الثالث عشر من أبريل/ نيسان الشهر الجاري سيبدأ الناخبون السودانيون الإدلاء بأصواتهم لاختيار رئيس وبرلمان جديديْن للبلاد، وسط فصول من النزاعات والصراعات الداخلية والخارجية، فضلا عن مقاطعة أحزاب عدة للانتخابات، وتهديد أخرى بالإطاحة بحكم الرئيس الحالي عمر البشير.

ويشار إلى أنه يوجد في السودان أكثر من “13.6” ملايين ناخب مسجل من المقرر أن يدلوا بأصواتهم في قرابة 7 آلاف مركز اقتراع تنتشر في أنحاء البلاد، حيث سيبدأ فرز الأصوات يوم السادس عشر من أبريل.

ويتنافس على منصب الرئيس 16 مرشحا، بينهم الرئيس الحالي عمر البشير وسيدة مرشحة – يمثل 6 من المرشحين المتنافسين أحزابا سياسية، بينما ينافس الـ10المتبقون كمستقلين، وسط مقاطعة أحزاب من المعارضة والتي تمثل شعبية كبيرة داخل الشعب السوداني.

واللافت في هذه الانتخابات أنه لن يشارك مراقبون دوليون، لا سيما مراقبي الاتحاد الأوروبي، ومركز “كارتر” في سير ومراقبة الانتخابات.

أولا: الأحزاب المقاطعة للانتخابات

1- حزب الأمة القومي:

 

زعيم حزب الأمة القومي/ الصادق المهدي

 

وهو حزب سياسي تأسس عام 1945م، وهو تكوين سياسي هدف به السودانيون الوطنيون الذين كونوه كأول حزب سياسي شعبي نحو تحقيق المطامح الوطنية في الاستقلال عن دولتي الحكم الثنائي، وبناء الدولة السودانية المستقلة على أسس المساواة والحرية والعدل.

ويعرف عنه أنه حزب المبادرات في الساحة السياسية السودانية والفكر السياسي الجاد، حيث طالب باستقلال السودان عن بريطانيا ومصر رافعًا راية الاستقلال الكامل عن الدولتين وسُمِّيَ مؤيدوه بالاستقلاليين.

بالنسبة للانتخابات المقبلة، فقد أعلن حزب الأمة القومي مقاطعتها، كما قاطع مثيلتها عام 2010، حيث قدم ثمانية شروط للمشاركة فيها، منها التأجيل أربعة أسابيع وتمويل حكومي للأحزاب السياسية، وأن تقوم في ظروف ومناخات أفضل للانتقال لمربع جديد فيه كامل الحريات، إلى جانب قيام حكومة انتقالية قومية بإجراءات أساسية حتى تكون الانتخابات حرة ونزيهة، وبالتالي حينما لم تتم تلبية شروطه رأى الحزب أنها انتخابات زائفة.

لذلك فإن الحزب الذي يتزعمه الصادق المهدي، لن يدخل في تجربة انتخابية أخرى لأنه يريد تغييرًا أساسيًا، وعدَّ الانتخابات المقبلة بأنها تمكين للمؤتمر الوطني، حتى أنه اتفق مع الحزب الشيوعي السوداني، على العمل المشترك لتوسيع دائرة مقاطعة الانتخابات بمساندة حملة “ارحل”.

2- الحزب الشيوعي

سكرتير الحزب الشيوعي السوداني/ محمد مختار الخطيب

 

وهو الذي بدأ نشاطه الفعلي عام 1946 تحت اسم الجبهة المعادية للاستعمار وعرفت لاحقًا باسم الحركة السودانية للتحرر الوطني وتم اختصارها باسم “حستو” التي اشتركت في انتخابات عام 1953 قبيل استقلال السودان عن الاستعمار البريطاني.

وموقف الحزب من الانتخابات هو نفسه موقف “الأمة القومي”، حيث يرى أن مقاطعة الانتخابات حق مكفول بالدستور، وعدَّ في الوقت نفسه تهديدات بعض قيادات المؤتمر الوطني ومواليه بردع أو كسر أيادٍ أو توجيه الإساءات والشتائم للداعين لمقاطعة الانتخابات تقع في إطار المهاترات غير المجدية.

فضلا عن خروج هذه التهديدات عن الأدب السوداني، أو حتى الجهل بالحقوق الدستورية التي يكفلها دستور البلاد الانتقالي لسنة 2005.

 

3- الحزب الوحدوي الديمقراطي “حشد الوحدوي”:

زعيم حزب حشد الوحدوي/ ساطع محمد الحاج

 

وهو الحزب الاشتراكي الديمقراطي الوحدوي، والذي يحمل شعار العدالة الاجتماعية والخيار الحر والقوة المستدامة، وتأسس بالخرطوم عام 2002م، حيث إن جميع المؤسسين كانوا مستقلين ولكنهم ناشطون ولهم توجهات اشتراكية ويؤمنون بالديمقراطية والوحدة الوطنية السودانية.

وشنت قيادات في حزب المؤتمر الوطني الحاكم حملة انتقادات حادة في مواجهة قوى المعارضة المقاطعة للانتخابات، واتهم رئيس القطاع السياسي في الحزب مصطفى عثمان إسماعيل، الحزب الشيوعي بالتورط في تكوين خلايا لتخريب الانتخابات.

وكما أن الحزب قد قاطع أي حوار مع النظام الحاكم منذ فترة طويلة، كونه ينظر إلى من يحكم السودان بأنه ديكتاتوري باطش، ومتمسك بالسلطة، فإن مقاطعته للانتخابات أمرٌ عادي.

ويرى الحزب، والذي يتزعمه ساطع محمد الحاج، أن الانتخابات القادمة عبارة عن مسرحية سيئة الإخراج وتريد بها السلطة البحث عن شرعية زائفة عبر صناديق ملوثة بالدم وبالكذب والخديعة وإهدار أموال الدولة.

4- حزب المؤتمر الشعبي:

حسن الترابي/ زعيم حزب المؤتمر الشعبي السوداني

 

وهو الحزب الذي أسسه حسن الترابي عام 1999م، والمنشق أصلا عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم الآن بقيادة المشير عمر البشير ويعد الترابي من المعارضين الأقوياء للحكومة الحالية.

لذلك ينسب النظام السوداني الحالي أزمة إقليم دارفور المشتعلة للحزب وأنصاره، وهو ما ينفيه تماما المؤتمر العام وتروجه الحكومة ضده.

كغيره من أحزاب المعارضة السودانية قاطع الحزب الانتخابات، وقرر عدم المشاركة فيها، مبررا سبب المقاطعة بغياب الديمقراطية في البلاد، وتشبث عمر البشير بالسلطة، فضلا عن انتشار النزاعات.

ما هي حملة “ارحل”؟

المعارضون لانتخابات السودان القادمة خلال مسيرة

 

هي عبارة عن حملة أطلقتها الأحزاب والتكتلات السودانية المعارضة، إلى جانب حركات مسلحة تقاتل ضد حكومة الخرطوم، ومنظمات المجتمع المدني داعية الشعب السوداني إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، ومطالِبة الرئيس عمر البشير بالرحيل.

وثمة من يرى أن الحملة لاقت رواجا داخل الأوساط السودانية عبر منعها من المشاركة في الدعاية الانتخابية للمرشحين، في المقابل يرى حزب المؤتمر العام عكس ذلك، واصفا إياها بـ”المتآمرة” على البلاد.

ثانيا: الأحزاب المشاركة في الانتخابات

يشارك ما يقرب من اثنين وأربعين حزبا سياسيا في الانتخابات الرئاسية والتشريعية السودانية المقبلة، أبرزها الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني”، وحزب العدالة، إلى جانب جماعة أنصار السنة المحمدية، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وغيرها، وأهمها ما يلي:

1- الحزب الحاكم “المؤتمر الوطني”:

رئيس حزب المؤتمر الوطني والرئيس السوداني الحالي/ عمر البشير

 

وهو الحزب الذي يحكم السودان الآن، وجاء بعد انقسام الحركة الإسلامية السودانية إلى حزبين (المؤتمر الوطني- المؤتمر الشعبي)، حيث قامت الحركة الإسلامية بقيادة أمينها حسن الترابي وعسكريا بقيادة عمر البشير بانقلاب عسكري ضد الرئيس المنتخب الصادق المهدي عام 1989، وبعدها حكم عمر البشير السودان والذي أصبح أيضا رئيسًا لحزب المؤتمر الوطني والسودان إلى الآن.

ويعد حزب المؤتمر الوطني السوداني امتدادًا للفكر الإسلامي السياسي في السودان المرتبط بشكل وثيق بشخصية الدكتور حسن عبد الله الترابي المفكر الإسلامي والقانوني المعروف.

ويعتبر الحزب حزبا مسيطرا على الحياة العامة بسبب امتلاكه لرؤوس أموال تحصل عليها من علاقاته الواسعة مع رجال الأعمال إضافة لتغلغله العميق في أجهزة الدولة نتيجة لسياسات التمكين والفصل للصالح العام التي انتهجت في التسعينات.

وكان الحزب قد اختار الرئيس عمر حسن البشير من بين 5 مرشحين للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل الجاري، وسط توقعات بتمديد فترة ولايته لتتخطى “26” عامًا في حكم السودان الذي يعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعيه متفاقمة.

2- حزب العدالة:

رئيس الحزب/ ياسر يحيى صالح

 

هي إحدى حركات التمرد في دارفور وهي حركة ثورية منشقة عن حركة تحرير السودان في 2001، ويقودها خليل إبراهيم الوزير السابق للأمن في حكومة عمر البشير، وهي ذات أغلبية. واستطاعت الحركة أن تصل بقضية دارفور إلى مجلس الأمن الدولي، بالرغم من الانشقاقات التي حدثت داخل الحركة إلا إنها لا زالت تعارك في الميدانيْن العسكري والسياسي.

وأعلن الحزب مشاركته في الانتخابات المقبلة واستعداده لخوض العملية الانتخابية على كل المستويات بالمركز والولايات، حيث قدم مرشحه لرئاسة الجمهورية ياسر يحيى صالح رئيس الحزب.

3- الحزب الاتحادي الديمقراطي:

زعيم الحزب/ محمد عثان الميرغني

 

وهو أقدم حزب سياسي في السودان، ويتزعمه محمد عثمان الميرغني، وتأسس بعد اندماج الحركة الاتحادية السودانية بأحزابها التي تكونت في فترة النضال ضد الاستعمار، والتي كان لها الدور الأكبر في استقلال السودان عام 1956، وحينما استطاعت أن تعلن استقلال السودان من داخل البرلمان عام 1955 حيث كانت لها الأغلبية بعد اكتساحها لانتخابات عام 1953.

 

ثالثا: ما جذور الانتخابات الرئاسية السودانية؟

أحد مراكز الاقتراع في انتخابات سودانية سابقة

 

الانتخابات التي ستجرى خلال الأيام القليلة المقبلة، هي التاسعة من نوعها في السودان، حيث إن انتخابات برلمانية كانت في العام 1953، قبيل الاستقلال بمشاركة خمسة أحزاب سياسية هي: الحزب الوطني الاتحادي، حزب الأمة، كتلة الجنوب، الحزب الجمهوري الاشتراكي، والجبهة المعادية للاستعمار.

فيما الثانية بعد الاستقلال 1956، وكانت في عام 1958 بمشاركة ستة أحزاب سياسية، ونص دستور السودان لعام 1956 على أن تستمر جميع أجهزة الحكم التي قامت بعد انتخابات 1953 مثل البرلمان، ومجلس الوزراء، والهيئة القضائية، ولجنة الخدمة المدنية، والمراجع العام- حتى انتخاب الجمعية التأسيسية.

أما الانتخابات الثالثة فقد كانت عام 1965 بمشاركة خمسة أحزاب سياسية هي الحزب الوطني الاتحادي، وحزب الأمة، وجبهة الميثاق الإسلامي، والحزب الشيوعي السوداني، ومؤتمر البجا.

وكانت رابع انتخابات في تاريخ السودان عام 1968 بمشاركة 22 حزبا سياسيا وتجمعا إقليميا. وتوزعت الأصوات بين هذه الأحزاب، ولم ينفرد أيٌّ من هذه الأحزاب بأغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة وحده.

أما خامس تجربة انتخابية فكانت هي آخر الانتخابات المحسوبة على التجارب الديمقراطية في السودان، وجاءت في العام 1986 بعد انتفاضة أبريل/ نيسان 1985 التي أطاحت بنظام الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري في الفترة ما بين 1969-1985.

وكانت أهم الأحزاب المشاركة في تلك الانتخابات التي تمَّ التعارف عليها بفترة الديمقراطية الثالثة هي: حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، والجبهة الإسلامية القومية، والحزب القومي السوداني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والمؤتمر السوداني الأفريقي، والحزب الشيوعي السوداني.

أما بعد مجيء الإنقاذ فقد شهدت البلاد ثلاثة انتخابات أقامها النظام الحاكم وقاطعتها المعارضة ووصفتها بالديكورية، ما عدا تلك التي شاركت فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان الشريك في الحكم عام 2010 قبل انفصال جنوب السودان.

وثمة من يرى أن تجارب الانتخابات السابقة تشير إلى أن أي تعديل في قانون غير متفق عليه يخرج بعض القوى السياسية من الانتخابات، مثلما حدث في انتخابات 2010 التي أجريت وفقا لاستحقاقات اتفاقية السلام الشامل عام 2005، وخاضها كل من حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان الشريك في الحكم في جنوب السودان.

وانتخابات اليوم، تأتي في ظل أزمة دستورية خانقة، وخلقت فراغا تشريعيا وسياسيا واقتصاديا في السودان، فحزب المؤتمر الوطني الحاكم يحاول أن يسدّ باب هذه الذرائع بمنح حكمه مشروعية شعبية وقانونية.

وهذا الجهد، كما يرى مراقبون يصب في خانة الإعلان عن انتخابات تمَّ تحديد موعدها دون موافقة بقية الأحزاب السياسية الأخرى، مما يفتح باب الجدل على الحوار المتنادى له وجدواه السياسية.

رابعا: لماذا يصر الرئيس السوداني على إجراء الانتخابات؟

 

تجمع سابق لقوى المعارضة السودانية

 

تعتمد حجة الرئيس السوداني عمر البشير، في إصراره على إجراء الانتخابات، على اعتبارها استحقاقًا دستوريًّا مجدولًا لا مناص منه، وأن عدم إجرائها في موعدها سيخلف فراغا دستوريا يُفقد مؤسسات الحكم الحالية شرعيتها.

ووفقا لدستور السودان الانتقالي لعام 2005: “يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية خمس سنوات تبدأ من يوم توليه منصبه”، وأنه لا يمكن تأجيل الانتخابات إلا لأجل محدود عند تعذر انتخاب رئيس الجمهورية لأي سبب “شريطة ألا يتجاوز ستين يومًا من اليوم الذي كان مقررا فيه إجراء الانتخابات”.

فيما تنظر قوى المعارضة الرئيسة في دعوتها لتأجيل الانتخابات لما بعد الحوار الوطني، والتي تصر على ذلك، على أن الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، وأنها ليست مجرد عملية فنية تفرضها نصوص قانونية تجري تلقائيًا خارج سياق تحديات الوضع السياسي.

إضافة إلى وجوب وجود آلية من آليات تحقيق الشرعية المفضية إلى استدامة السلام والاستقرار، في ظل ما تشهده البلاد من موجات سياسية متأزمة.

وبالتالي، فإن نصوص دستور السودان الانتقالي للعام 2005 التي يؤسس عليها الحزب الحاكم موقفه هي في الواقع تقنين لاتفاقية السلام الشامل الموقعة في العام نفسه بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان.

وأفضت الاتفاقية إلى تقسيم البلاد عبر الاستفتاء الذي أُجري في العام 2011، وأدى إلى ميلاد دولتين محل السودان الموحد، وأصبحت هناك حاجة موضوعية لإعادة تأسيس الدولة السودانية وفق عقد اجتماعي وسياسي جديد.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد