يتحوَّل السودان تدريجيًّا من مكان اجتمع فيه العرب اجتماعهم التاريخي عبر قمة اللاءات الثلاثة التي عُقدت في الخرطوم عام 1967م، ورفعت شعار: «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل»، إلى الدولة الرابعة حاليًا المرشحة لتوقيع سلام، والتطبيع مع إسرائيل بعد مصر والأدرن والإمارات، والبداية كانت في فبراير (شباط) الماضي، خلال اللقاء الذي جمع رئيس المجلس الانتقالي السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، في أوغندا، والذي جرى برعايةٍ إماراتيةٍ كاملة، بحسب ما كشفت عنه صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

وبخلاف الانتقادات الموجهة للحكومة السودانية الانتقالية بأنَّ مهامها تقتصر فقط على ترتيب الحُكم لنظام ديمقراطي لا أكثر، وصولًا إلى إجراء انتخابات رئاسية عام 2022م، ومن ثم فليس من حقها اتخاذ تغييرات سياسية جذرية، فإنَّ الانتقاد الأكبر الموجه لها بشأن التطبيع يتمثل في أنَّ العقوبات الأمريكية كانت مفروضة على نظام البشير قبل سقوطه، لذا فلا حاجة تستدعي – في نظرهم – توقيع اتفاق سلامٍ مع إسرائيل، أملًا في رفع اسم السودان من على قوائم الدول الداعمة للإرهاب؛ إنقاذًا للاقتصاد المُتعثر، كما أنَّ فرضية الازدهار الاقتصادي المرتقب تلك في حال التطبيع تُقابل بالشك، حين يجري استدعاء الوضع الاقتصادي الحالي لجنوب السودان، الذي سبق السودان بالتطبيع عام 2011م.

إلى أي محطةٍ وصل قطار التطبيع في السودان؟

بعد أقل من أسبوعٍ على إقالة المتحدث باسم الخارجية السودانية على خلفية تصريحاتٍ قال فيها إن بلاده تتطلع للتطبيع مع إسرائيل، وصل على متن أول رحلة مباشرة من إسرائيل إلى السودان، وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إلى الخرطوم، وسط احتفاءٍ رسميٍّ سوداني لأول زيارة يجريها وزير خارجية أمريكي منذ 15 عامًا.

أشارت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، مورجان أوتاجو، إلى أنَّ هدف الزيارة يتمثل في مناقشة عدة موضوعاتٍ، أبرزها دعم تعزيز العلاقة بين السودان وإسرائيل، ضمن جولةٍ تشمل الإمارات والبحرين، وبحسب البيان الصادر عن الحكومة السودانية، فحمدوك أبلغ بومبيو بأن الحكومة الحالية لا تملك تفويضًا لاتخاذ قرار بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأن مهمتها محددة باستكمال العملية الانتقالية وصولًا إلى إجراء انتخابات، وهو الرد الذي جاء بوصفه رد فعلٍ على التحذير الذي أطلقته قوى الحرية والتغيير – الكيان الذي قاد الثورة – قبل ساعاتٍ من وصول بومبيو، وتضمن تهديدًا للحكومة في حال أقدمت على استكمال مسيرة التطبيع.

الرد الرسمي السوداني الأخير حول رفض عودة العلاقات مع إسرائيل في الوقت الحالي لا يعد انتصارًا حاسمًا للمعارضة، كون بومبيو لم يقابل حتى الآن الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الذي يُعد «مهندس التطبيع» الفعلي في السودان، وتخشى الحكومة أن يصدر منه ردًّا مُخالفًا للتصريحات الرسمية التي أطلقها حمدوك، خاصة في ظل تفاقم تباين وجهات النظر بين الحكومة السودانية والمجلس السيادي في عدد من القضايا، أبرزها إصرار حمدوك على حصر ملف العلاقات الخارجية بيد حكومته، وليس بيد المجلس العسكري.

وسبق أن حاولت الحكومة السودانية النأي بنفسها عن اللقاء الذي جمع رئيس المجلس الانتقالي السوداني، الفريق أول، عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، في أوغندا، عبر البيان الذي أصدره الناطق الرسمي باسم الحكومة الانتقالية بالسودان، والذي  أكد فيه أن الحكومة لم تعلم بالخبر سوى عبر وسائل الإعلام، ليرد عليه المتحدث باسم القيادة العامة للجيش نقلًا عن البرهان بأنَّ «اللقاء عُقِدَ بعلم رئيس الوزراء عبد الله حمدوك».

وفي الوقت الذي يمتنع فيه السودان عن إقامة أي علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل منذ حصوله على استقلاله، وانفصاله عن مصر عام 1956م، تكشف صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية التاريخ السري لعلاقات إسرائيل المتفجرة مع السودان، والاجتماعات السرية التي لم تتوقف بدعمٍ من السعودية، ما يعني أنَّ السودان فعليًّا كان يجري علاقاتٍ غير رسميةٍ في الخفاء طيلة عقود.

وقبل انفصال السودان عن مصر، أقامت إسرائيل اتصالاتٍ سرية مع رئيس «حزب الأمة» المعارض عبد الرحمن المهدي – والد الصادق المهدي- الذي كان يتفاوض مع الإنجليز لعرقلة الخُطط المصرية بضم السودان بعد خروج البريطانيين، وبعدما حصل السودان على استقلاله، نُقلت مهمة الحفاظ على المواجهات السرية مع إسرائيل من وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى الموساد، إلى جانب الدور الذي لعبه رجل الأعمال الإسرائيلي المولود في السودان «نسيم جاون» في تسهيل مهمة الاتصال.

نجحت سياسات الرئيس المصري جمال عبد الناصر في تحويل الخرطوم إلى عدو لدود مع إسرائيل، ورسم السودان أدبياته السياسية في الصراع العربي الإسرائيلي عبر قطع علاقاته الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، ثم استضافة قمة اللاءات الثلاثة التي رفعت شعار: «لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل»، وجاء جزء من رد  الموساد بعدها بدعم التمردات في جنوب السودان، لتشتيت عدوها.

بوصول جعفر النميري إلى الحكم عقب انقلاب 1967م، لم تكن إسرائيل في حاجة للتعرف إلى الزعيم الجديد، كونه قد جمعته بالموساد الإسرائيلي علاقاتٍ سريةٍ من قبل توليه السُلطة، وتمثل الدور الأخطر الذي أداه النميري في تهجير نحو 30 ألفًا من يهود الفلاشا إلى إسرائيل بتنسيق مع الاستخبارات الأمريكية، وفي عام 1985م، كُشف أمر العملية، وهو الخط الأحمر الذي وضعه جعفر، فتوقفت على الفور، وهو العام نفسه الذي أُطيح فيه من الحكم، لتبدأ السُلطة الجديدة في البحث عن الجواسيس الإسرائيليين.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«الموساد» على الأرض السودانية.. من «تهريب الفلاشا» لـ«تلميع المجلس العسكري»

اللافت أنَّ النظام الإسلامي الذي مثله الرئيس السوداني المعزول، وناصب إسرائيل العداء نحو ثلاثة عقود، أجرى اتصالاتٍ سريةٍ مع تل أبيب، فبحسب موقع «ديبكا» الاستخباراتي العبري، فالبشير في آخر حكمه سعى لفتح اتصالاتٍ مع إسرائيل بهدف حماية نظامه، وإدارة اقتصاده المُنهار بسبب العقوبات، وهي المعلومة التي أكدها المتحدث السابق باسم الخارجية السودانية قائلًا: «الاتجاه نحو إقامة علاقات مع إسرائيل ليس بالجديد، وسبقنا إليه وزير خارجية النظام البائد، إبراهيم غندور».

المدافعون عن التطبيع.. ماذا يريد السودان من إسرائيل؟

في عام 1993م، وضعت الولايات المتحدة السودان على قوائم الدول الراعية للإرهاب، على خلفية استضافة نظام الحركة الإسلامية زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن، الذي مكث في ضيافة الحكومة السودانية بين عامي 1990 و1996م، ثم ترك نحو 12 مليون دولار بهدف استخدامها في عمليات الجهاد، والعام الأخير هو نفسه العام الذي اتهم فيه السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، أثناء حضوره مؤتمر «منظمة الوحدة الأفريقية» بإثيوبيا.

وفي عام 1997م، غادر آخر سفير أمريكي السودان، ولم يُعيَّن أحدٌ في منصبه حتى الآن، تزامنًا مع فرض واشنطن عقوبات اقتصادية وتجارية شاملة على نظام البشير، زاد من وطأتها انضمام الخرطوم إلى حلف طهران، وهو ما استدعى غضبًا خليجيًّا جعل القادة العرب يشاركون في العقوبات الاقتصادية التي أقرتها عليه الولايات المتحدة، لكنَّ البشير في أواخر حكمه قدم عدة تنازلات من أجل الانخراط في الصف العربي مرة أخرى، ثم أجرى زيارات متكررة إلى دول الخليج، والتي تزامنت مع قرار الولايات المتحدة رفع الحظر الاقتصادي عن السودان في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017م، لكنها لم تكن كافية لرفع اسم السودان من على قوائم الإرهاب.

بوصول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى سدة الحكم الانتقالي، عقب الثورة التي أطاحت البشير، وجد المجلس العسكري أنَّ الخيار الوحيد للوصول إلى قلب الولايات المتحدة هو فتح علاقاتٍ مع إسرائيل، يقول البرهان عقب لقائه نتياهو في أوغاندا: « قمت بهذه الخطوة من موقع مسؤوليتي بأهمية تحقيق المصالح العليا للشعب السوداني».

وتبدأ مشكلة السودان الاقتصادية فعليًّا منذ وضعه على قوائم الإرهاب عام 1993م، إضافة إلى انفصال الجنوب عام 2011م واستئثاره بثلثي عائدات النفط، مرورًا بالحرب الأهلية ونزاع دارفور الممتد منذ عام 2005م، والذي أغرق النظام في الفوضى والفقر، وخلق موجة لاجئين ونازحين ضخمة، ويرى حمدوك أنَّ بلاده تحتاج نحو 8 مليارات دولار خلال الفترة الانتقالية لإعادة بناء الاقتصاد، ولتغطية الواردات، إضافة إلى الحاجة إلى ملياري دولار آخرين احتياطيًّا من النقد في البنك المركزي.

وتقرُّ الحكومة السودانية بعدم توفُّر احتياطي أجنبي لوقف انهيار العملة المحلية، تزامنًا مع وصول نسبة التضخم في البلاد إلى 136% الشهر الماضي، وتعمد الحكومة إلى طبع النقود لتمويل دعم الخبز والوقود، تزامنًا مع فشل السياسة النقدية في وقف نزيف هبوط الجنيه السوداني.

وفقدت العملة السودانية 50% من قيمتها خلال أقل من خمسة شهورٍ فقط، وتراجع الجنيه مؤخرًا إلى 195 جنيهًا مقابل الدولار الواحد في السوق الموازي، بينما وصل سعره الرسمي إلى 55 جنيهًا، وعلقت المالية السودانية على تدهور الوضع المالي بأن سلسلة الانهيار ليس لها علاقة بالسياسات الاقتصادية للحكومة.

وتعزو الحكومة السودانية أزمتها الحالية إلى عدة أسباب أبرزها أنَّ 95% من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي، بالإضافة إلى أنَّ الطلب على الدولار يفوق المعروض، وارتفاع حمى شراء الدولار بسبب انهيار الجنيه، إلى جانب مضاربات الذهب التي دفعت التجار إلى شرائه بقيمة تزيد بمقدار 10% على سعره العالمي، وهو أحد أكبر الأسباب في زيادة سعر الدولار المتواصلة.

لذا يرى المدافعون عن التطبيع أنَّ السودان لن يتخلص من أزمته الاقتصادية إلا برفع اسمه من على قوائم الإرهاب، كما أنَّ الولايات المتحدة لن تُقدم على تلك الخُطوة إلا إذا قدَّم السودان تنازلًا كبيرًا يضمن دفع الجهود الأمريكية في الشرق الأوسط عبر بوابة إسرائيل.

 هل يمكن أن يحل التطبيع مشكلات السودان؟

يتحوَّل السودان تدريجيًّا من مكان انطلق العرب منه لرفض إسرائيل عبر قمة «اللاءات الثلاثة» إلى الدولة الرابعة المرشحة لتوقيع سلام مع إسرائيل بعد مصر والأدرن والإمارات، لكنَّ الخُطوة نفسها تقابل بمعارضة كبيرة من الداخل، وينطلق مبدأ الرفض من قبل الأحزاب المعارضة مثل البعث السوداني، والمؤتمر الشعبي؛ استنادًا إلى فكرة أنَّ إسرائيل دولة محتلة لأرض فلسطين، ومن ثم لا يمكن ولا يحق تطبيع العلاقات معها، إلى جانب أنَّ التطبيع نفسه وبرؤية براجماتية خالصة لن يحل المشكلة الاقتصادية، بحسبهم.

تُقابل فكرة التطبيع، بوصفها حلًّا للمشكلات الاقتصادية، بالحديث عن المقارنة مع الوضع الاقتصادي الحالي لجنوب السودان، وقد ساعدت إسرائيل جوبا على الانفصال عن الشمال عام 2011م، لكنَّ البلد الغني بالنفط عانى خمس سنوات من الحرب الأهلية، وهو ما تسبب في حدوث مجاعة عام 2016م تزامنًا مع انخفاض قيمة العملة، وكسر التضخم لحاجز الـ800%.

وسعت جوبا مؤخرًا للحصول على قرض بقيمة 250 مليون دولار من البنك الأفريقي، كما لا تتوفر لدى البنك الدولي بيانات رسمية عن حجم ديونه الخارجية، ومدى الأزمة الاقتصادية الواقع فيها، وحتى اللحظة لم تنتهِ الحروب الأهلية في ظل غياب الصديق الإسرائيلي.

وترى المعارضة السودانية بحكم الوضع في جنوب السودان، أن التطبيع مع إسرائيل لن يحل مشكلة الوقود، ولن يقضي على أزمة الخبز، كما أنه لن يقضي على سياسات التقشف التي لن تكون بدورها حلًّا للاقتصاد المهزوم في ظل مخزون استراتيجي منخفض من الغذاء والوقود، ونسبة تضخم مرتفعة، وديون ثقيلة تقدر بنحو 54 مليار دولار، يمثل أصل الدين الحقيقي منها نحو 17 مليار دولار، بينما نحو 37 مليارًا منها عبارة عن فوائد وجزاءات بسبب العجز عن دفع الديون في موعدها. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد