ما بين اللاءات العربية الثلاث (لا صلح، ولا مفاوضات، ولا اعتراف بإسرائيل) التي رفعها «إعلان الخرطوم» بعد حرب 1967، وفتح المجال الجوي السوداني أمام الطائرات المتجهة لإسرائيل، بعد يومين من لقاءٍ لم يعد سريًا بين البرهان ونتنياهو؛ فارقٌ كبير يكشف عن تغيرات عميقة جاء بها التاريخ في علاقة إسرائيل والسودان.

بعد عمان (أكتوبر (تشرين الأول) 2018)، وتشاد (يناير (كانون الثاني) 2019)، لحق عسكر السودان (فبراير (شباط) 2020) بركب المتعلِّقين بأهداب إسرائيل وأثار رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، بلقائه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في عنتيبي بأوغندا، عاصفةً من التكهنات حول ما إذا كانت الخرطوم ستصبح ثالث عاصمةٍ عربية تدشن علاقات رسمية مع دولة الاحتلال، بعد القاهرة وعمَّان. 

صحيحٌ أن هذا الاجتماع رفيع المستوى يعتبر هو الأول من نوعه بين البلدين؛ إذ امتنع السودان عن إقامة أي علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ حصوله على استقلاله في عام 1956، إلا أن الاجتماعات السرية لم تتوقف طيلة عقود – ومن لم يكن شاهدًا، فـتاريخ هذه العقود قد نشرته صحيفة هآرتس حول محاولات الموساد، في هذا الصدد، بدعم من السعودية – ما يشير إلى أن التواصل الذي كانت يجري تحت الطاولة لسنوات ربما بدأ يؤتي أُكلَه.

والرواية الإسرائيلية التي أعلنها مكتب وزير الخارجية يوم الإثنين ترجح ذلك؛ إذ أعلن أن نتنياهو حين التقى باللواء البرهان «اتفقا على بدء التعاون للوصول إلى التطبيع الكامل في علاقة البلدين»، ووصف نتانياهو في تغريدة على تويتر الاجتماع بأنه «تاريخي». 

على الجانب الآخر، دافع اللواء البرهان في بيان الثلاثاء عن لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، قائلًا: إنه جاء لـ«تحقيق المصالح العليا للشعب السوداني». وأضاف البرهان في بيانه: «قمت بهذه الخطوة من موقع مسؤوليتي بأهمية العمل الدؤوب لحفظ وصيانة الأمن الوطني السوداني وتحقيق المصالح العليا للشعب السوداني»، دون التعارض مع عدالة القضية الفلسطينية. وأضاف: «سنوقف التفاهمات مع إسرائيل إذا لم تؤت ثمارها». وشدد على «أن بحث وتطوير العلاقة بين السودان وإسرائيل مسؤولية المؤسسات المعنية بالأمر وفق ما نصت عليه الوثيقة الدستورية».

«هآرتس»: قنابل وأموال سعودية.. التاريخ السري للعلاقات الإسرائيلية – السودانية

هل كانت الحكومة السودانية آخر من يعلم باللقاء أم أنه عُقِد بمباركة حمدوك؟

حاولت الحكومة السودانية النأي بنفسها عن اللقاء الذي جمع بين نتانياهو والبرهان في عنتيبي بأوغندا، وأكد فيصل محمد صالح وزير الثقافة والإعلام، الناطق الرسمي باسم الحكومة الانتقالية بالسودان، في بيانٍ أصدره مساء الإثنين، أن الحكومة لم تعلم بالخبر سوى عبر وسائل الإعلام، وقال: «لم يتم إخطارنا أو التشاور معنا في مجلس الوزراء بشأن هذا اللقاء، وسننتظر التوضيحات بعد عودة السيد رئيس مجلس السيادة».

لكن القوات المسلحة السودانية خرجت برواية أخرى مضادة مفادها أن «اللقاء عُقِدَ بعلم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك»، حسبما أكد متحدث باسم القيادة العامة للقوات المسلحة، نقلًا عن اللواء البرهان، لتثير المزيد من علامات الاستفهام، التي تتكئ على علامات تعجب حول من يمسك بزمام السلطة في السودان. 

في خضم هذه البيانات المتضاربة، وجد حمدوك – الذي زار واشنطن مؤخرًا – نفسه عالقًا بين نفي مجلس وزرائه وتأكيد قواته المسلحة، بل والبرهان نفسه الذي أكد أن رئيس الوزراء كان على علم باللقاء قبل عقده بيومين؛ لذلك لجأ إلى الأسلوب السياسي الأشهر: «إمساك العصى من المنتصف».

كتب حمدوك مشيدًا باللقاء عبر تغريدة نشرها على موقع تويتر: «نرحب بالتعميم الصحفي لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان حول اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي». لكنه استدرك مغازلًا النقاد: «ونظل ملتزمين بالمضي قدمًا من أجل إنجاز مستحقات المرحلة الانتقالية المهمة، وتبقى الوثيقة الدستورية هي الإطار القانوني في تحديد المسؤوليات، ويجب علينا الالتزام بما تحدده من مهام وصلاحيات». 

ما فاقم اللغط أكثر هو أن بيان فيصل محمد صالح جاء بعد ساعات من الصمت الذي التزمته الحكومة المؤقتة، مما أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الأعضاء المدنيين والعسكريين داخل المجلس، وأعاد للأذهان مواقفهم المتضاربة خلال الانتفاضة التي أدت إلى سقوط البشير في أبريل (نيسان) من العام الماضي، وما يعنيه ذلك بالنسبة لواقع تقاسم السلطة في السودان، ومستقبل الحلم الذي يعلِّق عليه السودانيون الكثير من الآمال.

انتهاك دستوري ومخالفة قانونية.. انتقادات صاخبة تصل إلى أروقة المحاكم

بينما نشرت الحكومة الإسرائيلية ووسائل إعلامها أخبار اجتماع برهان – نتنياهو على نطاقٍ واسع – حسبما جرت العادة الإسرائيلية التي تحتفي بكل خطوةٍ تطبيعية مهما كانت صغيرة – التزمت وسائل الإعلام السودانية الهدوء في البداية، وأحجمت عن تفسير الأسباب التي تقف وراء هذا التغيير، قبل أن تنفجر عاصفة من الانتقادات الصاخبة التي وصلت إلى أروقة المحاكم.

تبرأت «قوى الحرية والتغيير» السودانية في بيانٍ أصدرته يوم الثلاثاء من اجتماع البرهان – نتنياهو، وأكدت أنها لم تحط خُبرًا بهذا اللقاء، «ولم يتم التشاور معها في أي وقت سابق» ووصفت هذه الخطوة بأنها «أمر مخل، ويلقي بظلال سالبة على الوضع السياسي في البلاد».

ولفت البيان إلى أن الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية حاليًّا في السودان نصت على أن «العلاقات الخارجية هي اختصاص السلطة التنفيذية، وعليه فإن ما تم يشكل تجاوزًا كبيرًا نرفضه بكل حزم ووضوح»، وأوضح البيان أن «إحداث تغييرات جذرية في قضية سياسية بحجم قضية العلاقة مع إسرائيل يقرر فيها الشعب السوداني عبر مؤسساته التي تعبر عن إرادته».

ورفعت «مجموعة الاعتصام» للمحاماة والاستشارات السودانية، يوم الأربعاء، دعوى جنائية ضد البرهان؛ بتهمة مخالفته لنصوص قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958، بالإضافة إلى مواد أخرى واردة في القانون الجنائي، وطالبوا النيابة السودانية تقييد الدعوى، وتوجيه التحري لاتخاذ الإجراءات اللازمة لرفع الحصانة عن البرهان.

مصدر الصورة: (القدس العربي).

وأوضح المحامون السودانيون في دعواهم أن «المتهم عبد الفتاح البرهان تجاوز صلاحياته المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية كما خالف نص المادة (2) من قانون مقاطعة إسرائيل التي تنص: يحضر أي شخص أن يعقد بالذات أو بالوساطة اتفاقًا من أي نوع مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو مع أشخاص يعلم أنهم ينتمون إلى إسرائيل أو يعملون لحسابها، فضلًا عن مخالفته لمواد أخرى بالقانون الجنائي متعلقة بالتعامل مع الدول المعادية والإخلال بالسلامة العامة».

هل كان اللقاء تحوُّلًا جذريًا بين إسرائيل والسودان أم خطوة تكتيكية؟

بعد يومين فقط من لقاء البرهان ونتنياهو، كشف المتحدث باسم الجيش السوداني عامر محمد الحسن عن اتفاق «من حيث المبدأ» على أن تستخدم الطائرات التجارية المتجهة من أمريكا الجنوبية إلى إسرائيل المجال الجوي السوداني. لكن الحسن استدرك قائلًا: إن بعض الجوانب التقنية ما زالت موضع دراسة، وإن السودان لم يوافق على عبور شركة «العال» الإسرائيلية مجاله الجوي. وأضاف أن السودان لم يعلن التطبيع الكامل مع إسرائيل، لكن هذا الاتفاق يأتي في إطار المصالح المتبادلة.

لكن من ذهبوا إلى أن هذا اللقاء يمثل تحوُّلا جذريًا في سياسة الخرطوم الخارجية الراسخة منذ أمد، ومن رأوا أنه خطوة تكتيكية تهدف إلى تحقيق أهداف قصيرة الأجل، سياسية وأمنية واقتصادية، اتفقوا جميعًا على أن اللقاء يأتي في توقيت لافت: 

(1) بعد عامٍ من الانتفاضة التي أطاحت بنظام عمر البشير، الذي استمر في السلطة لمدة 30 عامًا.

(2) وفي خضم تحدياتٍ سياسية واقتصادية واجتماعية مُلِحَّة يواجهها السودان وقد يعتمد عليها مستقبله لفترة طويلة قادمة.

(3) وفي أعقاب جدل دولي وإقليمي حول خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام.

(4) تتويجًا للاختراق الإسرائيلي داخل أفريقيا، وتقويتها لعلاقاتها مع عدة دول في القارة، ومن ذلك تطلعها لأن تفتتح أوغندا سفارة لها في القدس.

وتصريحات اللواء البرهان تشير إلى أن الهدف من لقائه مع نتنياهو يضع كل هذه المعطيات في الاعتبار، ولا يغفل منها شيئًا؛ فهو يطمح إلى «رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب»، ويضع في اعتباره أيضًا أن «السودان الآن يمر بضغط اقتصادي ويحتاج لقرارات جريئة تخفف من وطأة الواقع الذي يعانيه الشعب السوداني»، ويتوقع أن هذا التقارب مع إسرائيل سوف «يعود علينا بفوائد كبيرة».

عربي

منذ أسبوعين
بالأرقام المفصلة.. هذا ما ستأخذه الدول العربية مقابل تمرير «صفقة القرن»
12561
فريق العمل

اجتماع عابر أم خطة مدروسة تحظى برعاية إقليمية ودولية؟

المحادثات التحضيرية التي سبقت لقاء البرهان – نتنياهو بثلاثة أشهر، وأجريت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، حسبما أكد اللواء البرهان، إنما تعني أن هذا على الأرجح لم يكن اجتماعا عابرًا، وإنما خطة مدروسة، بل تحظى برعاية إقليمية ودولية كما سيأتي بيانه.

كشف ضابط كبير في الجيش السوداني أن دولة الإمارات العربية المتحدة لعبت دور الوسيط في ترتيب اللقاء، في إطار سعيها لدى الإدارة الأمريكية إلى رفع العقوبات المفروضة على السودان، وأكد أيضًا أن المملكة العربية السعودية ومصر كانا على علم بالخطة.

فيما غرّد مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية بأن اللقاء «عُقِدَ بناء على دعوة من الرئيس الأوغندي يوروي موسيفيني»، وبذلك يصبح التقارب السوداني-الإسرائيلي يحظى برعاية عربية/خليجية وأفريقية. 

ولتتسع المظلة، شكرت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورجان أورتاجوس، البرهان علنًا «على قيادته لمسيرة تطبيع العلاقات مع إسرائيل»، مضيفة أن الجنرال السوداني ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو اتفقا في اتصال هاتفي يوم الأحد على العمل من أجل تعزيز العلاقات الثنائية بين واشنطن والخرطوم، وهي المكالمة التي أكدها المجلس السيادي السوداني، وأشار بيان الخارجية الأمريكية كذلك إلى أن بومبيو دعا برهان إلى زيارة واشنطن العاصمة للقائه في وقت لاحق من العام الجاري. 

وكان لافتًا أن تأتي هذه الحفاوة بعد أسبوعٍ واحد من تشديد الولايات المتحدة قيود السفر على المواطنين السودانيين بموجب الحظر المثير للجدل الذي أصدره الرئيس ترامب، وبينما لا تزال السودان على القائمة الأمريكية للدول «الداعمة للإرهاب»، يرى البعض أن هذه الحفاوة لا تتضارب مع الموقف الأمريكي تجاه السودان، بل هي ربما تكون جزرة تقدمها إدارة ترامب لمن يمسكون بزمام الأمور في السودان لتشجيعهم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. 

وفي حين لم تصدر تصريحات رسمية تؤكد أن إدارة ترامب كانت وراء اجتماع البرهان – نتنياهو، يُرَجِّح ذلك كاميرون هدسون، وهو دبلوماسي أمريكي ومسؤول سابق في البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش وكبير الباحثين في أتلانتك كاونسل، الذي قال في تصريحات لموقع ميدل إيست آي: إن «بومبيو اتصل بالبرهان بناءً على طلب الإسرائيليين»، وأضاف أن «تحسين العلاقات مع إسرائيل يمثل تحولًا هامًا عن السياسات السابقة الموالية لإيران والمؤيدة للإسلاميين التي كان يتبعها نظام البشير… سيكون هذا موضع ترحيب كبير في الغرب».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ أسبوعين
دبلوماسية إسرائيل العسكرية في أفريقيا.. تسليح وتدريب ومرتزقة
فريق العمل

«لغز الشرق الأوسط الأوسع».. ثغرات في جدار العزلة الإسرائيلية

يربط سيث فرانتسمان في مقاله المنشور على صفحات جيروزاليم بوست بين هذه الزيارة وما يصفه بـ«لغز الشرق الأوسط الأوسع»، ويضعه في سياق الجهود الإسرائيلية المحمومة لفتح ثغرات جديدة متوالية في جدار عزلتها الإقليمية.

يلفت الكاتب الإسرائيلي إلى أن «السودان بلد مهم؛ لأنه جزء من جامعة الدول العربية، وكان في مركز التنافس بين الرياض وأنقرة. فبينما كانت تركيا تأمل في زيادة الاستثمار في السودان واستأجرت جزيرة هناك، رحبت المملكة العربية السعودية، التي قطعت العلاقات مع قطر حليفة تركيا في عام 2017، بالتغيير في الخرطوم.

وفي حين يشير الكاتب الإسرائيلي إلى أهمية التواصل الإسرائيلي مع تشاد في السياق السوداني، فإنه يشدد في الوقت ذاته على أن السودان يختلف بعض الشيء عن بعض دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لأنه بلد يضع قدمًا في أفريقيا وقدمًا أخرى في العالمين العربي والإسلامي؛ ما يجعله بمثابة محور رئيسي، مثلما هي السنغال في غرب أفريقيا، ولا تخفى الأهمية الدبلوماسية التي تمثلها السنغال بالنسبة لإسرائيل.

كما يتمتع السودان بأهمية استراتيجية بالغة لإسرائيل، فهو يقع في منطقة لها علاقات مع الأخيرة، سواء جارته الشمالية مصر، أو دول أخرى جارة في الجنوب مثل جنوب السودان وأوغندا وإريتريا.

وليكتمل طوق التطبيع، بموازاة انكسار العزلة الإسرائيلية، يضع المقال التقارب الأخير مع السودان في سياق الزيارة التي قام بها نتنياهو إلى عُمان قبيل وفاة قابوس، والرحلات الإسرائيلية البارزة الأخرى إلى الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى التعليقات الإيجابية نسبيًا التي صدرت من البحرين، وإن كان يلفت في الوقت ذاته إلى أن السودان قد تكون مجرد «بالون اختبار لمزيد من العلاقات بين إسرائيل والدول العربية».

وسواء كان هذا اللقاء بالون اختبار أم لا، فحين يطرق السودان باب التطبيع، لا يستطيع أمثال الدبلوماسي اليهودي السابق، دوي جولد، الرئيس الحالي لمركز القدس للشؤون العامة، أن يتم فرحته بـ«تقسيم الجبهة المناهضة لإسرائيل». 

ولم يستطيع جولد كبح جماح نفسه عن عقد المقارنات ورصد المفارقات الكامنة في هذا التقارب، ليس فقط لأنه جاء على أكتاف الثورة السودانية، بل أيضًا لأنه يمثل رِدَّة سافرة عن اللاءات الثلاث (لا صلح، ولا مفاوضات، ولا اعتراف بإسرائيل) التي رفعتها قمة الجامعة العربية من قلب الخرطوم بعد حرب 1967 .

وهكذا يتحوَّل السودان من «مكان انطلق العرب منه لرفض إسرائيل، إلى مكان ينطلقون منه للرّد على الرفض الفلسطيني (تهديد عباس بقطع التنسيق الأمني مع إسرائيل)»، حسب أوجيني كونتوروفيش، أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج ماسون الأمريكية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد