اعتقاد واسع داخل الأوساط السياسية العربية الحاكمة عن تضاؤل أهمية دولة السودان في صراعات الشرق الأوسط، وأنها لا تعدو دولة تحاول أن تصارع على البقاء، بالبحث عن موارد مالية تنتشلها  من أزماتها الاقتصادية المتواصلة.

بيد أن هذا الاعتقاد الذي ثبُت خطؤه، خصوصاً مع تعاظم أهميته مؤخراً في العديد من ملفات الشرق الأوسط الهامة، ما يستدعي تسليط الضوء على هذا الدور المرحلي للسودان، وللمنطقة كافة، كي نفهم كيف أصبحت السودان دولة مُهمة ونافذة في العالم العربي من خلال فهم توجهات سياسة السودان الخارجية، وأبرز الملفات التي تتحكم فيها، وما هي مُحددات هذه الأدوار، وأبرز حلفائها في الشرق الأوسط .

السودان: منفذ جديد بين رحى الصراع الخليجي الإيراني

كحليف استراتيجي لإيران في المجالات العسكرية والدفاعية والأمنية، نما النفوذ السوداني في الصراع المكتوم بين إيران ودول الخليج ليمنحه قدرا كبيرا من الخروج من العُزلة الدولية، ودوراً مهماً في مسارات هذا الصراع على النفوذ، يسعي طرفا هذا الصراع لكسبه.

بعد إدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عكر البشير، وعدد من كبار معاونيه منذ عام  2009، لم يكن أمام السودان سوى إيران كحليف استراتيجي يمنحه الفرصة للخروج من عزلته الدولية، وهي المسألة التي وجدت قبولاً لدى إيران، خصوصاً مع سعيها  لإقناع الخرطوم ببناء قاعدة على البحر الأحمر، ما يمكنها من اختصار المسافة بينها وبين السعودية إلى ثمان ساعات، فضلاً عن قربها من دول الخليج، بجانب كونها مدخلاً لأفريقيا ومصر.

كما سعت “السودان” بالتوازي مع هذه الرغبة الإيرانية، إلى الاستفادة من الخبرات الصناعية الإيرانية، مدنياً وعسكرياً، بدلاً من التقيد باستخدام السلاح الروسي والصيني، فضلاً عن طموحه في الاستفادة من الدعم الإيراني في تخفيف وطأة الديون الخارجية التي تجاوزت 45 مليار دولار.

عوامل عديدة ساعدت في التقارب بين الدولتين، وتدعيم هذا التحالف الاستراتيجي بينهما، خصوصاً بعد إيقاف الرياض تعاملاتها المصرفية مع البنوك السودانية، وتقليص وارداتها من اللحوم السودانية، وذلك ضمن إجراءات عقابية للنظام السوداني، بعد استضافته لسفن حربية إيرانية في ميناء بورسودان.

وتُظهر الأرقام تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين: إذ قفز معدل التجارة المتبادلة بين البلدين  إلى حدود 150 مليون دولار العام الماضي، وذلك مقابل أقل من 29 مليون دولار في عام  2008، ما يعني أن حركة التجارة هذه تضاعفت أكثر من 5 مرات في غضون ستة أعوام.

تسعي السودان إلى استثمار هذا التحالف الاستراتيجي مع إيران؛ لمغازلة دول الخليج في بعض المُساعدات الاقتصادية، في ضوء التكتيكات المرحلية لسياسة عُمر البشير والتحول من المحور الإيراني إلي الخليجي في سياق التكتيك المرحلي، لتعود بعدها الخرطوم إلى علاقاتها بطهران، باعتبار أنّ علاقاتها بإيران استراتيجية وقائمة على مصالح أمنية ودفاعية فضلاً عن أنّ الخرطوم، حتى الآن، لم تنل ما تسعى إليه من مساعدات اقتصادية من دول الخليج تسهم في إنقاذ اقتصادها الذي يعاني من شح العملة وارتفاعها في السوق الموازي  .

  السودان فى الحرب ضد الحوثيين: تحول تكتيكي

بالتزامن مع التعاون العسكري والاقتصادي بين إيران والسودان، ونتائجه المُتمثلة في حالة تزايد الرابطة التجارية الإيرانية بالسودان، والتي كان أبرزها دخول شركات إيرانية للاستثمار علي الأراضي السودانية بتسهيلات من الحكومة بعد أن منحت الأخيرة شركة “ماين أن متلس”  الإيرانية رخصة للتنقيب عن الذهب في ولاية نهر النيل، لم تجد السودان العائد الاقتصادي المرجو من إيران خصوصاً في أزمتها الاقتصادية، ما جعلها تتجه ببوصلتها تجاه الخليج خطوات، خصوصاً مع تعاظم أهميتها لهم، والوعود بمنح خليجية .

في بيانه المصور الذي أصدرته قيادة الجيش السوداني، برر دخول هذه الحرب  “بأن المشاركة في عمليات عاصفة الحزم تأتي من منطلق المسئولية الإسلامية لحماية أرض الحرمين الشريفين، والدين والعقيدة، وأعلن أن مشاركة السودان بقوة ومنعة وعزة في هذه العمليات، لتبقى السعودية آمنة مستقرة، بلدًا حرامًا”  وذلك حسب البيان الذي أصدرته قيادة الجيش السوداني.

لا يعتبر المحللون مُشاركة السودان في الحرب ضد الحوثيين، وتزحزح البوصلة السودانية تجاه الخليج استغناء عن الحليف الاستراتيجي للسودان “إيران”، بل هي محاولة تكتيكية لتحسين العلاقات السودانية الخليجية في مقابل تقليص التعاون مع النظام الإيراني لحاجة السودان إلي ظهير اقتصادي، قد لا تستطيع إيران توفيره له في الوقت الحالي، خصوصاً مع قدرات دول الخليج على  توفير الأموال والمنح للسودان؛ لانشتالها من أزمتها الاقتصادية الحادة .

يوضح هذا الأمر، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني أبو ذر نديمي،  أن سياسة إيران الخارجية في الوقت الحالي تقوم على التركيز على الحفاظ على العلاقات الإقليمية قدر المستطاع، مؤكداً أن العلاقات الاقتصادية بقيت، وستبقى على حالها خلال الفترة القادمة، حيث لن تسعى البلاد لزيادتها أو لتطويرها، متوقعاً بقاء الأمور على حالها.

 السودان: بوابة تركيا إلى أفريقيا

في المساعي التركية لتمديد نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، وإنشاء تحالفات استراتيجية تدعم مواقفها، سعت حكومة رجب طيب أردوغان إلى مد أواصر العلاقة مع السودان، انطلاقاً من أهميتها التي تتعاظم في المنطقة العربية، لينتهي الأمر إلي تحالف استراتيجي بين الدولتين .

تبلغ الاستثمارات التركية في السودان 2 مليار دولار، ويتجاوز التبادل التجاري 400 مليون دولار، ويبلغ عدد أفراد الجالية التركية بالسودان أكثر من 5 آلاف شخص، بجانب بلوغ عدد الشركات التركية التي تعمل في المجالات الاستثمارية والتجارية إلي 480 شركة.

وفي نهاية العام الماضي، كان الإعلان الرسمي من جانب الجيش السوداني لأول مرة عن قدوم قطع بحرية عسكرية تركية للسودان، إذ وصلت أربع سفن حربية تابعة لقوات البحرية التركية المنتمية لمجموعة العمل البحرية “بارباروس” في إطار تدريبات عسكرية بين الوحدات العسكرية التركية والقوات البحرية السودانية.

خلال زيارة الرئيس السوداني عُمر البشير إلي تركيا، أعلنت تركيا أنها ليس لديها خطط لاعتقاله، مُتحدية الغرب بتأكيدها على عدم اعترافها بالمحكمة الجنائية الدولية.

 سد النهضة: السودان تفرض شروطها على مصر

451330010

سد النهضة الإثيوبي  -الذي يعد أضخم سد لتوليد الكهرباء على مجرى النيل الأزرق، تُمثل السودان فيه الطرف الذي يمارس نفوذه على مصر، التي  ترى فيه تهديدا وجوديا لها، وتخشى أن يقلل حصتها من مياه النيل.

دعم السودان لإنشاء السد، حسب ما أعلن البشير:  “كونه يوفر كميات من الطاقة الكهربائية فشلت كافة السدود السودانية في توفيرها للبلاد”، يساهم في ارتفاع حدة الأمور بين البلدين، كما يؤشر على تعاظم النفوذ السوداني في القضايا العالقة بين الجانبيين، خصوصاً فيما يتعلق بمنطقة “حلايب وشلاتين”، وهي المنطقة المُتنازع عليها.

تتولي السودان دور الوسيط بين أثيوبيا والسعودية؛ في تسهيل الاستثمارات السعودية داخل أثيوبيا، والتي وصلت قيمتها إلى 13 مليار دولار، بجانب الوعود الأثيوبية للسودان بتوفير الطاقة الكهربائية مجاناً، والتوتر القائم بين مصر والسودان يجعل من السودان لاعباً فاعلاً في هذه الأزمة، يُملي شروطه علانية مقابل سعي مصر لتحييده .

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد