أعادت الثورة السودانية حقوق كثير من الفئات المُهمشة – في الحقوق السياسية أو الخدمية – خلال عهد الرئيس السابق عُمر البشير الذي حكم البلاد لنحو 30 عامًا، وعلى رأسهم سكان الجنوب، الذين دخل في مواجهة مُسلحة ضدهم، ومنعهم من التوظيف في مناصب عليا بالبلاد، إلى جانب الفقر الذي لازم حياتهم.

لهذه الأسباب تصدر الجنوبيون في السودان الخط الأمامي للتظاهرات المطالبة بإسقاط البشير، دون تنازل أو مساومة على هذا المطلب الرئيس، بعدما ارتبط التهميش والسجن وسلسلة العقوبات عليهم بشخصه؛ لتتحسن أحوالهم كثيرًا بعد الإطاحة به.

تبدت مظاهر التحسن في حياة الجنوبيين عند اختيار أعداد كبيرة منهم لمناصب وزارية وأجهزة حكومية، فضلًا عن الحركة السياسية لأبناء ولايات الجنوب، التي تمثلت في إعادة إطلاق المفاوضات مع حركة تحرير الشمال المُمثلة لمطالب الجنوبيين، وهو ما يحاول كاتب التقرير رصده وتتبعه.

ولايات الجنوب تحت وصاية البشير.. عقود من التهميش والدماء

اتبع البشير سياسة ترتكز على أكثر من محور تجاه جنوب دولة السودان، عملت على تهميش وقمع أي حركات احتجاجية تُمثل مطالب سكان الولايات الجنوبية. ورغم استثمار الثروات المعدنية التي تُدر ملايين الدولارات، والتي يتركز وجودها في هذه المناطق لتعويضه عن النفط الذي فقد الجانب الأكبر منه بعد انفصال دولة جنوب السودان، لم ينل سكان ولايات الجنوب نصيبًا منها.

تمثل المحور الأول في هذه السياسة في استغلال الفقر الشديد الذي يخيم على سكان ولايات الجنوب في جذب آلاف الشباب منهم للانخراط في قوات عسكرية خارج قوات الجيش الرسمية، والمعروفة إعلاميًا بـ«الجنجويد»، بأجور مالية، واستخدام هذه العناصر في مواجهة الحركات المُسلحة بدارفور، وأي مجموعات تطالب بحقوقها، أو استئجارها لصالح دول بالخارج مقابل ملايين الدولارات، والترويج لخطاب أن هذه الميلشيات تشكلت لمواجهة سكان دارفور ذوي الأصول الأفريقية، الساعين إلى إبادة الرعاة ذوي الأصول العربية.

عربي

منذ 6 شهور
صراعات القبائل تشتعل.. ما الذي يحدث في السودان؟

تمثل المحور الثاني في استغلال الثروات الطبيعية، مثل الذهب والكروم، الموجودة في جنوب دولة السودان، وشكلت تعويضًا للنفط الذي فقدته حكومة البشير عقب انفصال دولة جنوب السودان، والتي تحصل على 75% من إنتاج النفط.

وتحتضن جبال النوبة الواقعة في جنوب كردفان، ومنطقة حفرة النحاس التي تقع في ولاية جنوب غرب السودان على الخامات المعدنية الهامة، والتي ساهمت في أن تجعل السودان في المرتبة الثانية بين منتجي الذهب في أفريقيا، بصادرات تتجاوز مليار ونصف الدولار سنويًا.

يقول سعيد مدى، الصحافي السوداني بجريدة «الانتباهة» السودانية، في تصريحات خاصة «لساسة بوست» إن تلك المناطق منتجة زراعيًا وغنية بالموارد من الذهب والكروم وتوليد الكهرباء، ولكنها لم تجد نصيبها من تلك الموارد نظرًا لتغول مركز السلطة في الخرطوم على حقوقها، مؤكدًا أن التهميش الذي تعرضت له تلك المناطق كان تنمويًا وسياسيًا واقتصاديًا وفي المناصب القيادية في الدولة.

يضيف مدى: «في الواقع، عمق النظام البائد الأزمة في تلك المناطق، ولكن سياسة التهميش كانت موجودة قبل نظامه ومنذ الاستقلال، ولكن بصورة أقل حدة».

أما المحور الأخير من سياسة البشير نحو الجنوب، فكان استقطاب أعداد محدودة جدًا لشخصيات من ولايات الجنوب المنضوية تحت حزبه الحاكم، وترقيتهم سياسيًا، والتعامل معهم ممثلين حصريين لمطالب الولايات الجنوبية.

يقول مدى، الصحافي السوداني الذي تعود أصوله لولاية كردفان الجنوبية: إن السكان لم يكونوا ممثلين في السلطة، وبعض وزراء البشير على الرغم من تبعية بعضهم لتلك المناطق إلا أنهم أتوا للسلطة لأنهم كانوا من «الإخوان المسلمين»، أي منتمين لنفس حزب البشير، وليس المجموعات المهشمة.

كان أحمد هارون من بين أبرز النماذج لهؤلاء الجنوبيين المنضويين تحت حُكم البشير، وهو المولود في ولاية كردفان الجنوبية، الذي فوضه البشير مع بدء التظاهرات ضده لرئاسة الحزب، وهو منتم للحركة الإسلامية منذ سنوات دراسته الجامعية.

تقلد هارون مناصب سياسية بارزة أبرزها وزير دولة بوزارة الداخلية في عام 2003، وكان مسؤولا عن ملف دارفور، وأصبح في 2009 والي ولاية جنوب كردفان، قبل أن ينتهي به الحال زعيمًا لحزب الأمة، لكنه لم يستمر كثيرًا حتى دخل السجن بتهم سياسية وجنائية بعد سقوط البشير.

Embed from Getty Images
إحدى قرى الجنوب بعد إغارة الجنجويد عليها عام 2004.

لعب هارون مهامًا رئيسية في قمع الحركة الاحتجاجية التي نشأت في جنوب البلاد، ولهذا أدرجت المحكمة الجنائية الدولية اسمه ضمن قائمة المطلوبين للاعتقال، بعد ثبوت تورط قواته في عمليات اغتصاب وانتهاكات حقوقية بحق الآلاف.

بينما يوضح مدى، الذي تعود أصوله لولاية كردفان الجنوبية، أن أحمد هارون، الذي أصبح رئيسا للمؤتمر الوطني حتي سقوط النظام وقبلها كان واليًا لجنوب كردفان، كان الشخصية الجنوبية النموذجية التي يستثمر فيها البشير؛ فهو قادم من الحركة الإسلامية، ومدين بالولاء المُطلق، ومن جنوب البلاد، بما يسمح له بتوظيفه في أي عملية قمع لأي حركة احتجاجية في هذه الولايات، أو تعيينه على رأس لجنة للتحقيق في الانتهاكات الواقعة في الجنوب باعتباره أحد أبنائه، كما حصل في عام 2007.

يقول مدى إن الشخص الآخر الذي كان قادمًا من الجنوب، وكان أيضًا أحد دعائم نظام حُكم البشير هو فرح العقار من النيل الأزرق، ولكنه اختلف مع النظام قبل سقوطه بعدة سنوات.

بعد إسقاط البشير.. الجنوب يبحث عن الأمل الغائب

تصدرت ولايات الجنوب في دولة السودان الخطوط الأمامية في الاحتجاجات التي خرجت تطالب بإسقاط البشير العام الماضي، وسقط عشرات المحتجين برصاص قوات الأمن.

كانت عقود التهميش والإقصاء والعنف المُسلح تجاه الجنوبيين دافعًا رئيسًا لتحول ولايات مثل كردفان ودارفور للاحتشاد والتمسك بمطلب إسقاط البشير دون مساومة؛ لتنجح مع متظاهري الشمال في تحقيق مطلبهم، وتتشكل حكومة جديدة قطعت خطوات إيجابية نحو احتواء غضبهم والتوقف عن إهمالهم.

كان المؤشر الهام لهذه الخطوات الإيجابية هو استعادة سكان الجنوب بعضًا من حقوقهم السياسية عبر تمثيل عدد من الشخصيات التي تعود أصولها لولايات الجنوب في مجلسي السيادة والوزراء، بما شكل انتصارًا رمزيًّا لهذه المنطقة الجغرافية التي ظل سكانها خارج المناصب ودوائر السلطة خلال عهد البشير.

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك يلتقي عبد العزيز الحلو، زعيم أحد أجنحة «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، أثناء زيارة الأول لجنوب كردفان.

جاء على رأس هذه القائمة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي تعود أصوله لولاية كردفان، وضم مجلس السيادة، الذي سيحكم السودان خلال الفترة الانتقالية الممتدة لثلاث سنوات وثلاثة أشهر، أربعة أعضاء جنوبيون في تشكيل المجلس، وهُم: عائشة موسي السعيد، ومحمد الفكي سليمان، وصديق ﺗﺎﻭﺭ كافي، وينتمي الثلاثة لولاية كردفان، ورابعهم محمد حسن التعايشي، الذي ينتمي لمنطقة دارفور.

أيضًا، تفاعلت الحكومة مع قضايا ولايات الجنوب، وبالأخص الشأن الدرفوري، بشكل متباين تمامًا عما كان عليه الحال في عهد البشير، إذ كان العنف المُسلح هو خياره الوحيد ضد أي تمرد أو نزاع قائم بين القبائل.

كان الاختبار الأهم للحكومة الجديدة في التعرف على طريقة تعاملها مع قضايا الصراع في دارفور، في مايو (آيار) السابق، حين اندلعت أعمال عنف مسلح بين قبيلتي الفلاتة ذات الأصول الأفريقية والرزيقات ذات الأصول العربية، والتي أسفرت عن سقوط نحو 30 قتيلًا.

سريعًا، دفعت الحكومة بقوات نظامية وأفراد من الدعم السريع، الذي جرى ضمه لقوات الجيش، لاحتواء الموقف دون استخدام العنف تجاه أي طرف، وزار نائب رئيس مجلس السيادة، الفريق محمد حمدان دقلو، القبيلتين المتنازعتين، وعمل على تسوية النزاع القائم بإعادة الحقوق المسلوبة لأحد القبائل، ونجحت الحكومة الجديدة في إنهاء أول اختبار لها في النزاعات المُسلحة في الجنوب، التي نشأت في ضوء الفقر وغياب دور للسلطة.

كما غرد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على «تويتر» ناعيًا ضحايًا الحادث: «أترحّم على أرواح الضحايا الذين سقطوا جرّاء تلك الأحداث. أوجّه بإعمال القانون بصرامة، وبسط هيبة الدولة بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الأحداث».

من جانبه، يقول عبدالفتاح عرمان، الصحافي السوداني المُقيم في أمريكا، أن الثورة السودانية، لم تنصف سكان ولايات الجنوب فقط، وإنما هنالك آخرين مثل الأقباط وجدوا حظهم من المشاركة في أعلى قمة السلطة في مجلس السيادة. وسيكون هناك تمثيل للجنوب الجديد، أي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، في مجلسي السيادة والوزراء بعد توقيع اتفاق السلام المرتقب. ولكن الجنوب بمعناه الواسع، أي المناطق التي تتبع له وليس بها حرب، جرى تمثيله في أعلى قمة السلطة، فرئيس الوزراء تعود جذوره إلى كردفان، وكذلك عدد من الوزراء.

وأضاف عرمان في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن معظم الوزراء جاءوا من خارج منطقة الوسط والشمال النيلي بفضل ثورة ديسمبر المجيدة، ومن المتوقع أن يأتي القائدان مالك عقار، وعبد العزيز، عضوين في مجلس السيادة بعد توقيع اتفاق السلام المرتقب.

حركة تحرير الشمال.. دور جديد في الدفاع عن حقوق الجنوبيين

لعبت حركات سياسية مختلفة بجنوب دولة السودان أدوارًا مؤثرة في الدفاع عن سكانها ضد التهميش والعنف المُسلح، من جانب ميلشيات دفع بها البشير لمواجهة أي تمرد من هؤلاء السكان.

أبرز هذه المجموعات هي «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، وهي «أبرز تنظيم قاتل لنيل تلك المناطق حقوقها، وقادتها التاريخيين مثل يوسف كوة مكي، والأب فيليب عباس غنوش، هم رموز النضال التاريخي للدفاع عن التهميش الذي مارسه بحق الجنوبيين»، بحسب عرمان.

تنوعت مظاهر الدفاع عن حقوق الولايات الجنوبية من جانب قادة الحركة، سواء بحمل السلاح في الداخل ضد اعتداءات قوات البشير، أو بتدويل قضية دارفور، ونسج صلات نافذة مع قادة الحكومة الغربيين، والولايات المتحدة الأمريكية.

عربي

منذ سنة واحدة
«الحركة الشعبية لتحرير السودان».. «بعبع» يخيف قادة المجلس العسكري في الخرطوم

حاول البشير تقييد أدوار الحركة وقادتها عبر حظر أنشطتها رسميًا في كل البلاد، واستصدار حكم غيابي بالإعدام، من جانب محكمة سودانية شنقًا على مالك عقار وياسر عرمان، رئيس وأمين عام الحركة؛ غير أن هذه المحاولات لم تنجح في إفشال مهام الحركة، سواء داخليًا أو خارجيًا. وتخللت المواجهات السياسية والعسكرية بين قادة الحركة والبشير فترات من الهدنة السياسية حاول فيها الأخير احتوائهم بفتح قناة خلفية للحوار؛ غير أنه عادة ما كانت تنتهي بالفشل، ويعود الطرفان للمواجهة من جديد في الداخل والخارج.

بعد الإطاحة بالبشير، عاد قادة الحركة الممنوع دخولهم للسودان خلال ولاية الرئيس السابق، وشرعوا في تنسيق أوضاعهم، وفتح قوات اتصال مع حكومات عربية وغربية، إلى جانب احتواء الخلافات بين أجنحتها المتنازعة برعاية من المجلس العسكري، في مؤشر على قبول الأخير بدور مستقبلي لهم.

وبحسب تصريحات سابقة للصحافي السوداني عمار عوض الشريف لـ«ساسة بوست»، فالحركة من المتوقع أن يكون لها مستقبل كبير في مستقبل الحياة السياسية في السودان باعتبارها من ضمن القوى الجديدة الصاعدة في السودان وبالإضافة إلى ما تتمتع به من تأييد في مناطق الهامش في دارفور والنيل الأزرق، وهي مناطق ثقل سكاني أيضًا يمكن أن يكون لها قبول سياسي كبير في مناطق وسط وشمال وشرق السودان

المصادر

تحميل المزيد