القاهرة منفى اختياري.. هذا ما عاناه «أقباط السودان» في عهد البشير

عاش مسيحيو السودان، على مدار سنوات حُكم الرئيس السابق عُمر البشير، ويلات كثيرة ووقائع اضطهاد تنوعت بين فرض قيود على حقوقهم السياسية أو الدينية، أدت بدورها إلى تفضيل انتقال القطاع الأكبر منهم خارج البلد، ساعين للبحث عن وطن بديل يستقرون فيه، ويبدأون حياة جديدة.
كانت مصر على رأس هذه الدول التي انتقل إليها أغلبية مسيحيي السودان، منذ عقد من الزمان أو يزيد قليلًا، حيث تحولت لوطنٍ بديل يعيش فيه القطاع الأكبر منهم، وسط ترحيب من السلطات المصرية بهم، فيما لجأ إليها البعض الآخر باعتبارها محطة لجوء انتقالية، للسفر منها إلى أوروبا أو أمريكا كما فعل الكثيرون منهم.

وجوه «استثنائية» في الثورة السودانية.. لاعب كرة قدم وقبطي سبعيني و«ست الشاي»

«وقائع هجرة معلنة».. لهذه الأسباب فرّ مسيحيو السودان إلى مصر

يستعرض «ساسة بوست» في التقرير التالي بعضًا من قصص هؤلاء الأقباط الذين التقاهم محرر الموقع بمنازلهم في العاصمة المصرية، أو تواصل مع بعضهم غير الهاتف، في محاولة لاستعراض أنماط حياتهم الجديدة، وطرق التأقلم معها خصوصًا تجاه سياسة الحكومة والقطاع الأكبر من الشعب التي تتسم «بالتعالي» تجاههم، كما قالوا.

أثرياء السودان.. التنازل عن الممتلكات أو السجن!

قبل ستة أعوام، تعرض سمير بولس، وهو ناشط قبطي سوداني في الكنيسة الانجيلية السودانية، للاعتقال من جانب قوات الأمن التي اقتحمت منزله بحي العباسية في أم درمان، بعدما اتهمته السُلطات السودانية «بالتبشير والدعوة للمسيحية بين قطاعات متنوعة داخل المجتمع السوداني».

ظل بولس مُحتجزًا داخل إحدى مقار جهاز الأمن والاستخبارات لأسبوع كامل، من أجل التوقيع على تنازل على عدد من ممتلكاته التي تنوعت بين قطع أراضٍ في أفضل المناطق بالخرطوم، أو شركته المُتخصصة في الهندسة الإنشائية؛ ليضطر في النهاية تحت ضغوط مستمرة أبرزها التعرض لزوجته وأبنائه للتوقيع على عقود تنازل عن بعض ممتلكاته للنظام الحاكم.

أعداد من لاجئي السودان في الأمم المتحدة يرفعون علم بلادهم

بعدما أفرجت عنه السلطات، أخذ سمير قرارًا بالرحيل مع زوجته وأبنائه الثلاثة إلى القاهرة، لأسباب متعددة يوضحها لـ«ساسة بوست» قائلًا: «كان هناك تنسيقًا مستمرًا وقائمًا طول الوقت بين الكنيسة الإنجيلية في السودان ومصر، وزيارات بين قساوسة كلتا الكنيستين، ما جعلها مكانًا مفضلًا مصر للانتقال لها، إلى جانب سهولة الحصول على التأشيرة، والمعيشة بأسعار تبدو معقولة في القاهرة إذا ما قورنت بأي مدن عربية أو أوروبية».

يرتبط هذا التنسيق الكنسي بسلطات بابا الكنيسة المصرية الواسعة، التي تمنحه صلاحيات اختيارات بابا الكنيسة الأرثوذكسية في السودان، والإشراف على الأنشطة الكنسية هناك، وفقًا لسمير، الذي يضيف أن «هناك زيارات مستمرة لا تنقطع على مدار العام بين القيادات الكنسية في البلدين».

بحسب بولس، فإن كونه من بين المقتدرين ماليًا، هو ما شجع السلطات على استهدافه ضمن حملة واسعة بحق كُل الأثرياء المسيحين، من خلال نزع ملكية أراضيهم أو ممتلكاتهم الأخرى، استنادًا لقانون الأمن الوطني رقم 25 لسنة 2010، والذي يمنح الأجهزة الحكومية السلطات في حجز أو مُصادرة أي أراضي، تحت دعوى حماية الأمن القومي السوداني، دون أسباب تفصيلية لهذا القرار.

كان دافع الأجهزة الأمنية في استهداف نوعية «المقتدرين ماليًا أو النشطاء» نابعًا من اعتقادهم أنه «لو تحكمت السلطات في المال؛ هتتحكم في الكنيسة»، حسبما يوضح سمير.

غير أن هذا القانون، الذي تُطالب القوى الثورية بتغييره ضمن مجموعة قوانين تصفها «بالقمعية»؛ وتُدرجه ضمن مطالب «الثوار»،  يتناقض مع قانون الأراضي في السودان الذي يمنع التنازل من شخص لشخص أو هيئة لشخص، بدون مُقابل مالي عدا الأقارب من الدرجة الاولى، وهو ما منح سمير وغيره من الآلاف الفرصة للطعن على الأراضي المنتزعة منهم، ويأمل استعادتها بأحكام قضائية نافذة.

ويوضح سمير لـ«ساسة بوست» أن «السلطات خالفت القانون الأصلى؛ لذلك فالأراضي المنزوعة وفقًا لقانون الأراضي الأصلي، ليست مملوكة للسلطة».
ويغيب أي إحصاء رسمي لعدد المسيحيين السودانيين الذين انتقلوا خارج بلادهم أو عددهم داخل مصر، بينما تشير بعض التقديرات إلى أن عدد السودانيين عمومًا يتراوح ما بين مليوني سوداني إلى 5 مليون، يعيش أغلبهم في منطقة وسط القاهرة والإسكندرية ومحافظة أسوان الجنوبية. وتُرجح إحصائية لتعداد اللاجئين السودانيين المسجلين لدى «المفوضية السامية للاجئين» العام الماضي أن عددهم يبلغ 37 ألف لاجيء سوداني مسجل رسميًا في مصر.

«أقباط السودان»: لسنا مواطنين كاملي الأهلية.. فسنرحل

بُعد آخر يضيفه سمير لدوافع تفضيل أغلب مسيحي السودان للسفر لمصر، هو أن القطاع الأكبر من مسيحي السودان لهم جذور مصرية، وهم ما يُسمونهم «الأقباط»، يحمل أجداد هذا الجيل الحالي الجنسية المصرية، ولهم منازل مملوكة بأسمائهم في أرقى أحياء العاصمة المصرية، حيث اعتادوا زيارة مصر أوقات كبيرة في العام قبل الانتقال النهائي؛ لذلك فمصر بالنسبة لهم دولة عالمون ببواطن أمورها، وأنماط الحياة الثقافية الفكرية والاجتماعية لها، إلى جانب سهولة العودة منها إلى السودان.

من بين هؤلاء الذي يحكي عنهم سمير، يوسف أديب (48 عامًا)، وهو من مسيحي السودان ذوي الجذور المصرية، ممن يُشتهرون بـ«الأقباط» داخل السودان. عمل يوسف لسنوات محدودة في إنتاج أعمال تلفزيونية مُشتركة مع بعثة الأمم المتحدة داخل السودان حول قضايا توعوية، قبل أن يُساوره قلق من الاستمرار في البقاء بعدما تعرضت شركته المتخصصة في تقديم الخدمات الإعلامية للاقتحام من جانب الأجهزة الأمنية، ووصول رسائل على هاتفه تُحذره من البقاء داخل البلد.

ضاعف من قلق يوسف معرفته بأخبار ذاعت بين مجموعات الأقباط في أحد المجموعات المغلقة على تطبيق الاتصال الحديث «واتساب»، حول توصيات مسؤولين أمنين لعدد منهم بالرحيل، أو العيش دون أي نشاط سياسي أو ديني، هو ما يرفضه يوسف «المواطن كامل الأهلية».

أمام هذه التهديدات، أخذ يوسف قرارًا بمغادرة البلاد، في أسابيع معدودة، آتيًا لمصر التي فضلها وطنًا بديلًا لبلاده. ينتمي يوسف للكنيسة الأرثوذكسيه التي تتبع الكنيسة المصرية، والتي فضلت الصمت دومًا، حالها حال كافة الكنائس تجاه الأحداث السياسية الأخيرة في السودان، التي لم تنخرط في أي أعمال اجتماعية أو سياسية، وذلك على خلاف الكنيسة الإنجيلية التي شكل قادتها أدوارًا رئيسية في الثورة السودانية، وفقًا ليوسف.

أمر آخر شجع يوسف للعودة لمصر، ألا وهو جذور جده المصرية، وتمتع والدته بالجنسية المصرية. يستعيد يوسف بعضًا من وقائع حياته جديدة ويحكي لـ«ساسة بوست»: «الجد كان مالكًا لوحدتين سكنيتين في أرقى مناطق مصر الجديدة؛ عدنا للعيش فيها، وفتشنا في أوراقنا القديمة من أجل الحصول على أوراق جذور جدي المصرية، والتقديم بها للسلطات المصرية للحصول على الجنسية».

ويتناقض الواقع العملي لحياة السودانيون في مصر عن القوانين التي تحولت إلى حبر على الورق، في ظل تجاهل تفعيل اتفاقية الحريات الأربع بين السودان ومصر، والتي جرى توقيعها في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، والتي تتيح لمواطني البلدين العلاج والتملك والتنقل والتعليم، غير أن تنفيذها ظل مُعطلًا، كما روي كثير من السودانيين الموجودين في مصر.

ويوضح يوسف: «الاتفاقية ليس لها أي جدوى على كافة المستويات، وعندما عدت إلى مصر، فتشت عن أوراق جدتي القديمة، وعقود ملكية الشقة التي أعيش فيها، وقدمت طلبًا للحصول على الجنسية المصرية؛ وهو ما سيساعدني كثيرًا في الاستقرار بدرجة كبيرة».
غير أن القطاع الأكبر من مسيحيي السودان الوافدين لمصر ينتقلون لها ليس بغرض الاستقرار، بل محطة لجوء انتقالية، يسافرون منها للدول الأوروبية، كحال الآلاف الذين نجحوا في عمل ذلك طيلة السنوات الماضية.

مصر محطة قبل «إعادة التوطين»

سمر كارلوس، واحدة من هؤلاء اللاتي انتقلن لمصر، من خمسة أعوام، باعتبارها محطة لجوء، انتقلت منها بعد ذلك لهجرة دائمة إلى أستراليا، بعد عام واحد قضته في العاصمة المصرية داخل وحدة سكنية استأجرتها، بعدما اكتشفت صعوبة التمليك لأسباب قانونية، وتعليمات حكومية «غير مباشرة».

كان انتقال سمر لمصر أولًا بهدف تطبيق شروط هيئة الأمم المتحدة على حالتها، من حيث إثبات أنها «لا تقدر تعيش في السودان»، لذلك انتقلت لمصر لإثبات صحة ذلك عليها.

تُضيف سمر لـ«ساسة بوست»: «الأمم المتحدة تُحدد شرط يتمثل في تقديم أدلة بأنك لست قادرًا على البقاء في السودان؛ لذلك تكون أسهل طريقة لإثبات ذلك هو السفر لمصر؛ وبذلك تقول لهم إنني انتقلت للقاهرة لظروف عدم القدرة على الإقامة داخل السودان التي اضطرتني للانتقال إلى بلد جديد، وغريب عني، قبل أن تُساهم في تسهيل السفر بعد ذلك لدول خارج مصر»، فيما تصفه الأمم المتحدة بـ«إعادة التوطين».

كانت الأمم المتحدة تدفع لهؤلاء مبالغ مالية شهرية (إعانات مادية) لدعمهم، في سنواتهم الأولى، داخل البلد الجديد الذي انتقلوا لها، غير أن تلك الإعانة انقطعت منذ عامين لأسباب لها علاقة بنقص موارد الهيئة الدولية، وتقول سمر: «كان لذلك تأثير كبير على تفضيل مسيحيي السودان للسفر بطرق غير شرعية من مصر إلى أوروبا، بعد تراجع فاعلية دور الهيئة الدولية في إعادة توطين النسبة الأكبر منهم في أمريكا وأوروبا».

متى بدأت موجات نزوح مسيحيي السودان؟

يؤرخ المُفكر القانوني القبطي السوداني نبيل أديب لـ«ساسة بوست» موجات نزوح مسيحيي السودان خارج بلادهم وصلتها بالخط السياسي لأنظمة الحُكم، قائلًا: «بدأت أولى موجات نزوح مسيحي السودان عام 1983، مع إعلان النظام الحاكم آنذاك تطبيق الشريعة الإسلامية وفقًا لتعريفهم الضيق والمحدود لها والبرجماتية السياسية الساعية لاستخدام الشريعة من أجل استقرار الحكم، قبل أن تعاود موجات النزوح، من جديد، في عام 1990 حين أعدم نظام البشير طيار مسيحي هو جرجس القمص مينا بداعي تجارته في العملة».

وتعود وقائع هذه الحادثة، بعد ستة أشهر من انقلاب نظام «الإنقاذ الوطني»، في ديسمبر (كانون الأول) 1989، وصعود البشير للسلطة، حيث أعلنت السلطات السودانية آنذاك القبض على مساعد طيار يعمل في الخطوط الجوية السودانية، ويدعى جرجس يسطس، ووالده كان قسًا، بتهمة حيازة نقد أجنبي ومحاولة تهريبه إلى خارج البلاد، قبل أن تحكم عليه محكمة خاصة بالإعدام، بتهمة التآمر على تخريب الاقتصاد الوطني، وينفذ الحكم في فبراير (شباط) 1990.

بعد مرور عقد كامل على بداية الألفينات، وتحديدًا عام 2013، نشطت من جديد موجات النزوح مسيحيو السودان للخارج، بعدما وقعت هجمات حكومية على مقار شركات مملوكة لمسيحيين بالتزامن مع تحريض من جانب الإعلامي الحكومي للسودانيين بوصفهم «عملاء مدعومين من قوى خارجية، يهددون استقرار الوطن، وأملاكهم حازوها من الاستعمار»، وفقًا لأديب.
ويُرجح أديب تفضيل مسيحيو السودان للانتقال لمصر لأسباب لها علاقة بكونها قريبة جغرافيًا من مصر، وأقرب للثقافة، والحياة فيها «رخيصة» يستطيع السودانيون تدبير أمورهم فيها.

مترجم: هكذا قدمت النساء في السودان للمرأة في العالم ما لم تقدمه أمريكا!

يتفق الأشخاص الذين تحدث إليهم مُحرر «ساسة بوست» حول الصعوبات الكبيرة التي تواجههم في العيش داخل مصر، وعلى رأسها «السياسات التمييزية والعنصرية» تجاه السودانيين في تفاصيل الحياة اليومية، والنظرة «الفوقية» من المسؤولين والتي انتقلت للمصريين العاديين.

«المصري ما فاهم أن فيه ناس تانيين ممكن يعيشوا معاه» هكذا تتحدث سمر بلهجة سودانية محلية، حول الصعوبات التي واجهتها خلال عام قضته في مصر، قبل الهجرة بواسطة الأمم المتحدة. لكن سمر تستدرك: «صحيح هناك سياسات تمييز تجاهنا؛ لكن في الآخر لو فيه دولة نفع ولجأت ليها؛ تبقى أحسن خيار من السودان».

بينما يربط يوسف هذه السياسة «التمييزية» التي يلاحظها من تعاملاته هو وأبنائه اليومية، بالتوتر السياسي القائم بين البلدين، وفقًا له، وانطباعات المصريين الراسخة عن السودان. ويوضح: «المصريون ما زالوا معتقدين أن السودان كانت مُستعمرة مصرية، ويبنون تعاملاتهم مع السودانيين بناءً على هذه الخلفية التي تجعلهم يشعرون بتفوق في علاقتهم معنا كوننا في مرتبة أقل منهم».

أما العامل الثاني الذي يذكره يوسف فله صلة بالانطباعات التي عززتها وسائل الإعلام المصرية الحكومية حول السودان، خصوصًا بعدما ارتبطت تهمة اغتيال الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، برجال محسوبين على نظام البشير، وتعميم انطباع داخل أذهان المصريين أن السودانيين مسئولون أيضًا.

التاريخ يتبدل.. السودان كانت «منفى» الدولة المصرية الحديثة

على خلاف الصورة السابقة، التي تحولت فيها مصر لوطن بديل، أو منفى اختياري لمسيحيي السودان، كانت الأخير هي المنفي الذي استخدمه نظام حُكم محمد علي لتأديب المصريين الذين يخالفون تعليماته، ويخرجون عن طوعه، أو من يريد أن يُبعدهم عن دوائر القرار، على أساس أن السودان كانت تتبع سلطاته، وتخضع للإشراف إداريًا وسياسيًا من جانبه.

الملك فاروق في إحدى زياراته للسودان

ويقول الكاتب شادي لويس، في مقال منشور له على موقع «المدن»: إن «السودان كانت لوقت طويل منفى الدولة المصرية الحديثة. المنفى بمعناه القانوني والمعنوي أيضًا. فالقوانين المتعاقبة التي أصدرتها إدارة محمد علي لم تخل من جرائم ومخالفات عقوبتها الإبعاد، وكان أقساها هو النفي إلى السودان. وكان موظفو الدولة غير المَرضِي عنهم، والمعاقبين إداريًا، ومثيري المشاكل، يُنقلون إلى الصعيد، عقوبة ضمنية غير معلنة، وأسوأهم حظًا ينتهي بهم الأمر في عطبرة أو أم دورمان. لكن الأقباط وجدوا في السودان غير المرغوب فيه فرصة سانحة للانخراط في الهيكل الوظيفي للدولة، والصعود إلى قمته بشكل أيسر مما هو في مصر».
تلا تلك المرحلة موجة نزوح جديدة لمسيحيي مصر إلى السودان، بعدما اتبع الاحتلال البريطاني لمصر سياسة تمييز تمارس بحقهم إقصاء في أغلب الوظائف الهامة داخل الوزارات الحكومية، ليُفضل القطاع الأكبر منهم الانتقال إلى السودان، ويظلوا باقين داخلها، وحملوا صفة «الأقباط السودانيين»، كما أضافتهم إدارة الإحصاء السودانية، باعتبارهم قبيلة سودانية في مسوحها السكانية قبل سنوات.

«وجوه عادية أسقطت ديكتاتورًا».. تعرّف إلى أبرز «أيقونات» ثورة السودان