ميرفت عوف

5

ميرفت عوف

5

علاقة مليئة بالتناقضات، خلافاتٌ سياسيةٌ كبيرة، وتعاون اقتصادي واستراتيجي كبيران أيضًا، علاقةٌ تحيطُ بها تراكماتٌ تاريخية وأبعاد جغرافية. فإذا ما أقصرنا القول على أزمة العقوبات الروسية بوقف التعاون الاقتصادي، وعلى رأسها منع استيراد الخضروات التركية، فهذا الحظر الآن لم تمرّ عليه إيجابيات التطبيع الجارية بين البلدين، فبينما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يجرى زيارة لموسكو قبل أيام، بهدف استعادة العلاقات الاقتصادية ورغم التفاؤل الذي أبداه البلدان جاء قرار روسي مفاجئ باستيراد الخضروات من السودان.

روسيا والسودان: «الخضروات تقول الكثير»

في يناير (كانون الثاني) الماضي، قال عضو المكتب القيادي بـ«حزب المؤتمر الوطني» الحاكم بالسودان، نافع علي نافع «إن علاقات السودان مع دولتي روسيا والصين، تسير في الاتجاه الصحيح»، ويبدو أنه تمخض هذا الاتجاه عن تحديد 20 مارس (آذار) الحالي، موعدًا لروسيا مع استيراد الخضروات والفواكه السودانية عبر أراضي بيلاروسيا، وهو تتويجٌ لاتفاقٍ ثلاثيّ بين السودان وروسيا وبيلاروسيا بعد وضع خطة استراتيجية لتحقيق المصالح تشمل التعدين، والمصارف، والسلع الغذائية وفي المستقبل تشمل الطاقة الحيوية، فقد أجازت الهيئة الفيدرالية للرقابة البيطرية والزراعية الروسية استيراد البصل، والفاصوليا الخضراء، والفلفل الحلو، والفلفل الحار، والمانجو، والموز، والبطيخ، والشمام، والليمون، والجريب فروت، والتين، والريحان، والسمسم.

روسيا وتركيا

يأتي هذا القرار مع سريان القرار الروسي المتخذ في يونيو (حزيران) الماضي، بوقف استيراد الخضار والفواكه من عدد من البلدان الإفريقية، حتى يتم الحصول على المعلومات الصحية اللازمة من هذه الدول، يقول الكاتب الصحافي والمحلل السياسي «طلال إسماعيل» إن هناك مخاوف روسية من دول جوار السودان من جلب الغذاء الفاسد إليها، وفي ظل هذه المخاوف رأت روسيا أنّ الاستفادة من إمكانيات السودان الزراعية هو الضمان لتحقيق الأمن الغذائي بعد أن وقَّعت معه اتفاقيات للتعدين وبناء علاقات قوية، وتابع القول لـ«ساسة بوست» : «روسيا وجدت في السودان البديل المناسب لاستيراد غذائها الصحي، بعد أن أغلقت باب الاستيراد من دول إفريقية مجاورة للسودان، إذ يتيح مناخ السودان المتنوع، زراعة كل ما تحتاج إليه روسيا من محاصيل غذائية، تمنح المواطن الروسي السعرات الحرارية من بقوليات وفيتامينات شمس الاستواء».

من جهةٍ أخرى، تجمع السودان بتركيا علاقاتٍ قوية أيضًا، فقد سجلت مرحلة وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا العام 2002 تحسُّنًا ملحوظًا، لتبلغ الاستثمارات التركية في السودان نحو ملياري دولار، بينما يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 400 مليون دولار، وتسير عجلة التعاون بين البلدين نحو زيادة التعاون والاستثمار في مشاريع كبيرة في مجال الزراعة والثروة الحيوانية.

لذلك، فالسودان أمام تحدى التعامل مع كافة الأطراف بصورةٍ متوازنة والاستفادة بقدر الإمكان من تحسن الانقلاب السياسي الذي حدث في العلاقات بين الخرطوم وواشنطن بعد رفع العقوبات الأمريكية على السودان في يناير (كانون الثاني) الماضي، وهنا يستبعد مدير تحرير صحفية (إيلاف) الاقتصادية والمحلل في الاقتصاد السياسي «خالد سعد» وجود دلالة واضحة على التوجه الروسي نحو السودان اقتصاديًا بالعلاقة الثلاثية بين السودان وروسيا وتركيا، مستدركًا: «إلا إذا كانت دلالة ضمنية تصطحب حالة التقارب والتباعد بين موسكو وأنقرة وبين العلاقات المتطبعة بين الخرطوم وأنقرة مقرونة بالأوضاع السياسية في المنطقة العربية وخصوصًا سوريا».

ويفسر سعد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» التوجه الروسي نحو السودان في إطار التنافس الاقتصادي التاريخي بين الدول الكبرى على (بكرية) اقتصاد السودان، ويضيف: «يجب على السودان استثمار دبلوماسية العلاقات الخارجية في التنمية التي ينشدها وأن يقف في سياسته الخارجية على مسافة واحدة من جميع التحالفات والمحاور».

روسيا تهاجم: لا عودة للخضروات التركية!

حصة كبيرة من إجمالي ما تنتجه تركيا من مواد غذائية كان يذهب إلى السوق الروسية، قدرت نسبتها بـ 42%، وقد وصلت قيمة صادرات الخضروات والفواكه التركية إلى روسيا عام 2015 إلى 875.4 مليون دولار، وبسبب الخلاف بين الدولتين إثر إسقاط الطائرة الروسية، تراجعت العام الماضي نسبة هذه الصادرات لتصل إلى 62.1%، بقيمة 331.7 مليون دولار.

لذلك كان توقف تصدير الفاكهة والخضروات التركية لروسيا ضربة قاصمة للمزارعين الأتراك، فقد ضمت قائمة المنع الروسي عدة أنواع من الخضار والفواكه، كان أكثرها استيراد الليمون والطماطم والفواكه من الخوخ والكرز والمشمش والعنب، كما تضررت روسيا بشكلٍ كبير من وقف استيراد الخضروات من تركيا، فقد أدى ذلك إلى حالة من التضخم، تبعها زيادة في ارتفاع الأسعار أضافت ثقلًا جديدًا على كاهل المواطن الروسي.

وتصب كل التوقعات رغم التحسن الصاعد في العلاقات بين البلدين إلى استمرار العقوبات الروسية المفروضة على المنتجات الغذائية التركية، وفي قراءة لأسباب ذلك تقول المصادر الروسية إن ذلك يأتي من أجل دعم الصناعات الزراعية الروسية، فقد نقل عن القنصل العام الروسي في إسطنبول، أندريه بوديليشيف، قوله : «إن بلاده تعمل على إنتاج احتياجاتها الزراعية بنفسها نتيجة الحظر الذي تفرضه عليها بعض الدول الغربية، لذلك تستمر القيود الروسية على المنتجات الزراعية التركية».

وبالعودة إلى المحلل السياسي «طلال إسماعيل» يوضح لنا أن :«بعض المحاصيل الغذائية لا تتوفر إلا في المناخ الاستوائي، ويلبي السودان ضمن دول إفريقية أخرى الحاجة الروسية، وهذه ميزة تفضيلية لا تتوفر في دولة تركيا، مع استصحاب العامل السياسي في سماح روسيا بالاستيراد من السودان، إذ أن روسيا توفرت لها خيارات أخرى في تحقيق مصالحها«.

العلاقات الاقتصادية دائمًا أقوى من الخلافات

يُسجِّل العام 2000، كتاريخ بدأت فيه العلاقات بين تركيا وروسيا تشهد مرحلةً جديدة متطورة، فقد زاد زخم العلاقات مع وصول حزب «العدالة والتنمية» التركي للحكم في العام 2002.

لكن هذا لا يعني خلوّ المرحلة الحالية من الخلافات والتوترات، والتي أبرزها كان عقب التدخل العسكري الروسي في جورجيا عام 2008، تلتها الأحداث في أوكرانيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، إذ انتقدت تركيا التدخل العسكري لروسيا، لكنها لم تمتثل لقرار العقوبات على روسيا، ثم أتى التدخل الروسي في سوريا عام 2015، والذي شهد خلافًا لكون الثورة السورية شكلت عامل توتر بين البلدين، وكان حادث إسقاط المقاتلة الحربية الروسية في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته على يد الجيش التركي نقطة الخلاف الأشد وطأة على هذه العلاقات، ليأتي اعتذار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن الحادثة ويدفع نحو استعادة العلاقة الاقتصادية والتعاون الأمني بين البلدين،
كما أدت المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا أواسط 2016 إلى إذابة الجليد بين البلدين لحد ما، فما تزال الكثير من العقوبات والعقبات سارية.

إذًا، الأكثر أهمية أن ما يجمع بين كل من تركيا وروسيا اللذين وصفا أحيانًا بـ«العدوين اللدودين» هوالعلاقات الاقتصادية القوية، فقد كانت دائمًا العلاقات الاقتصادية على وجه التحديد الدافع الأكبر للدولتين لرأب أي صدع يطرأ بينهما، ولذلك ترددت الدولتان في تصعيد الخلافات كما حدث من قبل تركيا في معاداة التدخل الروسي في أوكرانيا بشكل حازم، أو الاعتذار عن إسقاط الطائرة.

وبالاستعانة بالأرقام يمكننا القول إن حجم التبادل التجاري بين الجانبين الذي قفز من 4.5 مليار دولار عام 2016 إلى حوالي 25 مليار دولار حاليًا، بنسبة 32%، يعني أن النكسة كبيرة على الاقتصاد التركي، فقد فقدت تركيا أعدادًا كبيرة (نحو 93 %) من السياح الروس الذين كانت وجهتهم الأولى للسياحة تركيا، فقد كان هؤلاء يضخون أموالًا طائلة للاقتصاد التركي، نحو 3 – 4 ملايين سائح سنويًا، كما أن الاقتصاد الروسي الذي يعاني من جراء فرض العقوبات الغربية، وتهاوي أسعار النفط، تأثر بوقف استيراد السلع والمنتجات التركية التي كانت تخفض الأسعار على المواطن الروسي.

على صعيد ليس ببعيد، تقتضي المصالح الأوروبية استمرار العلاقات الاقتصادية بين الطرفين الروسي والتركي، في المقام الأول من أجل نقل الغاز الروسي عبر الأراضي التركية إلى أوروبا، فتركيا هي أحد أبرز مستوردي الغاز الروسي؛ تحتل المرتبة الثانية في قائمة زبائنه بمشتريات بلغت 24.76 مليار متر مكعب من الغاز.

هل يحقق تطبيع العلاقات الشراكة الاستراتيجية؟

«إن تركيا وروسيا أكملتا اليوم عملية تطبيع العلاقات بينهما»، هذا ما أكده الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» في زيارته الثانية التي جاءت بعد أزمة الطائرة بين البلدين، فقد سبق وأن زار روسيا في 9 أغسطس (آب) 2016، و التقى ببوتين بغية استعادة العلاقات الاقتصادية القوية بين البلدين.

وتأتي هذه الزيارة التي شهدها الشهر الحالي بالمزيد من التفاؤل نحو إلغاء جميع القيود الاقتصادية التي فرضتها روسيا على تركيا، حتى أنّ «أردوغان» حدد 100 مليار دولار كهدف في حجم التبادل التجاري مقابل 40 مليار، معلنًا عن خطة تعاون شاملة للأعوام 2017 -2020، ستساهم في إعطاء زخم للعلاقات التجارية بين أنقرة وموسكو، كما أعلن عن التوجه نحو التخلي عن الدولار والتعامل بالليرة والروبل في المبادلات التجارية، وقد وقعت هذا الشهر مذكرة لتأسيس صندوق استثمار مشترك سيستثمر فيه كل طرف من الطرفين 500 مليون دولار، و هناك حديث عن توقيع اتفاق بخصوص منظومة الدفاع الجوي الروسية إس 400، إذ تسعى أنقرة إلى شراء أنظمة دفاع جوي روسية، وهي إذا ما تمت ستكون من أكبر العقود العسكرية بين البلدين، حسب خبراء عسكريين.

ويعد مدّ مشروع «السيل التركي» واحدًا من أهم المشاريع التي قد يشهدها تطبيع العلاقات، إذ يهدف المشروع إلى تشييد أنبوبين بسعة إجمالية تصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا لنقل الغاز الروسي عبر قاع البحر الأسود إلى تركيا وأوروبا، وتبلغ سعته 15.75 مليار متر مكعب، ومن المتوقع أن يتم الانتهاء عام 2019، من خط الأنابيب الأول في المشروع.

روسيا وتركيا

ورغم أن تقريرًا صادرًا عن الشركة الاستثمارية التركية «Ata Yartirim»، يؤكد على أن «العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية بين تركيا وروسيا ستتحسن في الفترة المقبلة وسيتم تسوية الصعوبات الحالية»، إلا أن هناك مؤشرات غير واضحة حول مدى هذا التحسن وانعكاسه على العلاقات الاقتصادية والشراكة الاستراتيجية بين البلدين، فرغم أن الحكومة الروسية رفعت الحظر عن الرحلات السياحية إلى تركيا، إلا أن الظروف الأمنية التي تشهدها تركيا تحول دون عودة السياح الروس، فقد توقع عودة المنتجعات التركية بكامل طاقتها لاستقبال السياحة الروسية في عام 2018 بدلًا من عام 2017، كما تخاف روسيا من احتمال جدي لاستيراد تركيا للغاز الإسرائيلي، و مد خط أنابيب لتصديره إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، وقد لا يبعد عن ذلك أسباب سياسية، كالتخوف التركي من تزايد النفوذ الروسي في منطقة البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط على حساب النفوذ التركي.