًا رئيس الحرس الوطني الذي يعادل وزارة منذ مايو 2013)، كولي جديد للعهد، فإن السلطة ستتحوَّل في نهاية المطاف إلى شريحة “الحفيد”.

إصلاحات تدريجيّة

ورغم ضغوط الربيع العربي، من غير المرجح على الإطلاق أن تتغيّر فرضية حكم آل سعود في ظل إدخال صُنَّاع القرار الأصغر سنًا إلى مركز دائرة السلطة. وفي حين يتوقع بعض العلماء انهيارًا وشيكًا لممالك الخليج، يُرَجَّح أن يمنح انخفاض عائدات النفط والسياسات الاقتصادية المحلية (مثل مشروع نطاقات لسعودة الوظائف) وإعادة ترتيب النظام الدولي (لصالح دول البريكس) مزيدًا من الاستقلالية ومزيدًا من الوقت.

لكن يمكن أن يبدأ الجيل القادم من حكام السعودية في تصور دورهم بشكل مختلف، يكون أكثر انسجامًا مع الإصلاحات التدريجية التي يشهدها المغرب (الملك محمد الرابع من المغرب يبلغ 50 عامًا) والأردن (الملك عبد الله عمره 52 عامًا)، وهو الاتجاه الذي بدأ بالفعل يشق طريقه.

على سبيل المثال، تدرس دول مجلس التعاون الخليجي حاليًا تشكيل كتلة عسكرية مع الأردن والمغرب كحلٍ لافتقارها إلى القوى البشرية.
وبالتالي، فإن هناك إمكانية للتأثير المحفِّز للإصلاح الذي يمكن أن يسهم في إعادة توجيه سياسات السعودية، وبالتالي دول مجلس التعاون الخليجي، على المدى الطويل.

وعلى مستوى القاعدة الشعبية، إذا اكتسب الأردنيون والمغاربة المزيد من الحريات وحققوا إصلاحات سياسية، يمكن أن يبدأ المواطنون السعوديون بالمطالبة بشيء من هذا القبيل، الأمر الذي سيكون له تأثير الضربة القاضية على التوجه السياسي. كما أن العلاقة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا، التي نشأت عام 2008، يمكن أن تؤدي إلى أثر مجتمعي مماثل.

دماء إصلاحية

ولا يشكل الشباب ضمانة لإعادة توجيه السياسة السعودية، لكن بتراكم الخبرة السياسية أو التعلم من ردود فعل الجمهور على الاستجابة السعودية الرسمية على الربيع العربي داخل المملكة، قد يقتنع بعض الأعضاء الأصغر سنًا في عائلة آل سعود بأن يتبنوا نظرة أكثر تقدمية في بعض أو كل المجالات.

وبينما سيتركز الاهتمام في المجال الاقتصادي على سياساتٍ رسمية مثل رصد 130 مليار دولارًا من النفقات الحكومية لمواجهة الاضطرابات المحتملة بشأن المرتبات، والبطالة، والمهارات، من المرجح سياسيًّا أن يستمر الربيع العربي في تعزيز المطالبات الحالية بإصلاحات مؤسسية وديمقراطية (تتجاوز مجلس الشورى).

وبينما تحاول العائلة المالكة الحفاظ على مناعة سلطتها في مواجهة القوى التي تعرض شرعيتها السياسية للخطر، فإن بناء تحالفات خارج دول مجلس التعاون الخليجي، يمكن أن يضخ دماءً إصلاحية جديدة قد يصعُب مواجهة تأثيرها بمرور الوقت.

 

* اقرأ أيضًا:

 

13 سؤالاً دليلك للتعرف على النظام السياسي والعائلة المالكة في السعودية

الانهيار المرتقب لممالك الخليج

عرض التعليقات
تحميل المزيد