حصاد الاقتصاد السوداني بعد 6 أشهر من عزل البشير.. هل تؤتي الثورة ثمارها قريبًا؟

تعد الأوضاع الاقتصادية في السودان سببًا رئيسًا وراء سقوط الرئيس السوداني السابق، عمر البشير. إذ كانت الظروف المعيشية الصعبة هي الشرارة التي دفعت السودانيين للخروج إلى الشوارع، وذلك مع استمرار أزمات الخبز والوقود ونقص النقود الحاد التي تسببت في تكدس الطوابير أمام المخابز ومحطات البنزين والبنوك، لتكون المحصلة في النهاية ثورة أنهت حكم البشير.

وبعد مرور نحو ستة أشهر على عزل البشير، فمن الضروري الحديث عن حصاد الاقتصاد السوداني لهذه الفترة، وماذا حدث للأزمات التي تسببت في اقتلاع البشير؟ وما هي التوقعات للفترة القادمة؟ وهو ما سنتحدث عنه خلال السطور القادمة.

إلى أين وصلت الأزمات التي أسقطت البشير؟

يمكن القول بأن أزمة الخبز في السودان، التي أشعلت شرارة الثورة في البلاد كاشفة لوضع الاقتصاد السوداني المأزوم، إذ لم يكن الهدف المعلن من خروج السودانيين في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018، اقتلاع نظام البشير، لكن السبب الرئيس الذي اندلعت لأجله الاحتجاجات كان المطالبة بتوفير الخبز، ثم توسعت المطالب بعد ذلك إلى رحيل النظام، وهو ما يوضح أن الاقتصاد في الأساس هو المحرك الرئيس للثورة في البلاد، لكن هل انتهت الأزمة بسقوط البشير؟

في الواقع لم تنته أزمة الخبز؛ إذ تشهد البلاد أزمة خبز جديدة، في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية التي تمر بها السودان بسبب تراجع احتياطي النقد الأجنبي، فمنذ بداية الشهر الجاري عادت طوابير الانتظار للحصول على الخبز للظهور مجددًا في العاصمة السودانية الخرطوم، بينما يمكن القول إنها لم تختف من الأساس خلال هذا العام.

ولا شك أن الحديث عن أزمة الخبز في السودان هي قضية متفرعة، خاصة أن المشكلة ليست ناتجة عن خلل معين في إدارة منظومة الخبز، لكنها متعلقة بعدم وجود نقد أجنبي لشراء القمح من الخارج، وهذه هي الأزمة بالأساس. إذ تشير التقديرات إلى أن البلاد تواصل فقد مصادر نقدها الأجنبي منذ انفصال جنوب السودان في 2011، إذ إن الموارد النفطية التي خسرتها الخرطوم كانت تمثل 80% من الاحتياطيات النقدية.

لذلك عندما نناقش أزمة الخبز في السودان من غير المنطقي أن نتناول أبعاد الأزمة والإجراءات الحكومية لمعالجتها دون الحديث عن الاحتياطات النقدية وتطورها، ففيما يخص الجانب الأول الخاص بالإجراءات، نجد أنه خلال الشهور الستة الماضية وبحسب ما كشف مؤخرًا وكيل وزارة الصناعة والتجارة، محمد علي عبد الله، فقد بدأ السودان في تشديد الرقابة على توزيعات القمح والطحين، بمشاركة الجهات ذات الصلة المتمثلة في اتحاد المخابز والمطاحن ولجان الثورة والمقاومة.

هل يعكر الاقتصاد صفو فرحة السودانيين بـ«اقتلاع» البشير؟

لكن رغم هذه الإجراءات يستبعد اتحاد المخابز – منظمة أهلية – توفر الدقيق وفق حصصه الكاملة، إذ يؤكد الاتحاد أن الحصة الموزعة حتى الآن تقل بنسبة 15 : 20% عن الحصة الكاملة، كما لا يجب أن الحصص قد تم تخفضيها العام الماضي، بمعنى أنه حتى إذا تم توزيع الحصص كاملة فهي أقل من الحصص التي كانت قبل أغسطس (آب) 2018.

وكانت السودان قد قررت في 2017، إيقاف استيراد الدقيق من الخارج بهدف ترشيد النقد الأجنبي، خاصة أن استهلاك السودان من القمح يتجاوز المليوني طن سنويًا، وفي الوقت ذاته لا تنتج البلاد سوى 12 : 17% من الاستهلاك، بينما تحتاج السودان لأكثر من 2 مليار دولار سنويًا لتغطية احتياجاتها من القمح.

وبخلاف المشاكل الأخرى التي تعقد الأزمة مثل عدم توفر الغاز، والتكلفة العالية لرغيف الخبز الذي يصل إلى واحد جنيه، فإن الجانب المتعلق بالاحتياطيات هو الأهم والجوهري، والسؤال الآن هل حدث جديد يخص الاحتياطي خلال الأشهر الستة الماضية؟

الإجابة جاءت على لسان وزير مالية السودان، إبراهيم البدوي، الذي قال مؤخرًا إن بلاده لم تلق سوى نصف الدعم البالغ 3 مليار دولار، والذي تعهدت به السعودية والإمارات في أبريل (نيسان) الماضي، وهذه المساعدات كانت تعتبر طوق النجاة في هذه المرحلة، لكن لم يصل للبنك المركزي السوداني سوى 500 مليون دولار، وديعة من السعودية والإمارات، فيما جاءت باقي المساعدات في صورة منتجات بترولية وقمح ومستلزمات إنتاج زراعي.

وبحسب «رويترز» فإن الإمارات والسعودية أرسلتا في الشهرين الأخيرين 340 ألف طن من القمح من أصل 540 ألف طن خُصصت للسودان، لكن في النهاية؛ هذه الحلول مؤقتة ومن الصعب اعتبار أن هناك تغيرًا جوهريًا فيما يخص هذه الأزمة منذ سقوط البشير وحتى الآن.

على الجانب الآخر فيما يخص أزماتي الوقود والسيولة، فلا زالت هذه الأزمات مستمرة أيضًا، فالسيارات تصطف بشكل شبه يومي في كل محطات البنزين وتصل مدد الانتظار لعدة ساعات، بينما ماكينات الصراف الآلي في كثير من المناطق بلا نقود، بينما تتكدس الطوابير على الماكينات التي لا تزال تحتوي على نقود، فقد تصل مدة الانتظار لنحو ثلاث ساعات، ومع تشكيل الحكومية الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك باتت هذه الأزمات ربما أقل حده، لكن ما زال الوقت مبكرًا للحديث عن انتهائها.

أزمة أخرى أيضًا تعد من معالم هذه الفترة وهي أزمة انقطاع الكهرباء المستمرة بصفة شبه يومية لساعات، إذ إن شح الوقود ألقى بظلاله على قطاعات خدمية وإنتاجية مهمة مثل الزراعة والنقل والكهرباء، بينما تتفاقم أزمة الكهرباء بسبب انخفاض التوليد المائي لموسم الخريف والاعتماد على التوليد الحراري لتغطية عجز إنتاج السدود.

بينما المحطات الكهربائية الحرارية الموجودة في قرى بالخرطوم والنيل الأبيض تعمل بطاقة تشغيلية تتجاوز العشرين ألف برميل وقود يوميًا، ومع أزمة الوقود من الصعب توفير هذه الكميات.

في المقابل أيضًا باتت حركة النقل العام والمواصلات الداخلية بالعاصمة وحركة النقل بين مدن البلاد المختلفة، أسوأ مما كانت عليه قبل سقوط البشير فآلاف المواطنين يتكدسون يوميًا بالمواقف، فيما لجأ الكثيرون إلى الذهاب لأعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم مشيًا على الأقدام.

وفيما يخص أزمة السيولة الحادة المستمرة منذ فبراير (شباط) 2018، فقد أعلن اتحاد المصارف السوداني، انتهاء الأزمة، قائلًا إن المواطنين والمؤسسات قد عادوا لإيداع مدخراتهم في البنوك، بينما أعلن البنك المركزي السوداني زيادة المعروض النقدي، لكن لا يزال سعر الجنيه السوداني في حدود 70 جنيهًا للدولار الواحد.

ما الذي قد تقدمه خطة الإنقاذ إلى الاقتصاد السوداني في الأشهر  القادمة؟

نلاحظ أن كل الأزمات التي تحدثنا عنها في السطور السابقة لم تتضمن الأزمات الاقتصادية الرئيسة التي يعاني منها الاقتصاد السوداني، مثل تراجع قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأخرى، وصعود معدل التضخم وزيادة عجز الموازنة، وهي النقاط التي ستكون محور الحديث من خلال مناقشة خطة الإنقاذ الاقتصادية الجديدة التي بدأت بها الحكومة الحالية وذلك لمدة تسعة أشهر.

وفي نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، كشف وزير المالية، إبراهيم البدوي، عن أن الحكومة الانتقالية ستطلق خطة إنقاذ اقتصادي مدتها تسعة أشهر لتحقيق الاستقرار في الاقتصاد السوداني، موضحًا أن بلاده ستطلب ملياري دولار دعمًا من البنك الدولي، وتتضمن الخطة إجراءات لترشيد الإنفاق ومعالجة التضخم.

وفي حوار مطول مع وكالة «رويترز»، قال رئيس الوزراء السوداني الجديد، عبد الله حمدوك، إن السودان تحتاج لنحو 8 مليار دولار مساعدة أجنبية خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات وللمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد السوداني، بينما أوضح أن هناك حاجة إلى ملياري دولار أخرى بشكل عاجل.

وكانت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية قد ذكرت قبل أكثر من شهر أن خطة إنقاذ اقتصاد السودان التي طرحها حمدوك، تعتمد على عنصرين رئيسين وهما إنهاء العزل الدولي لبلاده، بالإضافة إلى خفض الإنفاق العسكري، الذي قال إنه يستهلك ما يصل إلى 80% من الموازنة الدولة، ومن المفترض في حال تحقق الشرطان أن يتغير الوضع كثيرًا على مستوى عجز الموازنة والاستثمارات الأجنبية، لكن حتى الآن لا جديد على أرض والواقع.

وخلال نحو 30 عامًا عاشت السودان حالة من الركود، بسبب الحروب الأهلية الدامية والعزل الدولي والعقوبات الاقتصادية، ولا شك أن هذه الحالة ستستمر طالما أن السودان ضمن قائمة الدولة الراعية للإرهاب، تلك القائمة التي تغلق الباب أمام أي نوع من الاستثمارات الأجنبية، وحزم الإنقاذ المالية. إذ تصنف أمريكا السودان دولة راعية للإرهاب منذ عام 1993، ورغم حذف السودان من القائمة  بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير (كانون الثاني) 2017، إلا أن الاحتجاجات في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تسببت في تعليق القرار.

ووفق الخطة فأن السودان تطمح لتوحيد سعر صرف الجنيه وأن يدار سعر الصرف عن طريق سعر الصرف المرن المدار، وإعادة لاستعادة الثقة في النظام المصرفي، لكن هذه الأهداف أيضًا لا تزال تحتاج بعض الوقت.

الديون.. ميراث البشير الثقيل العصي على الحل

يعد ملف الديون المتعثرة أكثر الملفات جدلًا من بين ملفات الاقتصاد السوداني، إذ إن البلاد تخلفت عن سداد ديونها منذ وقت طويل، فلديها ديون مجمدة خلال أربعة عقود تقريبًا، وهي ميراث ثقيل يجب أن يتعامل معه النظام الجديد. فكثير من حائزي الديون التي تخلف السودان عن سدادها، ينتظرون ما سيحدث خلال الأشهر القليلة القادمة.

وفي 1981 تخلف السودان عن سداد قرض مضمون قيمته الأصلية 1.64 مليار فرنك سويسري (حوالي 1.64 مليار دولار)، ووفق محللون فإن هذا الدين وصل الآن بإضافة الفوائد غير المدفوعة، إلى نحو 8 مليار فرنك سويسري (8 مليار دولار)، إذ تضاعف الدين عدة مرات. وبالإضافة إلى هذا القرض، فإن السودان عليه متأخرات لـ«صندوق النقد الدولي»، تشكل أكثر من 80% من إجمالي المتأخرات المستحقة لتلك المؤسسة المالية الدولية.

وتشير بيانات لـ«صندوق النقد الدولي» ترجع لعام 2016 إلى أن الدين العام الخارجي يبلغ حوالي 51 مليار دولار، وهو ما يقدر بنحو 88% من الناتج المحلي الإجمالي، وحاليًا ينتظر الجميع كيف سيتعامل النظام الجديد مع هذا المأزق، فالسودان الذي كان مؤهلًا لإعفاء الديون في ظل خطة الدول الفقيرة الأكثر مديونية، ضمن مبادرة لـ«صندوق النقد» و«البنك الدولي» أطلقت في 1996 لمساعدة البلدان الفقيرة، بات أمام خيارين: إما السداد، أو التفاوض للحصول على الإعفاء.

ولا شك في حال استمرار بقاء الوضع على ما هو عليه، فإن البلاد لن يصبح بمقدورها الوصول مجددًا إلى الأسواق الدولية، وهو الأمر الذي تحتاجه السودان كثيرًا للخروج من الأزمة الحالية، كما أوضحنا فيما يخص خطة الإنقاذ.

ويقول حمدوك: إنه بدأ محادثات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمناقشة إعادة هيكلة الديون، موضحًا أن الحكومة أجرت اتصالات مع الجهات المانحة، في مساعي لاستفادة السودان من برامج الإعفاءات من الديون وجدولة الديون والحصول على المنح والقروض.

لكن من المعلوم أن مثل هذه الإعفاءات والقروض يقترن بها فرض روشتة من الصندوق والبنك الدوليين، لكن حمدوك قال: إن السودان لن يفرض عليها روشتة، خاصة أن كل برامج هذه المؤسسات تعتمد على خفض الدعم الحكومي للخبز والوقود والكهرباء والدواء وهو أمر قد يكون مستحيلًا في السودان حاليًا.

البشير ذهب ولكن.. الفساد والعسكر والمافيا مستمرون

ربما يكون سقوط البشير هو أهم مكتسبات الثورة على المستوى السياسي، لكن على مستوى الاقتصاد السوداني فإن ثالوث الفساد والعسكر والمافيا، تمثل الجذور الرئيسة للأزمات الاقتصادية في البلاد، فالسودان واحدة من أكثر دول العالم فسادًا، وهي كذلك من أكثر دول العالم في الإنفاق العسكري من حيث النسبة في الموازنة.

وبحسب تقرير نشره موقع إذاعة صوت ألمانيا «دويتشه فيله»، فقد أكد خبراء أن الفساد ازداد في عهد البشير بشكل كبير، إذ إن قطاعي الزراعة واستثمار الثروات الباطنية، اللذين يعتبران المصدر الأساسي لعائدات الدولة، تسيطر عليهما عدة عائلات على صلة وثيقة «بالطبقة الفاسدة في الجيش والحكومة».

وذكر التقرير أن رجال الأعمال يدفعون رشى لـ«عصابات المافيا» ليستطيعوا ممارسة أعمالهم، بينما لا أحد يعرف مدى قوة ونفوذ هذه العصابات، وإلى أي مدى تتحكم في مفاصل الدولة والاقتصاد، فمثل هذه العصابات موجودة في كل المجالات تقريبًا، وهذا الأمر بالطبع يحرم البلاد من أي أصلاح اقتصادي حقيقي.

وتقول صحيفة «الإندبندنت» في نسختها العربية عبر تقرير حديث: إن تجارة العملات الأجنبية في السوق السوداء في السودان، تتحكم بمجمل العملية الاقتصادية في البلاد، إذ تحول تجار العملة إلى كتلة اقتصادية مؤثرة. وكان البشير قد حاول قبل عزله مواجهة هذه الكتلة، لكنه فشل إذ قام باعتقالات واسعة، واتهامات بالخيانة، وعقوبات وصلت إلى الإعدام، لكن لا زالت هذه السوق مستمرة.

وبشكل عام، من الصعب تخيل حدوث إصلاح اقتصادي حقيقي مع تفشي الفساد واستحواذ الجيش على أغلب الموازنة، وتحكم المافيا في المفاصل الاقتصادية للدولة.

كيف سيبدو الاقتصاد السوداني في المستقبل القريب؟

لا شك أن الوضع الاقتصاد السوداني الحالي يبدو في غاية الصعوبة والخروج من هذه الأزمات لا يتوقف على التخلص من النظام وفقط، ولكن الأمر يحتاج إلى إصلاح حقيقي واستقرار سياسي يساعد على إعادة الاقتصاد للمسار الصحيح، لكن الصورة أيضًا ليست قاتمة إلى هذا الحد، فمستقبل اقتصاد البلاد بالنظر إلى ثرواته الطبيعية من الممكن أن يكون أفضل.

ووفق تقرير نشر على موقع معهد «ستراتفور» فإن السودان بات بيئة اقتصادية واعدة بعد سقوط البشير، وذلك بشرط أن تحظى القيادة السودانية الجديدة بالدعم المحلي والدولي، وهو ما سيساعد البلاد في الاستفادة من الموقع الإستراتيجي على البحر الأحمر، أكثر الأراضي خصوبة في أفريقيا؛ ما قد يجعلها تجذب الاستثمارات الأجنبية.

ويتوقع التقرير أن تنتعش عدة قطاعات رئيسة في حال إزالة الخرطوم من قائمة الإرهاب الأمريكية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، لكن من المتوقع حدوث هذا الأمر قريبًا؛ ما سيسمح بضخ استثمارات دولية جديدة في القطاعات الرئيسية مثل: التعدين، والزراعة، والخدمات، والكهرباء، والسياحة، والبنية التحتية، وإعادة الروح للاقتصاد السوداني.

«ستراتفور»: ليس سيئًا كما يبدو.. كيف سيكون اقتصاد السودان في السنوات المقبلة؟

أزمة الخبزأزمة السيولةأزمة الكهرباءأزمة الوقوداقتصاد السودانالاقتصاد السودانيالبشيرالتضخمالسودانديون السودان

المصادر