كانت قد مرّت ثلاثة أيام على فضّ اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، «قوات الدعم السريع» منتشرةٌ في أحياء العاصمة وصمت يخيّم على السودان. محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي» يخرج بكلمةٍ يذكرُ فيها سودانيي الخارج ويهددهم بالمحاسبة على «كل كلمة» مُنهيًا كلامه عنهم: «قاعدين يتشرشحوا»، الكلمة التي أبهجت سودانيي الخارج ليفخروا بأنهم «شراشيح». تحدثنا في «ساسة بوست» مع عشرات السودانيين في الخارج للتعرف أكثر على هذا الجزء من الشعب، وموقفه وشعوره مما يمرّ به السودان الآن.

60 يومًا في السُلطة.. هذه الأخطاء ارتكبها المجلس العسكري في السودان

خريطة توزع السودانيين في الخارج

سودانيّو الخارج يتوزعون على دول الخليج العربي ودولٍ في أوروبا وشمال أمريكا في كندا والولايات المتحدة، وحتّى أقصى العالم: أستراليا. بدايات هجرات السودانيين مطلعَ الستينات كانت لأهداف مهنية وتعليمية سعيًا لفرص أفضل، ومع مرور الوقت ازدادت أعداد المهاجرين من السودان هربًا من الأوضاع السياسية والعسكرية المضطربة والحروب.

بعضُ سودانيي كندا كانوا يعملون في دولٍ غنية نفطية آنذاك في الثمانينات؛ دول الخليج العربيّ وليبيا والعراق، وفضّلوا – لتأمين مستقبل أفضل لعوائلهم – أن يرسلوا عائلاتهم للدول الغربية ويتابعوا العمل في دول إقامتهم. ومع صعود «الجبهة الإسلامية القومية» للحكم وانطلاق حملات البشير لإقصاء المعارضين، حتى من أبناء حزبه، وصلت الهجرات السودانية للخارج لأعلى معدلاتها.

أما سودانيّو أمريكا فأكثريتهم وصلوها بعد عام 1991 من سودانيين خرجوا طوعًا، وبعضهم رُحّلوا من مناطق سكنهم الأصلية داخل السودان فولدوا، في السودان، بصفة «لاجئ» داخليّ، وقد وصلت هجرة هذه الفئة لذروتها عامَ 2000 بـ3833 مهاجرًا. وتعداد السودانيين من حملة الجنسية الأمريكية في المجمل وصلَ عام 2017 إلى 67 ألفًا ونصف.

أما أستراليا ففيها 33 ألف سودانيّ أستراليّ نصفهم ولدوا في السودان وهاجروا بينَ عامي 2001-2007، مع اشتعال أزمة دارفور. أما مهاجرو كندا فهجرتهم كانت في ثمانينات وسبعينات القرن الماضي وحتى نهايته، واليوم تعدادهم في كندا يصل إلى قرابة 20 ألف سودانيّ.

هجرة السودانيين إلى بريطانيا قديمةٌ جدًا، والمجتمع السودانيّ هناك من أقدم مجتمعات السودانيين في الخارج، وربما أكثرها ارتباطًا بالسودان فللأحزاب السياسية المعارضة تواجدٌ في بريطانيا. وقد أشار لهؤلاء تقرير لـ«منظمة الهجرة الدولية» عن سودانيي بريطانيا كمجتمعٍ شديد التسييس والانقسام والتبعثر.

أما سودانيو الخليج فيقترب عددهم من الثلاثة ملايين الجزء الأكبر منهم في المملكة العربية السعودية، ثم في دولة الإمارات، وأهميتهم بالنسبة للسودان في تحويلاتهم المالية التي تصلُ إلى 5 مليارات دولار في العام الواحد.

في محادثة مع أميمة، وهي شابةٌ سودانية تقيم في الخليج، قالت:  «السودانيون المغتربون الكان النظام السابق هو سبب كبير في اغترابهم هم الآن الصوت الوحيد للسودان»، هذه الملاحظة على قدر كبير من الأهمية: فجزءٌ ضخم من مهاجري السودان خرجوا منها نتيجةً إما للحروب أو لسوء وضع البلاد تحت حكم البشير ونظامه. وهذا يعطي مؤشرًا على ما قد يكون موقفهم تجاه النظام. وقد جدَ بحث أجري عام 2009 على عينةٍ من السودانيين في كندا أن «الأكثرية العظمى» منهم تؤمن بـ«ضرورة خلع» الرئيس البشير ونصفهم يرون أن خلعه أساسيّ لتحقيق السلام في السودان، و69% منهم يؤيدون بشدة فصل الدين عن السياسة في السودان.

«عندي فضول أنزل أشوف ايه الي بيحصل!»

في 28 يناير (كانون الثاني) عامَ 2011 قطعت السلطات المصرية الإنترنت عن عموم مصر. عبد الرحمن عبد الظاهر كانَ شابًا عاديًا لا يعبأ بالسياسة، ولم يعبأ بالاحتجاجات التي ملأت القاهرة ومصر في تلك الأيام، ولكن تساءل: «تقطعوا النت ليه؟ بقى عندي فضول أنزل أشوف إيه اللي بيحصل!»، وبالفعل شاركَ في الاحتجاجات حتى سقوط الرئيس المخلوع حسني مبارك. وهذه المرة كذلك أصابت الحماسة والفضول سودانيي الخارج الذين تحوّلوا لوقود إلكتروني للثورة.

أول ما تحدثنا مع أحمد، وهو مهندسُ يعيش في السعوديّة، بادرنا بقوله: «النوم فارق عيوننا. نتابع الأخبار خلال اليوم كله بترقب وقلق» وأسوأ من ذلك: «الخوف من انه فجأة يظهر خبر موت شخص قريب أو بعيد». بالفعل فقدَ أحمد صديقه «القريب جدًا»، وشهيد الثورة الأزرق: محمد مطر. وهو يستذكره قائلًا: «المرحوم كان بيحاول قدر الإمكان انه دائمًا نتحسن في حياتنا ونتطور».

مقطع قصير لمحمد مطر، قُتل في فضّ الاعتصام أمام القيادة العسكرية في الخرطوم. يقول في المقطع: «حرام علينا إذا دم الشهيد راح»

روان، طبيبةٌ تعيش في السعودية، لها شهيدٌ لم تعرف ما جرى له حتى الآن: «لا أعرف قصته». كما الحال مع آخرين كثر أخبروا «ساسة بوست» أنّ التواصل مع ذويهم داخل السودان صعبٌ جدًا و«حتى المكالمات الدولية لا تعمل دائمًا».

أما هناء، فهي فتاةٌ سودانية تعيش في عُمان لا تعرف شهيدًا أو مصابًا بشكل شخصيّ ولكنها تقول أن «القلب يألفهم جميعًا»، وعن التواصل مع أهلها تقول: :«حتى العيد لم نستطع أن نهنيهم كالعادة ونبارك لهم فيه». هناء تصف الإنترنت بأنه «سلاحٌ مزعج من وجهة نظر المجلس العسكري ومن دعمهم». وترسل للعالم طلبها: «ساعدونا في إرجاع النِت للسودان!».

ولآخرين طريقتهم الخاصة في التعبير: «أحمل علمي ولافتة وأقف في الشارع لوحدي. يسألني المارة عن قضيتي، وبعضهم لا يعرف ما هو السودان. ولهذا السبب أقف وأتحدث». هذا ما تفعله إيلي سودانيّة تعمل في القطاع الطبي في ألمانيا، وعن دور سودانيي الخارج تقول: «علينا الوقوف أمام السفارات وتوعية العالم بما يحدث» فما يحصل الآن في السودان هو أنّ «إخوتي يموتون!».

ولكن الأحداث وأثرها على فاطمة، وهي سودانية مقيمة في السعودية، تذهبُ أبعد من ذلك: «اذا بروح السودان ماذا سيحدث لي؟ كيف بعيش وأؤمن حالي؟» ذات التساؤل الذي طرق باب تسنيم وأمها، وكلتيهما في السعودية، عندما سمعوا بأنباء الاغتصابات: «لم نستطع النوم. كان يمكن أن أكون أنا أو أية واحدة من صديقاتي مكانهن».

الثورة تعيد اكتشاف سودانيي الخارج لذواتهم

شكّلت الثورة لهذا الجيل من الشباب في الخارج ولادةً جديدة. اكتشف السودانيّون مشاعر كامنة لم يلتفتوا لها من قبل. أحمد، مهندسٌ في السعودية يقول: « ثورتنا دي قدرت تورينا نحن قبل أي زول أنه نحن ناس بنخاف على البلد»، ومهند سودانيّ لم يفصح عن بلد إقامته، انتقل من كره السياسة والابتعاد عنها إلى الاهتمام بالثورة والسودان، ويقول عن نفسه: «لا أستطيع أن أقضي ولو ساعة دون متابعة أخبار الثورة وأخبار السودان».

تبدو تجربة الثورة في حديثهم أوسع من مجرد تجربة سياسية، إنها تجربة إنسانية. يسترجعها سودانيّ مقيمٌ في مصر شاركَ لفترة في الاعتصام قائلًا: «يشهد الله أني أول مرة أحب السودان لهذه الدرجة. كان أيام الاعتصام توادد وتحابي غريب جدًا بين الناس لدرجة أنه يدفعك للتساؤل هل قاموا بتبديل الشعب بناس آخرين».

لسودانيي الخارج مشاعر مختلفة، وأحيانًا مرتبكة، تجاه السودان. فهي أرضُ الأهل والأقارب التي يصعب علينا العودة لها: «تخيل أن بلدك لا توفر لك أساسيات العيش الكريمة؟ بديهي أن تبحث عن بلد آخر لتعيش حياة كريمة»، وفي ذات الوقت تنصبُّ الأشواق نحوها، تروي تسنيم عن مشهد وصول أمها للسودان: «سَجَدَت وقبَّلت الأرض. لا أنسى هذا الموقف أبدًا ولم أفهمه بالبداية، ولكن فهمته الآن».

كثيرون من سودانيي الخارج الشباب يستذكرون الصور الأولى للسودان في مخيلتهم، التي رسمها آباؤهم بحديثهم عن أرض الوطن الخصبة الخضراء: «والدي يحكي عن الفواكه في جبل مرة التي لم يطعم مثلها قط»، وبذكرياتهم عن سفرهم للسودان في الإجازات الصيفية: «في كل مرة أعود فيها للسودان أحس أن شيئًا ما كان ناقصًا في داخلي اكتمل». صورة السودان أعيد تشكيلها مباشرةً بسقوط البشير، الخبر الذي لم يستطع أن يذهب بسببه حسام المهندس المدني في بريطانيا إلى العمل حتى تأكّد الخبر الذي جعله يشعر بالفخر بسودانيته كما لم يشعر قط.

«سنعود وسنبني سودانًا جديدًا»

من الجدير بالذكر نظرةُ السودانيين في الخارج للثورة في السودان وعلاقتها بالربيع العربي الذي انطلقت ثوراته عامَ 2011. أثار تأخر التغطية والاهتمام العربي بأحداث الثورة التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2018 حفيظةَ السودانيين من الاهتمام اللاحق و«الكثيف المفاجئ» كما يصفه أحد السودانيين منذ بداية مارس (آذار) 2019. ذات الأمر ينطبقُ على تغطية القنوات الخليجية: «الجزيرة» و«العربية» و«سكاي نيوز» للأحداث، وترددها في مواقفها وطبيعة تغطياتها.

أحمد من السعودية يُؤكد أن ثورة السودان «ما لها علاقة بثورات العرب. دا ما ربيع عربي» وإنما أفريقيّ، قائلًا إنهم كسودانيين لم يشهدوا من «الإخوة العرب» اهتمامًا بقضاياهم ومشاكلهم، وإنما «التهكم والضحك»، قليلون اهتموا «مع أنه لو صار شي في نيوزيلندا العالم بينفجع عليه»، في إشارةٍ لضعف التغطية العالمية لأحداث السودان الدمويّة منذ فضّ الاعتصام في 3 يونيو (حزيران) الماضي.

أحمد الذي يدرس إدارة الأعمال في هنغاريا يؤكّد لنا على خصوصية الوضع السوداني معتبرًا الثورة «امتدادًا تاريخيًا لثورات السودان لا للثورات العربية». مؤكدًا هو وهناء من عُمان أنّ ثورتهم تعلمت من غيرها وستعلّم لاحقًا الآخرين: « راقبوا الثورات السّابقة، في السودان والوطن العربي والعالم، وتعلّموا منها» وبتفاؤلية الثوار تقول: «آن لنا أن نكتب في التاريخ أن ربيعًا تساقط علينا أمنًا وبردًا وسلامًا».

وبينَ رأي يفصل السودان عن السياق العربي وآخر يراها امتدادًا ونتيجةً لثورات الربيع العربي، يذكرُ كثيرون ما أسموه «مثلث الشر»: الإمارات والسعودية ومصر: «ستكون الثورة دافعا للشعوب الأخرى لتثور ضد الطغاة، وهذا ما تخافه حكومات كثير من الدول». ويوضّح محمد من كندا أنّ الوعي الشعبي الآن أقوى من أن يهزمه «الجنرالات ولا مثلث الشر»، الذي يتوعده آخرون ممن تحدثنا معهم:«لن ننسى ولن نغفر» ويلقون باللوم على دعم الإمارات والسعودية المالي والسياسي للمجلس العسكري قبيل فضّ الاعتصام.

ومع تأكيد الثوار على اختلافهم عن السياق العربي، يؤكد آخرون على اختلافهم مع الجيل السابق من السودانيين، إلى الحد الذي دفع محمد من كندا ليقوم بـ«شغل توعوي للآباء والجدود لكي يفهموا قضيتنا»، ويرفضُ أحمد في هنغاريا أن يصف الأمر بـ«فجوة» وإنما «هوة وأخدود»، متحدثًا عن «غسيل المخ» الذي اضطر الجيل السابق لمواجهته 30 عامًا، وكانت نتيجته أن سنين من «شيطنة كل من هم غير إسلاميين وزرع الفتن القبلية.. جعلهم يعتقدون أن ذهاب الحكومة – النظام – يعني حكم الشيوعيين ومحاربة الدين وهدم المساجد… إلخ».

وأبعد من ذلك يشيرُ أحمد إلى اختلاف واقع السودان قبل 30 عامًا وواقعه الآن: فالجيل الكبير تعلّم مجانًا وابتُعث أحيانًا للخارج، وكانت «حياة الطالب مجانية. سكن ودراسة وعلاج ومواصلات»، أما اليوم فهذه التسهيلات غير موجودة. أما إيلي من ألمانيا تُنهي كلامها قائلةً: «هؤلاء الذين شردونا وأجبرونا على العيش في بلاد الغربة، لن يفرقونا إلى الأبد. سنعود وسنبني سودانًا جديدًا».

كيف تسبب فض الاعتصام في خسارة عسكر السودان مظلة حلفائهم الإقليميين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد