على الرغم من ضبابية المشهد السياسي والأمني المتوتر حاليًا فوق أرضي مصر والسودان، إلا أن البلدين أخذتا تحملان بشريات لمواطنيها، ببدء مرحلة سياسية وانتقالية جديدة، قد تسهم في تعزيز العلاقات، عقب الزيارات المتتالية بينهما.

جاءت تلك البشريات لتحسين الواقع الاقتصادي للبلدين، المتهالك أصلاً، بعد زيارة الرئيس السوداني عمر البشير إلى مصر مؤخرًا، ولقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث دار بينهما حوارًا عميقًا حول العلاقات الثنائية بينهما، فضلاً عن مناقشة التطورات الساخنة في المنطقة العربية والإقليمية، لاسيما ما يجري في ليبيا واليمن وسوريا، وغيرها.

وتأتي زيارة الرئيس السوداني إلى القاهرة بعد الزيارة القصيرة للرئيس السيسي إلى الخرطوم في أواخر يونيو/حزيران الماضي التي ترافقت مع تنظيم العشرات وقفة احتجاجية ضد زيارته.

وكما تعد هذه الزيارة هي الأولى التي يقوم بها البشير إلى مصر منذ عزلت المؤسسة العسكرية في 3 يوليو/تموز 2013 الرئيس المعزول محمد مرسي.

 

لا جديد

وأبرز ما تمخض عنه اللقاء بين الرئيسين، هو اقتراح السيسي لإتاحة الفرصة لرجال أعمال مصريين الاستثمار في السودان، إلى جانب تذليل العقبات التي تواجههم، الأمر الذي سينعكس إيجابًا على اقتصاد السودان، وفتح مناخ إيجابي للاستثمار هناك، حسب وجهة نظرهما.

وثمة من يرى أن هذه الزيارة قد حركت المياه الراكدة في علاقات البلدين، والتي تأزمت لفترة طويلة من الزمن، خاصة الاقتصادية، بينما رأى آخرون أنها لن تضيف جديدًا نظرًا لما اعتبروه تباينًا سياسيًّا برز بين البلدين الجارين بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي ذي الخلفية الإسلامية وهي ذات مرجعية الحكم في السودان.

ومن وجهة نظرهم أيضًا، أن الزيارة ستفتح جملة من الملفات الساخنة والمعقدة إلى الواجهة، منها ما هو حدودي – كما في منطقة حلايب وشلاتين- وما هو سياسي يتمثل في العلاقة مع المعارضة في البلدين، فضلاً عن ملفي ليبيا وسد النهضة.

وخلال اللقاء، تأمل السودان من الجارة مصر ذات العلاقة التاريخية المتجذرة معها، المساهمة في رفع العقوبات عنها، مع تأكيدها على الحرص بعدم المساس بأمن ومصالح مصر، المبعثرة هنا وهناك، في ظل المتغيرات الجارية خلال السنوات الأخيرة.

لكن، السؤال الذي يطرح نفسه، هل ستفي مصر بوعود وآمال السودان المضطربة سياسيًّا واقتصاديًّا وحتى اجتماعيًّا، لا سيما وأنها – السودان- تشهد الآن خلافًا حول موضوع الانتخابات الرئاسية وترشح البشير لولاية ثانية، ومصر المنشغلة أيضًا في الحدود مع قطاع غزة، وإقامة منطقة عازلة لمنع ما يسمى بـ” تسلل الإرهابيين”، من القطاع.

 

حسم الملفات

 

وتعقيبًا على ذلك، استبعد أستاذ العلوم السياسية في جامعة بحري بالسودان حمد عمر حاوي إمكانية تأسيس تحالف استراتيجي بين النظام المصري ونظيره السوداني بسبب الخلافات الأيدولوجية بينهما، مشيرًا إلى إمكانية التنسيق بين الجانبين في بعض القضايا الأمنية البسيطة بالإضافة للملفات الاقتصادية.

وأكد حاوي خلال لقاء له على قناة الجزيرة أن ملف سد النهضة يمثل “قضية شائكة” في العلاقات بين الطرفين، حيث إن السودان سيستفيد من السد بصورة كبيرة، لكنه يريد الحفاظ على علاقته بالجارة مصر التي تخشى على أمنها المائي بسبب هذا السد.

وتابع: “إن الزيارة لا يمكن أن تضع نهاية لهذه المشكلة”، مضيفًا أن السودان يحتاج لعلاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، ولا يمكنه الاستغناء عن أي منها.

وبين أنه من المهم كيفية إدارة العلاقات مع جميع الأطراف بحالة من التوازن، وذلك بعد تأكيد حاوي على أن السودان محسوب على الحلف التركي القطري المساند لثورات الربيع العربي وتيار الإسلام السياسي.

أيًّا كانت التوصيات بنتائج الزيارة المتبادلة بين مصر والسودان والأخذ بها، فإن عودة أوضاع البلدين إلى ما كانت عليه مسبقًا يحتم بضرورة حسم الملفات الداخلية لكل واحدة منهما، ومن ثم متابعة ما يجري في الخارج.

لذلك، فإن رفض قيادات في المؤتمر الوطني تجديد العهد للرئيس الحالي عمر البشير، مع ضرورة تنحيه عن المشهد المقبل باعتباره غير مقبول محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، يدخل البلاد مجددًا في دوامة سياسية مع المعارضة، حيث إن نتائج الزيارة قد تذهب بلا جدوى.

ويواجه حزب المؤتمر الوطني السوداني الحاكم حالة انقسام وتململ غير مسبوقة، على خلفية رفض شق واسع من قياداته تجديد العهد للرئيس الحالي عمر حسن البشير لولاية رئاسية جديدة الأمر الذي ينذر بانشقاقات في الأفق داخله.

ويتولى البشير حكم البلاد منذ وصوله عبر انقلاب عسكري في 30 يونيو 1989، وفي حال فوزه في الانتخابات المقبلة فإنه سيحكم لخمس سنوات أخرى ليصل مجموع سنواته على رأس السلطة إلى 30 عامًا.

 

قفزة سياسية

وزير الخارجية الأمريكي جون كيري خلال لقائه رئيس جنوب السودان سلفاكير مياردييت

لكن، القفزة التي أثارتها السودان خلال الأيام القليلة الماضية كانت حينما دعت الإدارة الأمريكية، لرفع العقوبات والإيفاء بالالتزامات التي قطعتها تجاه السودان واتخاذ خطوات عملية في هذا الخصوص تمكن من تطبيع العلاقات الثنائية بين الدولتين.

ورحبت السودان بالمباحثات التي جاءت بمبادرة من جون كيري وزير الخارجية الأمريكي مع نظيره السوداني علي كرتي، والتي تعبر عن تحول حقيقي في السياسة الأمريكية تجاه السودان.

وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد أعلمت النظام برفضها لتولي الرئيس السوداني الحالي لولاية جديدة، مبقية على العقوبات الاقتصادية، على خلفية إعادة ترشيحه.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية يوسف الكردفاني: “إن السودان ظل منذ فترة طويلة ينادي بضرورة الحوار بين البلدين فيما يتصل بالمسائل الثنائية وتطوير العلاقات في المجالات المختلفة ومع تحفظ الحكومة السودانية تجاه الوعود الأمريكية التي لم تتحول من الأقوال إلى الأفعال في الفترات السابقة”.

وأشار الكردفاني إلى الوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية تجاه السودان، مضيفًا: “هنالك العديد من الوعود التي تمت في السابق شملت إعفاء الديون ورفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وفك الحظر الاقتصادي”.

وأمام هذه العودة للتطبيع بين السودان ومصر يرى الكاتب السوداني الصادق الرزيقي أن الاشتراطات الأمريكية لعودة العلاقات لطبيعتها في أي وقت من الأوقات لم تكن مبنية على تصور ورؤية منصفة وعادلة، بل ظلت أكثر تعسفًا وتشددًا مع وجود عقوبات قاسية وحصار سياسي واقتصادي وتضييق على السودان والعمل على إضعافه وتحدي سيادته الوطنية.

وأوضح الرزيقي أن تطورات الموقف الداخلي السوداني وتعقيد الأوضاع المحلية أسهمت فيها الولايات المتحدة بشكل كبير وأوصلتها إلى ما هي عليه، مثل الوضع في دارفور أو المنطقتين “جنوب كردفان والنيل الأزرق”، والعلاقة مع جنوب السودان قبل نيفاشا وبعدها وما تلى قيام دولة الجنوب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد