في حضور المبعوث الأمريكي للسودان دونالد بوث وقّع المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، «الوثيقة السياسية» التي تشمل هياكل الحكم في السودان خلال الفترة الانتقالية المستمرة لأكثر من ثلاث سنوات. هذا الاتفاق الذي جاء بعد تأجيل دام ثلاثة أيام، شهد فيها الوسيط الأفريقي محاولات للاتفاق على النقاط الخلافية بشأن إدارة المرحلة الانتقالية.

«ساسة بوست» حصل على نسخة مصورة من الاتفاق الذي وقّعه بالأحرف الأولى عن المجلس العسكري، نائب الرئيس الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بينما مثّل قوى الحرية والتغيير القيادي أحمد الربيع.

التقرير التالي يشرح لك أهم ما جاء في بنود «الاتفاق السياسي» وثغراته، وكيف لا يزال المجلس العسكري مُتقدّمًا بخطوة على «قوى الحرية والتغيير».

60 يومًا في السُلطة.. هذه الأخطاء ارتكبها المجلس العسكري في السودان

1- أهم بنود الاتفاق السياسي.. انتصار جديد للمجلس العسكري

ناقش الاتفاق السياسي ست نقاطٍ أساسية للترتيبات الانتقالية ممثلة في مجلس السيادة ومجلس الوزراء، والمجلس التشريعي، ولجنة التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة الدموي، ومهام المرحلة الانتقالية، والمساندة الدولية.

(لحظة توقيع الاتفاق السياسي)

1- يتشكل مجلس السيادة من 11 عضوًا: خمسة عسكريين يختارهم المجلس العسكري الانتقالي، وخمسة تختارهم قوى إعلان الحرية والتغيير. ويضاف إلى العشرة أعضاء شخصية مدنية يتم اختيارها بالتوافق بين الطرفين.

2- يترأس مجلس السيادة لـ21 شهرًا ابتداء من تاريخ التوقيع على هذا الاتفاق؛ أحد الأعضاء العسكريين في المجلس.

3- يترأس مجلس السيادة الثمانية عشر شهرًا المتبقية من مدة الفترة الانتقالية أحد الأعضاء المدنيين بالمجلس.

واللافت أنّ «الاتفاق السياسي» لم يحدد صلاحيات مجلس السيادة، وتم تأجيلها إلى حين صدور «الوثيقة الدستوريّة» التي ستُناقش يوم الجمعة القادمة. الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم يعقب لـ«ساسة بوست» بالقول: «قوى الحرية والتغيير وقعّت على الاتفاق الذي لم يُحدد خطوط واضحة لطبيعة مهام المجلس، خاصة أنّ الذي سيدير الفترة الانتقالية الأولى سيكون عسكريًا لقرابة العامين كما حددت الوثيقة».

على جانب آخر: جاء البند الثاني من الاتفاق حول الترتيبات الانتقالية لمجلس الوزراء، وجاءته بنوده على النحو التالي:

1- تختار قوى «إعلان الحرية والتغيير» اسم رئيس الوزراء للحكومة المدنية وفق الشروط الواردة بالمرسوم الدستوري.

2- يتشكل مجلس الوزراء من شخصيات مستقلة لا يتجاوز عددها 20 وزيرًا بالتشاور، يختارهم رئيس مجلس الوزراء من قائمة مرشحي «قوى إعلان الحرية والتغيير».

3- لا يجوز لمن شغل منصبًا في مجلس السيادة أو مجلس الوزراء أو ولاة الولايات أثناء الفترة الانتقالية الترشح في الانتخابات التي تلي الفترة الانتقالية.

وبينما يأتي البند الثالث في صالح «قوى الحرية والتغيير» في حال أرادت ضمانات بألا يترشح قادة المجلس العسكري في المجلس السيادي للانتخابات الرئاسية؛ اشترطت الوثيقة أنّ يختار رئيس الوزراء أعضاء حكومته وفقًا «للتشاور»، ما يعني سُلطة خفية لرئيس المجلس السيادي العسكري الذي وضع بندًا آخر اشترط فيه أن يُعيّن المجلس العسكري حصرًا وزيري الدفاع  والداخلية.

الفصل الثالث من «الاتفاق السياسي» بدأ بثغرة سياسية حين وافقت «قوى الحرية والتغيير» على إرجاء أبرز النقاط الخلافية التي من الممكن أن تُطيح بها من المشهد وتمثلت البنود في:

1- تُرجأ مناقشات تشكيل المجلس التشريعي إلى ما بعد تكوين مجلسي السيادة والوزراء، على أن يتم ذلك في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين مجلس السيادة.

2- تتناقش قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري حول تمثليها القديم في المجلس التشريعي – نسبة 67% – وذلك في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر من تكوين مجلس السيادة.

3- إلى أن يشكل المجلس التشريعي الانتقالي، تؤول سلطات المجلس التشريعي في ابتدار وسن مشروعات القوانين إلى مجلس الوزراء وتجاز من قبل مجلس السيادة.

بينما جاء الفصل الرابع الذي أصرت قوى الحرية والتغيير على إضافته للوثيقة في تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، إلى جانب كل الوقائع التي تسببت في إسقاط مدنيين، في إشارة إلى نيّة قديمة لملاحقة قوات الدعم السريع التي ما زالت تُحاصر الخرطوم.

«الوثيقة الدستورية».. هل تُصبح عقبة قانونية أمام انتصار الثورة؟

الثغرات السياسية التي جاء بها «الاتفاق السياسي» ممثلة في حق التدخل في اختيار الوزراء، وصلاحيات رئيس الحكومة، وإرجاء مناقشة نسبة قوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي، تبدو كلها مجرد بداية للوثيقة الدستورية التي تمثل أهم محور في التفاوض، والتي قد تُصبح في حال سريانها عقبة دستورية أمام انتصار الثورة السودانية.

تُحدد «الوثيقة الدستورية» التي لم تخرج للعلن بعد، صلاحيات ووظائف وسلطات مجلس السيادة، وشروط اختيار رئيس الوزراء، وصلاحيات مجلس الوزراء، وعدد أعضاء المجلس التشريعي، وطريقة اتخاذ القرار فيه.

وسبق للقيادي في «قوى الحرية والتغيير» محمد ناجي الأصم، عضو سكرتارية تجمع المهنيين وعضو الوفد المفاوض، أن كشف الرد المكتوب للمجلس العسكري على «الوثيقة الدستورية» المقدمة من «قوى الحرية والتغيير» والتي جاءت متشابهة مع ثغرات «الاتفاق السياسي»:

1- تعيين رئيس مجلس الوزراء وأعضاء حكومته وصلاحية إعفاء أي واحد منهم.

2- تعيين وإعفاء أعضاء المجلس التشريعي.

3- تعيين رئيس القضاء والمستشارين وأعضاء النيابة العامة والمراجع العام.

4- إبرام الاتفاقيات والتحالفات العسكرية مع الدول الصديقة والشقيقة.

5- إعلان الحرب وإعلان حالة الطوارئ.

6- تعيين السفراء.

7- تشكيل مجلس القضاء الأعلى.

8- تعيين حكام الأقاليم.

وفي حالة سمحت «الوثيقة الدستورية» للمجلس السيادي حق مراقبة السُلطة التنفيذية، ومناقشتها وسحب السُلطة منها، فمن المحتمل أن تفتح تلك المادة باب الانقلابات القديم الذي سقطت به الحكومات الديمقراطية سابقًا، وسبق للجيش أن افتعل أزمة سياسية قبل أربعة أشهرٍ من انقلاب البشير عام 1989، حين أصدرت القيادة العامة للجيش السوداني مذكرة لحكومة صادق المهدي مثّلت اعتراضًا صريحًا علنيًا على الحكومة المنتخبة بسبب رفضها تطوير الجيش وتحديثه، وهو ما كان مبررًا للانقلاب فيما بعد.

وبحسب التسريبات، فإن المجلس العسكري يسعى لإضافة قانون دستوري على غرار جنرالات مصر، يمنع محاكمتهم على غرار أحداث العنف التي جرت بعد سقوط نظام البشير، ويعوّل قانونيون على أنّ هذا البند يُمكن إسقاطه دستوريًا بالطعن عليه تحت قاعدة «القانون لا يسري بأثر رجعي».

(أرفق المجلس العسكري إمضاء الولايات المتحدة في الاتفاق السياسي)

اللافت أنّ المجلس العسكري أدرج في «الاتفاق السياسي» توقيع الولايات المتحدة التي هددته بفرض عقوبات، تزامنًا مع إقرار الكونجرس الأمريكي مشروع قانون «كيلدي» للدفاع عن الديمقراطية والسلام في السودان، والذي يطالب الحكومة السودانية بنقل السلطة إلى حكومة يقودها مدنيون.

ومن جهة أخرى كشف مصدر من داخل «قوى الحرية والتغيير» لشبكة «الجزيرة» القطرية وقائع خلاف غير مُعلن بين القوى السياسية المندرجة تحت «تجمّع المهنيين»، يقول المصدر: «الحزب الشيوعي اتّهم بعض قيادات الحرية والتغيير بالتهافت على المناصب، وأن عددًا منهم كان مستعدًا للتوقيع على «الاتفاق المعيوب» الذي تم تسريبه لوسائل الإعلام من قبل كتلة الإجماع الوطني بهدف عرقلته».

والخلافات نفسها دفعت كتلة الإجماع الوطني للتهديد بإعلان برنامج «البديل الديمقراطي» الذي طرحته قبل سنوات، وهو ما من شأنه تعقيد المشهد السياسي.

ما الذي تحقق حتى الآن من مطالب الثورة؟

في الوقت الذي لا تزال فيه قوات الدعم السريع تُحصار الخرطوم، يتجاهل المجلس العسكري أبرز مطالب الثورة المتمثلة في: حلّ جهاز الأمن والمخابرات، قوات الدفاع الشعبي، الشرطة الشعبية، الحزب الحاكم. وسبق للمجلس أن صرّح علانية بعدم سماحة حلّ تلك الأجهزة، وكشفت تسريبات أنّ بعضها كان حاضرًا في الاتفاق السياسي عبر الممثلين الرسميين.

وحتى الآن لا يزال قادة الحزب الحاكم – رغم المطالب الثورية – غير مدرجين على قوائم الاتهامات، بالإضافة إلى أنّ المجلس العسكري ما زال يتجاهل حّل ميليشيات كتائب الظل – التابعة للحزب الحاكم – المتهمة بإطلاق النيران على المتظاهرين وإحداث الفوضى داخل الصفوف.

«ناشيونال إنترست»: هل يمكن أن ينجح حل ديمقراطي في السودان؟

المصادر

تحميل المزيد