وسط عالم عربي تحولت فيه الأحزاب السياسية لأبواق لأنظمة الحُكم العربية، ومورس بحق كُل مطالب فيه بالتغيير استبداد وقوة مُفرطة عقابًا له على سلوكه السياسي؛ يحضر العمال دومًا، باعتبارهم آخر أسوار المقاومة لهذه الديكتاتوريات القابعة في كراسيها منذ عقود؛ لا تعبأ بقضايا العدالة الاجتماعية والحياة الكريمة والحريات السياسية.

تنوعت أشكال هذه المقاومة بين تشكيل تجمعات احتجاجية واسعة من جانبهم ضد حكوماتهم المستبدة، أو الدخول في نزاعات مع السلطة بغية تحسين أوضاعهم الاجتماعية وظروفهم المعيشية، أو حتى الاستمرار في الحفاظ على المسافة بينهم وبين السلطة بعيدًا عن التماهي المُطلق مع السلطة.

«تجمع المهنيين» في السودان.. الثورة مستمرة

في سبتمبر (أيلول) عام 2013، وقعت سلسلة احتجاجات عمت شوارع السودان، تُطالب بتحسين الحياة اليومية ورفع أجور موظفي الحكومة والقطاع الخاص؛ والتي قوبلت بسيطرة حكومية عليها، وحصار لأغلب هذه الاحتجاجات التي خرجت في مناطق مُتفرقة دون رابط تنظيمي جامع بينها سواء في الحركة أو المطالب؛ ليهتدي عدد من العاملين في قطاعات مُختلفة، وقادة هذه الاحتجاجات، بعد سلسلة مداولات سرية بعيدًا عن أعين الأمن، إلى تشكيل تجمع تنظيمي؛ يكون أشبه بالهيئة الجامعة الوطنية لأي تحرك احتجاجي مستقبلي للنظام الحاكم؛ وتضُم طليعته عددًا من المهنيين والعاملين في قطاعات عديدة من مهندسين وأطباء وأساتذة جامعات.

لاحقا وبمرور الوقت؛ بدأ التجمع في أخذ أدوار مؤثرة في إعادة ترتيب صفوف الثوار، عبر سلسلة اجتماعات ضمت أغلب الأعضاء؛ آملة من وراء هذه التحركات في استمرار الضغط على النظام الحاكم، عبر إيجاد أداة لتنفيذ العصيان المدني والإضراب باعتباره وسيلة سلمية للتغيير السياسي، مُتزامنًا ذلك مع تقديم بدائل سياسية ترد على مزاعم الرئيس السوداني عُمر البشير التي يروج لها دومًا، وأن حال البلاد سيؤول إلى الفشل والحرب الأهلية حال تنحيه عن السُلطة.

نال التجمع ثقة قطاعات واسعة من شرائح متباينة في المجتمع السوداني؛ ليكون أفضل بديل لهم عن الأحزاب السياسية والنقابات المهنية، التي تخضع لتأميم حكومي وتلتزم اتباع خط حكومي رسمي، مؤيد لكل سياساتها، وداعم لجميع قرارات البشير. وقد كانت السمة الغالبة على أعضاء هذا التجمع هو انحدارهم من طبقة العمال باختلاف مستوياتهم الوظيفية، فتجده يضم بين كوادره مهنًا مُتفرقة من المحامين، الصحفيين، الأطباء، المعلمين، وأساتذة جامعات، بشكل يبتعد تمامًا عن الأحزاب السياسية، والقوى السياسية المُعارضة.

فقبل أسابيع معدودة، سادت حالة من الغضب بين قطاعات غير مُسيسة في الشعب السوداني؛ احتجاجًا على سياسات بلاده، ليجدها تجمع المهنيين اختبارًا حقيقيًا وجادًا لإظهار حجم قدراته التظيمية، ووسيلة مهمة في تفعيل آلياته؛ متجاوزًا أخطاءه السابقة، من أجل حشد أكبر عدد ممكن من فئات مختلفة تحتج في الشوارع والمُدن؛ لينجح التجمع في مهمته، ويُحقق أكبر قدر من المكاسب والتي كان على رأسها تسويق نفسه داخليًا وخارجيًا، كبديل سياسي مُحتمل، يحمل رؤى لها خصوصية تتمايز عن بقية الأحزاب المُعارضة.

«جاكوبين»: ألف باء اشتراكيّة.. لماذا لا نزال نتحدَّث عن «الطبقة العاملة»؟

وبعدما نجح تجمع المهنيين في كسب ثقة قطاعات كبيرة في الشعب السوداني؛ أخذ موقع القيادة في تنظيم حشودهم، عبر صدور بيانات بشكل مستمر خلال الأسابيع الماضية، حدد فيها مكان وزمان التجمع والبدائل المُتاحة للإفلات من القبضة الأمنية، لتخرج تظاهرات حاشدة، تُعد من أكبر الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد، طوال فترة حكم الرئيس عمر البشير.

نجاح التجمع في أن يكون له حضور فاعل ومؤثر في الاحتجاجات الأخيرة؛ حفز السلطات السودانية لتتبع أعضائه وتحركاتهم، رغم سرية نشاطه وتحركاته، وكذلك إخفاء معلومات منتسبيه خشية تعرضهم للاعتقال، سوى أشخاص معدودين مثل الطبيب الشاب محمد ناجي الأصم، أحد الناطقين الرسميين باسم التجمع، والدكتور محمد يوسف أحمد المصطفى الأستاذ الجامعي في الخرطوم؛ وكلاهما اعتقلته السلطات السودانية.

عبر صفحة رسمية على «الفيسبوك»، يعلوها شعار رئيسي «غمرناك ياوطن التضحيات، بجيل من قبيل الأمنيات لغدٍ حر أبي»، نجح التجمع في تحفيز جموع الشعب السوداني بالمُشاركة من خلال إذاعة مقاطع فيديو لتضحيات العشرات، وجمعهم بشكل مُنظم في نقاط تجمع تراعي عاملي البعد الجغرافي والأمني، عبر نشر خرائط لأماكن تجمعهم، ومواقع التظاهرات سواء في الداخل أو الخارج.

وحرصًا منه على امتداد تأثيره في الخارج؛ عين التجمع عضوين من أعضائه ناطقين رسميين عنه مع الحكومات الغربية ووسائل الإعلام الأجنبية، وهم الصحفي محمد الأسباط في فرنسا والدكتورة سارة عبد الجليل في بريطانيا، والتي انتخبتها الجمعية العمومية لنقابة أطباء السودان في إنجلترا، نقيبة جديدة لها.

وفي مستهل عام 2019 بالخرطوم، بعدما خرج الآلاف في المدن السودانية للتظاهر ضد نظام البشير، وسط تفاعلات دولية مع مطالبهم، بلور التجمع أهدافه، عبر استصدار وثيقة موقعة من جانب أعضائه والتنظيمات المهنية المُستقلة مثل تحالف المحامين الديمقراطيين، وشبكة الصحفيين السودانيين، ولجنة الأطباء المركزية، ولجنة المعلمين السودانيين، إلى جانب عدد من القوى السياسية التي انضمت للتجمع، والتي طالبت جميعًا بثلاثة مطالب رئيسية هي التنحي الفوري للبشير دون شروط، تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية لأربع سنوات، وكذلك وقف الانتهاكات وإلغاء القوانين المقيدة للحريات.

«اتحاد الشغل التونسي».. نضال الشهيد المؤسس ذاكرة حية

بعد مرور أربعة أيام على بداية الاحتجاجات، التي مهدت لثورة الياسمين في تونس والإطاحة بزين العابدين بن علي؛ خرج «الاتحاد العام للشغل» في تونس، مُعلنًا عن نفسه كيانا يتمتع بالاستقلال، داعيًا إلى إضراب عام احتجاجًا على أعمال العنف من جانب قوات الأمن، لتُشكل دعوته المسمار الأخير في نعش النظام التونسي، بعدما حققت تجاوبًا واسعًا من مئات الآلاف، خصوصًا من أعضائه، والذين يُقدر عددهم بنحو 700 ألف منتسب، ويمثلون نحو 6% من عدد السكان و13% من جملة من يحق لهم التصويت في الانتخابات.

تأسس «الاتحاد العام للشغل» التونسي مطلع عام 1946 على يد المناضل النقابي فرحات حشاد، في رد فعل مُقاوم على تدخلات الاحتلال الفرنسي؛ بعدما أفشل تجربتين سابقتين في إنشاء تنظيم نقابي تونسي؛ ليُشكل السياق السياسي منذ بداية تأسيسه، عاملًا أساسيًا في حضوره الدائم، مُشتبكًا مع قضايا المُهمشين، ومُتقدمًا الطليعة الثورية في الدفاع عن العدالة الاجتماعية.

تجرّع مؤسسه حشاد، ثمن مُبادرته في تأسيس الاتحاد، باغتياله على يد منظمة «اليد الحمراء» الفرنسية عام 1952؛ مما جعل الاتحاد يحجز دومًا دورًا نضاليًا في المعارك السياسية؛ وتظل قصة مؤسسه حاضرة عند الجميع، يتوارثون حكايتها جيلًا بعد جيل؛ آملين في أن تستمر قيم ورمزية مؤسسه التي لخصها في شعاره: «عاش عاش الاتحاد.. أقوى قوة في البلد»، مستمرة باختلاف الحُكام.

هل ستقلب النقابة الأقوى في تونس موازين اللعبة السياسية؟

مستفيدًا من عشرات المكاتب المحلية والجهوية التي تنتشر في مُدن تونس؛ وسرعة التواصل بين أعضائه، وخلفيته التاريخية النضالية، وثقة عموم التونسيين فيه بعد دوره المؤثر في ثورة الياسمين؛ بدأ الاتحاد ينخرط أكثر فأكثر في الشأن السياسي، بمرور الوقت، حتى بات رقمًا صعبًا في المعادلة التونسية، لا يغيب أبدًا عن حسابات الأحزاب السياسية والسلطة، حاضر في الأحداث الكبرى وخصم سياسي في العديد من الأحداث.

أحد هذه الوقائع هو تصعيده العام الماضي تجاه رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد، المدعوم من حركة النهضة التونسية، تنديدًا بسياساته النيوليبرالية القائمة على التوسع في الاقتراض الخارجي، وتحديدًا بعد اقتراض تونس 2.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، إذ تمثلت آخر محطات هذا التصعيد؛ إعلانه الإضراب الشامل لدفع الحكومة نحو زيادة الأجور وتنفيذًا للإصلاحات الاقتصادية، دون اعتبار لمناشدات الرئيس بالكف عن الإضراب العام.

بلورت المواقف السابقة للاتحاد، وبالأخص دوره التاريخي في الحوار الوطني بين الفرقاء السياسيين عام 2013، حضورًا مؤثرًا في الشأن العام السياسي والاجتماعي، والتي أفضت إلى تسريع إصدار دستور جديد وتشكيل حكومة تكنوقراط، وهي الوقائع التي جعلت صيته متجاوزًا للشأن المحلي؛ وأهله لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2015 بالتشارك مع منظمات نقابية أخرى، والتي وصف البيان الصادر عنها، الاتحاد، بأنه: «أطلق عملية بديلة وسلمية في وقت كانت فيه البلاد على شفير حرب أهلية». يرتكز النفوذ الكبير لـ«الاتحاد العام للشغل» على مساحة التأثير الواسعة لأعداد العمال المنتسبين له؛ والتي تُقدر بنحو 700 ألف عامل، وهم يُشكلون عامل قوة كبير خصوصًا مع بلوغ تكلفة إضراب يوم واحد نحو 400 مليون دولار، فضلًا عن انتشار مكاتبه بمدن تونس، والالتزام بترك مسافة دومًا في المواقف والرؤى بينه وبين السلطة ورفض المُشاركة في أي حكومة؛ ليظل له القدرة دومًا على حماية مكتسباته النضالية، والقدرة على النقد في أي ظرف سياسي جديد تعيشه البلاد.

كان آخر مواقف الصدام بين الاتحاد والحكومة في الشهر الماضي؛ بعدما أعلن إضرابًا عامًا على مستوى البلاد، احتجاجًا على رفض الحكومة رفع رواتب 670 ألف موظف حكومي، وسط انتقادات واسعة تجاه سياسة الحكومة.

عمال المغرب.. الطليعة الثورية في احتجاجات الشارع!

استثناء من بين أغلب اتحادات العمال في الوطن العربي؛ يقف دومًا «الاتحاد المغربي للشغل» منتقدًا لسياسات الحكومة، والدخول معها في مواجهات مستمرة تصعيدية، تستهدف تحسين أوضاع العمال، ورفع أجورهم، ورفض الاستكانة للأوضاع الحالية، كحال موقفه الأخير في احتفالية عيد العمال الماضي، حين هاجم الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، الميلودي موخاريق، حكومة سعد الدين العثماني، متهما إياها بكونها تجهز على مكتسبات الشغيلة، وسط حضور عشرات المسؤولين الحكوميين.

وفي إشارة ضمنية على نفوذ الاتحاد الواسع، وقدرته على استثمار غضب آلاف من أعضائه حال استمرار رئيس الحكومة في تجاهل مطالبهم، أشار موخاريق للحشود الحاضرة من مختلف الأقاليم، في كلمته، قائلًا: «أن هذه الحشود تستنكر السياسات العمومية تجاه الطبقة العاملة».

وأمام التصعيد المُستمر، والضغط الدائم من جانب اتحاد العمل المغربي، واختياره بعدم التماهي الكامل مع السلطة الحاكمة؛ تحضر دومًا المكاسب لحشوده الواسعة التي يستمد منها قوته؛ وهو ما ظهر في أكثر من قرار حكومي، أبرزها: تطبيق قانون يقضي بتوفير التغطية الصحية والتقاعد لصالح نحو 11 مليون شخص من فئات مهنية عدة، وهو مطلب طال انتظاره أكثر من 17 عامًا، والاتجاه نحو إصلاح نظام المعاشات لفئات المهنيين والعمال المستقلين.

وتحول الاحتجاج لفعل يومي عند آلاف العمال المغاربة، كآلية ديمقراطية تجاه السياسات الحكومية أو القطاع الخاص، التي تجور على حقوق العُمال؛ لتنتصر في النهاية دومًا شعاراتهم المرفوعة فوق الرؤؤس مثل «بالنضال والصمود.. المساواة ستعود»، «المطالب قائمة.. والحكومة نائمة».

وكشفت دراسة وطنية حول التشغيل، عن أن حوالي مليوني أجير من أصل 10.6 ملايين بالمغرب يطمحون إلى تغيير العمل الذي يمارسونه، بينما وينشط في المغرب حوالي 30 اتحادًا عماليًا، غير أن أربعة اتحادات تعد الأكثر تمثيلًا، تشارك في الحوار الاجتماعي.

الأجور في المغرب.. قصة صراع الحكومة والنقابات التي لا تنتهي

تفاعل العُمال في المغرب لا يقف عند مطالبهم الفئوية فقط، بل يمتد حضورهم ونشاطهم الاحتجاجي تجاه قضايا عامة مثل الحريات والعدالة الاجتماعية، التي يُشكلون فيها الطليعة الأولى تجاه أي قرارات حكومية تنتقص من هذه القضايا الرئيسية؛ لينالوا لقب الطليعة الثورية في كُل احتجاجات الشارع.

المصادر

تحميل المزيد