على خلاف الجميع برع نائب رئيس المجلس السيادي، وقائد «قوات الدعم السريع»، الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» برسم طريقه إلى البقاء في السُلطة لأطول فترة ممكنة. فالنفوذ المُتصاعد لتاجر الإبل لم يهتز طيلة عقدين من الزمان، بالرغم من أنه نسج قصة صعودة بعيدًا عن الجماعة الإسلامية والجيش وأضواء العاصمة. وحميدتي الذي يُشار إليه حاليًا بأهم شخصٍ في السودان نجح خلال الثورة السودانية في القفز على رهانات الجميع حين تمكن من قراءة مشهد النهاية مُبكرًا، فأعلن انحيازه الكامل للثوار مُضحيًا بمنصب «الرجل الثاني» الذي استعاده مُجددًا.

ومؤخرًا دعا حميدتي – 45 عامًا – إلى توقيع ميثاق شرف بين المدنيين والعسكريين لحماية الثورة، ومنع حدوث انقلاب عسكري، وهو ما رد عليه رئيس مجلس السيادة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالإعلان عن مشروع لإعادة هيكلة الجيش و«قوات الدعم السريع» التي تدين بالولاء المُطلق لقائدها الذي لا يُستهان به.

التقرير التالي يرسم لك فصولًا متتابعة من قصة خلاف غير مُعلن للصراع القديم بين الجيش وحميدتي الذي ضاعف نفوذ قواته في الآونة الأخيرة، ويسرد بعض أسباب تفوق حميدتي.

1. ما هو وضع «قوات الدعم السريع» في الوثيقة الدستورية؟

تعد «قوات الدعم السريع» امتدادًا لميليشيات الجنجويد التي أسسها حميدتي على أساسٍ قبلي وشخصيٍ، باعتباره العامل الأساسي للالتحاق بتلك القوات التي قاتلت نيابة عن الحكومة السودانية خلال الحرب في دارفور عام 2003، ومنحها البشير زيًا عسكريًا تابعًا للقوات المُسلحة، وأطلق عليهم لقب «حرس الحدود»، ووافق على تدريب ألف رجلٍ منهم على يد ضباطٍ من الاستخبارات والأمن، وهي المظلة الشرعية التي قاتلت هذه القوات لسنواتٍ تحت لوائها.

في عام 2013 استجاب البشير لحميدتي، ووّحد ميليشيات الجنجويد، وأطلق عليها رسميًا لقب «قوات الدعم السريع»، لتصبح قوةً نظامية تابعة اسمًا للقوات المُسلحة، وهو ما أثار حفيظة كبار قادة الجيش الذين رفضوا انضمام تاجر الإبل إليهم، على اعتبار أنه دخيلٌ على المؤسسة العسكرية، مّما اضطر البشير لإلحاقها بجهاز الأمن.

صعود حميدتي اللافت وقُربه من دوائر النفوذ كان سببًا في العداء الذي لاحقه من الجيش بعدما منحه البشير ترقية استثنائية رفعته إلى رتبة لواء، ثم فريق، حتى أنّ الوشايات لم تفلح في الإطاحة به أو إضعاف قواته التي مثّلت الضمان الحقيقي لحماية مشروع البشير الإسلامي من انقلاب المؤسسة العسكرية، وفي عام 2017، مرر البرلمان السوداني بالإجماع مشروع قانون ألحق تلك القوات بالجيش، لكنّ حميدتي أصرّ أن تكون كيانًا عسكريًا مُستقلًا بذاته تحت إمرة رئيس الجمهورية بعيدًا عن سُلطات وزير الدفاع أو رئيس جهاز الأمن.

عقب الإطاحة بالبشير، وجد حميدتي أعداءه الذين حاربوه طيلة 15 عامًا، وحاولوا نزع زيه العسكري، يطالبونه بالانضمام للمجلس الانتقالي في محاولة لإضفاء شرعية على مثلث الحرس القديم المتمثل في (وزير الدفاع ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف، ومدير المخابرات صلاح قوش)، لكنّ حميدتي أعلن رفضه ليتسبب بعدها فيما يمكن وصفه بالسقوط الثاني للنظام.

توّصل قائد المجلس إلى اتفاق تاريخي مع قائد «قوات الدعم السريع»، الذي حصل على ترقية استثنائية وصار نائب رئيس المجلس العسكري، وأصبح حميدتي الرجل الثاني بعد الفريق عبد الفتاح البرهان الذي تجمعهما صداقة مشتركة منذ عام 2003، حين عمل الثاني عقيدًا في الاستخبارات، وتولى مسؤولية تنسيق هجمات الجيش مع مليشيات الجنجويد التي رأسها حميدتي غرب دارفور.

استعادة حميدتي «منصب الرجل الثاني»، وأقوى شخص في السودان يبرز فعليًا في مخرجات الوثيقة الدستورية الموقعة في أغسطس (آب) العام الماضي، والتي حددت هياكل الحكم خلال الفترة الانتقالية الممتدة لأكثر من ثلاث سنوات، فبينما وضعت الوثيقة جهاز المخابرات تحت إشراف مجلس السيادة ومجلس الوزراء، أصبحت «قوات الدعم السريع» تابعة للقائد العام للقوات المسلحة في الفترة الانتقالية.

يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «الوثيقة الدستورية تجاهلت فعليا «قوات الدعم السريع»، والمفارقة أنّ منصب القائد العام للقوات المُسلحة غير موجود منذ سنوات، وهو ما يعني أنّ حميدتي سيظل في منصبه حتى انتخاب رئيس للبلاد».

يضيف أسامة الذي درس القانون في جامعة النيلين السودانية: «تحليلي كقانوني للصورة هو أنّ منصب حميدتي أصبح مُحصنًا غير قابلٍ للعزل على الأقل خلال الفترة الانتقالية؛ لأنّ الوثيقة الدستورية لم تمنح مجلس السيادة، أو مجلس الوزراء صلاحية إعادة هيكلة تلك القوات أو نزع سلاحها، كما لا يمكن بأية حال من الأحوال التعرض لها، سواء بحلّها، ونزع سلاحها، أو دمجها داخل الجيش الذي يواجه بالمقابل حملات إقالة واسعة داخل صفوفه».

2. بالولاء والاستقلال المالي.. «قوات الدعم السريع» تتفوق على الجيش

عقب سقوط نظام البشير، شهد السودان خمس محاولات انقلاب استهدفت الإطاحة بالقادة الحاليين في مؤشرٍ أظهر تباين الولاءات داخل المؤسسة العسكرية، كانت آخرها بقيادة رئيس الأركان السابق الفريق هاشم عبد المطلب، مع بعض قادة أفرع الجيش، وهو ما خلق أزمة لم تحلها حملات الإقالات الواسعة التي يشهدها الجيش كل فترة تحت مسمى تصفيته من الإسلاميين.

ومع انكشاف كُل محاولة انقلابية، وفي وقتٍ نشرت فيه صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا حول الانقسامات الداخلية التي يشهدها المجلس العسكري والجيش؛ يظهر قائد «قوات الدعم السريع»، متظاهرًا بتماسك قواته، ونجاحها في إبطال أي محاولة لوأد الديمقراطية والقضاء على الثورة السودانية، الأمر الذي مكّنه من تصدر المشهد السياسي، وتصفية أعدائه داخل المؤسسة العسكرية المعادية له.

على رأس خصوم حميدتي، الذين نجح في الإطاحة بهم هو الفريق نصر الدين قائد سلاح المدرعات، الذي عُزل من منصبه، وسُجن في ضوء اشتراكه في محاولة الانقلاب الأخيرة مع ضباط الجيش والمخابرات، مقابل تعيين قادة جدد مقربين من حمديتي على رأسهم، اللواء أحمد شكرت الله الذي يرأس حاليًا سلاح المدرعات بدلًا عن غريمه السابق.

وعلى خلاف الجيش الذي يجمع بداخله أيدلوجيات متعددة ساهمت في صناعة الانقلابات؛ تبرز «قوات الدعم السريع» على أساسٍ قبلي يحمل طابع الولاء المُطلق لقائدها بعيدًا عن أية عصبيات أخرى قومية أو محلية؛ ما يعني بتلك النزعة القبلية قدرة حميدتي في المحافظة على تماسك القيادة مما سهل حركتها وحصنها من دعوات الإنشقاق، بالإضافة إلى امتلاك قواته أحدث الأسلحة العسكرية التي يتفوق بها حصرًا.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
الفريق أول حميدتي.. «تاجر الإبل» الذي أضحى الرقم الأخطر في المعادلة السودانية

ويمكن القول إن «قوات الدعم السريع» باتت اليوم القوة الحاكمة الحقيقية في السودان بعدما أضاف حميدتي إلى نسيجها نوع جديد من المشاريع التجارية التي ساهمت في منحها استقلالًا ماليًا عن الحكومة عكس المؤسسة العسكرية، ففي الوقت الذي درست فيه الحكومة اقتطاع 80% من ميزانية الجيش لإصلاح الاقتصاد السوداني؛ كان حميدتي فعليًا قد استحوذ على أكبر حصة في اقتصاد السودان.

وقد طورت «قوات الدعم السريع» اقتصادها الذاتي بحيث أصبحت لا تعتمد على نظام الدولة البيروقراطي في صرف الأموال، فبعد سيطرة حميدتي على جبل عامر؛ المنطقة الأغنى بالذهب، صار الرجل أكبر تجار الذهب في السودان بما يمتلكه من مناجم وشركات تجارية فرضت مبيعاتها على الحكومة السودانية، وفي عام 2017 الذي احتكر فيه الصناعة، بلغت مبيعات الذهب 40% من صادرات السودان، إلى جانب تجارة التهريب التي تُتهم قواته بها.

ومن خلال الذهب ونشاط المرتزقة المعتمد رسميًا، أصبح حميدتي يتحكم بأكبر ميزانية سياسية للسودان، في ظل منع الحكومة من محاولة التنقيب عن الذهب في جبل عامر، وعلى جانبٍ آخر يمتلك حميدتي عبر شركة «الجنيد»، التي يديرها أقاربه، مجموعة ضخمة تغطي الاستثمار والتعدين والنقل وتأجير السيارات والحديد والصلب، دون مساءلة.

3. تضييق دائرة الأعداء.. ذكاء حميدتي في التعامل مع ملف الحركات المسلحة

على مدارِ عقدين حظي حميدتي بعداءٍ واسع تجاوز التاريخ والجغرافيا، وامتد مؤخرًا إلى العاصمة الخرطوم بكراهية جناحي السُلطة له – المخابرات والجيش – لكنّ مظلة العدواة الرئيسة بدأت من قبيلة المحاميد التي ينتمي إليها قائد «قوات الدعم السريع» الذي أثبت ولاءه للبشير من خلال القبض على ابن عمه موسى هلال زعيم القبيلة، والذي يحظى حاليًا بنفوذ واسع في دارفور، ويعتبر أهم أعداء حميدتي.

الجانب الآخر لدائرة الأعداء اتسعت خلال حرب دارفور التي خلفت وراءها نحو 300 ألف قتيل، وأكثر من 3 مليون مشرد، والتي استعان الجيش خلالها بقوات حميدتي التي انتهجت سياسة القتل الجماعي وحرق قرى المتمردين بهدف طرد العنصر الأفريقي من الإقليم لحساب ذوي الأصول العربية في دارفور، بحسب اتهامات دولية طالت عددا كبيرًا من نظام البشير عدا حميدتي غير المطلوب للمحكمة الدولية الجنائية عكس الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس السيادي.

العداء التاريخي كان سببًا مباشرًا لرفض أكبر حركتين مسلحتين (الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو، وحركة العدل والمساواة) قرار رئيس المجلس العسكري بتشكيل لجنة عليا يرأسها حميدتي للوصول إلى تفاهمات مع المتمردين في يونيو (حزيران) العام الماضي.

التحدي الكبير الذي خاضه حميدتي لتقليل دائرة أعدائه خارج الخرطوم، توّج بالنجاح في النهاية بتوقيع «اتفاق المبادئ» بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي، وصولًا إلى اتفاق أولي حول ترتيبات سياسية وأمنية، ما يمهد الطريق في نهاية المطاف لاتفاق مصالحة عبر محادثات مستمرة بين الجانبين.

ويمكن القول إن ذكاء حميدتي في التعاطي مع ملف الحركات المسلحة كان كلمة السر لنجاح المفاوضات المباشرة. ففي لحظة نادرة في السياسية السودانية، زار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك منطقة كاودا بجبال النوبة، معقل زعيم المعارضة المسلحة عبد العزيز الحلو، في خُطوة تباهى بها حمدوك، لكنها كانت فعليًا انتصارًا خفيًا لقائد «قوات الدعم السريع»، عرّاب التفاوض الفعلي.

تضييق دائرة الأعداء لم يقتصر على الحركات المُسلحة في السودان، فحمديتي صاحب الوجه المرفوض في شرق السودان استطاع مؤخرًا تجنيد عددًا من القبائل للانضمام إلى قواته في الوقت الذي يشهد فيه الجيش حملات إطاحات مستمرة، وتقليل عدد ضباطه العاملين، وهو ما يشير إليه مراقبون بأنه يأتي ضمن خطة سعودية إماراتية، بهدف المساهمة في إضعاف دور الجيش السوداني باعتباره مركزًا للإسلاميين.

4. الانفتاح على الخارج.. ملف حميدتي الأهم في السودان

انتبه قائد «قوات الدعم السريع» منذ اليوم الأول داخل المجلس السيادي لأهمية فتح علاقات مع الخارج لكسر صورته النمطية التي اشتهر بها كقائد لقوات المرتزقة المسئولة عن جرائم حرب. لذا شرع منذ اللحظة الأولى التي سيطرت قواته فيها على العاصمة الخرطوم، في الاستحواذ على منصب مسئول اللقاءات الخارجية، وتمثل اللقاء الأهم له في استقباله القائم بأعمال السفارة الأميركية في الخرطوم، ليرسم لنفسه دورًا جديدًا بعيدًا باعتباره ركيزة الديمقراطية في السودان، وأن سمعته السيئة سببها المعارضة الكارهة له، كما يقول لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.

وخارج السودان كانت مصر آخر هي الحلقات التي كسرها الرجل ضد المُعارضين لوجوده في المشهد السياسي، باعتبار أنّ القاهرة كانت من ضمن الرافضين لتصدره المشهد السياسي باعتباره دخيلًا على المؤسسة العسكرية التي ما تزال ترى في نفوذه المتصاعد خطرًا عليها.

وبحسب ما نشرته «الأخبار» اللبنانية، فإن القاهرة رفضت استبدال «قوات الدعم السريع» بالجيش ضمن خطة الرياض – أبوظبي لما تعتبره الدولتان أن الجيش ركيزة للإسلاميين، لأنّ الرئيس المصري ينظر إلى حميدتي باعتباره رجل ميليشيات، لكنّ تطورات المشهد السياسي في الخارج، وقرارات الداخل جاءت جميعها حتى الآن في صالح قائد قوات «الدعم السريع» الذي فرض نفسه على الجميع.

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: رجال الحرب في جنوب السودان.. هل يمكنهم قيادة بلدهم إلى السلام؟

نفوذ حميدتي المتصاعد خارج السودان سُرعان ما جعله طرفًا رئيسًا في الصراع الليبي، فقد اتهمته الأمم المتحدة بإرسال ألف جندي سوداني من «قوات الدعم السريع» إلى الشرق الليبي لدعم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليا.

وبحسب ما نشرته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، فإنّ حميدتي أيضًا تعاقد مع شركة علاقات عامة كندية «ديكنز أند ماديسون»، وبموجب العقد تتعهد الشركة بالحصول على أموال للمجلس الانتقالي السوداني مقابل مساعدات عسكرية لـ«الجيش الوطني الليبي» بقيادة خليفة حفتر، وهي صفقة جمعت مصلحة متبادلة للمؤسسة العسكرية وقائد «قوات الدعم السريع».

الدور الجديد الذي اضطلع به حميدتي مؤخرًا يتمثل في زياراته المتكررة إلى القاهرة التي وجدت في حليفها الجديد ضامنًا لتغيير الموقف الرسمي السوداني حول سد النهضة لحفظ المصالح المصرية في منع إثيوبيا من ملء السد قبل الحصول على ضماناتٍ بعدم الإضرار بحصة مصر، وفي الوقت الذي تحفظ فيه السودان على بيان القاهرة داخل جامعة الدول العربية، تعهد حميدتي عقب لقائه السيسي بأنّ المفاوضات ستتوصل إلى اتفاق دون ضرر.

وأخيرًا فالنفوذ المتصاعد الأخير لحميدتي، واضطلاعه بملفات هامة، وتقاربه مع القاهرة والحركات المسلحة في محاولة لتضييق دائرة أعدائه، واستحواذه على أكبر حصة في اقتصاد السودان، وحصوله على ضماناتٍ من الوثيقة الدستورية بالبقاء دون الإطاحة؛ تجعله فعليًا أقوى من الجيش الذي يحاول منذ سنوات إخضاع قواته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد