41,255

أقال الرئيس السوداني «عمر البشير»، أول أمس، مدير مكتبه ووزير الدولة بالرئاسة «الفريق طه عثمان الحسين» من مناصبه، الرجل الأكثر سطوةً ونفوذًا داخل أروقة السلطة في السودان، بينما تم اقتياده لمكانٍ مجهول، قبل السماح له بالمغادر للسعودية برفقة زوجته، بعد وساطات سعودية بالسماح له بالمغادرة بعد اقتياده من المطار إلى جهة غير معلومة.

أشارت التفسيرات المتداولة على صفحات الصحف السودانية، ومدوَّنات النشطاء السودانيين، إلى الربط بين هذه الإقالة والدور المحتمل لطه عثمان في «الانقلاب» بتخطيط وتمويل دولتين خليجيتين ودولة عربية مجاورة، خصوصًا بعد نجاح السلطة في الحصول على تسجيلات تُثبت خطته للانقلاب على الحُكم بالتنسيق مع كلتا الدولتين، وتسريب صورة لتحويل بنكي إلى حساب الفريق طه ببنك أبوظبي، بقيمة 30 مليون دولار.

ظل «البشير» في السلطة: «الصوفي» الذي كسب ثقة الرئيس

جمعت الفريق طه عثمان بالرئيس السوداني عُمر البشير صلة وثيقة، جعلته الرجل المُفضل لدى البشير في تفويضه بكافة الملفات المهمة، ومنحه صلاحيات مفتوحة على كافة الأجهزة. هذه الصلة يصفها الفريق طه عثمان: «لست مدير مكتب الرئيس البشير؛ بل أنا ابنه»، بينما يصفه السكرتير الصحافي الأسبق للرئيس الأستاذ «محجوب فضل بدري» بأنه: «استطاع أن يكسب ثقة الرئيس، وقال لم أر منه إلا كل خير».

تباهى الفريق طه عثمان بخلفيته الصوفية، التي تجعله زاهدًا في السلطة، بينما لا تجعله يكفُّ عن المبالغة في امتداح «البشير» ليل نهار، حتى بلغ الأمر به تسمية أحد أولاده من زيجاته المتعددة باسم «عُمر» تيمُّنًا بالرجل الذي يثقُ فيه.

درس «طه عثمان» في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، ليتمَّ استيعابه بعد «ثورة الإنقاذ» في أول دفعة للضباط الإداريين، وتدريبه في الدفعة الثانية للدفاع الشعبي بمعسكر القطينة، ومن ثمّ تمَّ تعيينه ضابطًا إداريًّا، ليتدرَّجَ داخل الجهاز الأمني بوصفه مدنيًّا، ليتم اختياره في عام 2000 ضابطًا بجهاز الأمن والمخابرات الوطني مع عددٍ من الضباط الإداريين، ويتدرج داخل الأجهزة الأمنية، قبل أن ينتقل لمنصب مدير مكتب الرئيس البشير.

مُهندس السيطرة على الأجهزة الأمنية والاستخبارتية

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2012، بدأت أسطور ة «طه عثمان» الضابط بجهاز الاستخبارات آنذاك، بمنحِهِ صلاحياتٍ مفتوحة، جعلته الحاكم الأول على الأجهزة الأمنية والاستخبارتية، بعد أن نجح في كسب ثقة الرئيس السوداني عُمر البشير، عقبَ تسليمه شريطًا مصورًا لقائده آنذاك «صلاح قوش»، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات السوداني، يسعى من خلاله للتنسيق مع عدد من ضباط الجيش للانقلاب العسكري على البشير.

كانت اللحظة الاستثنائية، تُشكل ميلادًا لبزوغ عصر هيمنة «طه» على الأجهزة الأمنية والاستخبارتية بشكل متسارع، مستخدمًا الصلاحيات الممنوحة إياه لتهميش نفوذ جناح شباب القوات المسلحة من الحركيين (الإسلاميين)، وإعادة ترتيب القوات المُسلحة السودانية، ويترقى مع هذه التغييرات لرتبة الفريق، وهي الرتبة التي قلما يصلها ضباط الأمن.

في يونيو (حزيران) 2015، أصدر الرئيس البشير، مرسومًا جمهوريًّا بتعيين الفريق طه عثمان الحسين وزير دولة ومديرًا عامًا لمكتب الرئيس برئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، ليصير بذلك عثمان الحاكم الأساسي، ويتمكن من ترسيخ نفوذه بكافة مؤسسات الدولة.

مندوب المملكة في السودان: رجل «بن سلمان» الأول في بلاد وادي النيل وإفريقيا

لا يبدو اختيار طه عثمان للمملكة العربية السعودية، لتكون وجهته المُقبلة، بعد ظروف الإقالة الغامضة،   وتجريده من الصلاحيات الواسعة التي يتمتَّع بها محض صدفة؛ إذ كان عثمان، على مدار 10 سنوات الأخيرة، رجل السعودية القوي في السودان، والمسئول الأول عن توسيع صلاحيات ونفوذ المملكة على الأراضي السودانية، فضلًا عن مساعيه الدائمة لهندسة مواقف السودان الخارجية، حسب ما تقتضيه بوصلة المملكة الخارجية.

تزامنت أدوارعثمان الأخيرة مع ولاية الملك «سلمان بن عبد العزيز»، خصوصًا مع توطد العلاقة مع ولي ولي العهد «محمد بن سلمان»؛ إذ انعكس ذلك على السياسة الخارجية لدولة السودان، التي التزمت بالخط الرسمي الذي حددته المملكة لها، من دعمها عسكريًّا في حروبها الخارجية بقوات برية وجوية، فضلًا عن إغلاق الباب أمام إيران، العدو التقليدي للمملكة، والقضاء على أي مظهر من مظاهر التشيع داخل أرجاء البلاد.

لعب الفريق طه عثمان دور الوسيط كذلك للأمير الشاب محمد بن سلمان في الاتصال ببعض الدول الإفريقية، وبالتحديد إثيوبيا وإريتريا وموريتانيا، مستخدمًا صلاته الوثيقة التي تجمعه بقادة هذه الدولة، للاندماج في تحالف عاصفة الحزم، الذي كان الراعي الأساسي له الأمير السعودي الشاب، فضلًا عن تنظيم 40 زيارة للرؤساء دول إفريقية للسعودية.

«التقيت بسمو الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية في المملكة، ومعه سمو الأمير خالد بن بندر مدير المخابرات السعودية، وجلست معهما، وتم التوافق على تطبيع العلاقات بيننا مرحليًّا، وبالفعل اتخذ السيد الرئيس أول قرار، وقضى بإغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية في السودان»، يشرح تعليق الفريق طه عثمان في مقابلته مع جريدة «اليوم التالي»، طبيعة الوساطة التي لعبها لصالح التقريب بين البلدين، الذي يستكمل في حواره المرحلة التي تلت ذلك في توطيد العلاقة مع الأمير محمد بن سلمان، لدرجة التي جعلته مرافقًا له في زياراتٍ خارجية غير مُعلنة.

كان الفريق طه عثمان إحدى الأذرع التي استخدمها الأمير الشاب محمد بن سلمان لتسويقه داخل بلاده وخارجها؛ إذ أخذت تصريحات طه تمتدح حكمة «بن سلمان»، والثناء على جهوده لدى الولايات المتحدة الأمريكية لرفع العقوبات عن دولة السودان.

ينكشف نفوذ الفريق طه عثمان على دوره في مدّ أواصر النفوذ السعودي على السودان، في مُشاركة السودان بقوات من الجيش في مناورات «رعد الشمال»، بمنطقة حفر الباطن شمالي السعودية ضمن 20 دولة، وهي واحدة من أكبر التمارين العسكرية في العالم، من حيث عدد القوات المشاركة، واتساع منطقة المناورات.

كما تشارك القوات السودانية ضمن قوات التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن، والتي تقودها السعودية، لكسر شوكة الحوثيين الشيعة، إذ أثبتت القوات السودانية كفاءة قتالية عالية في العمليات البرية. الدعم السوداني العسكري تجلَّى أيضًا في منح الثوار السوريين أسلحة سودانية، وصينية الصنع، حسبما أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» في شهر أغسطس (آب) 2013.

ابتعدت السودان عن إيران، عبر إعلان القطيعة رسميًّا، بعد سنواتٍ من الود والحميمية، وظهرت هذه القطيعة في إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في الخرطوم، وفي مناطق أخرى، زاعمةً أنها محاولات من إيران لنشر الطقوس الشيعية في السودان. وشكَّلت أدوار طه عثمان، نقلة نوعية في دفع بلاده لتتولي دور نقل معلومات داخلية عن حزب الله، لصالح المملكة العربية السعودية، التي كانت تُخاطبه باعتباره المسئول الأول وليس الرجل الثاني في السودان.

وكانت جريدة الأخبار اللبنانية، المُقربة من حزب الله، أوضحت كذلك «أن النظام السوداني باع للرياض معلومات تتعلّق بطريقة عمل الحزب عندما كان يستخدم الأراضي السودانية لإيصال السلاح إلى فصائل المقاومة في غزة، وهذه المعلومات يجري الاستناد إليها؛ لجمع أكبر قدر من المعطيات عن الحزب، واستثمارها في شتى الطرق، سواء لناحية فرض عقوبات على شخصيات لبنانية، وشركات يعتقد النظام السعودي أنها تابعة للحزب، أو لجهة استخدام هذه المعطيات للدلالة على (الطبيعة الإرهابية) لأعمال حزب الله في الدول العربية».

كانت آخر زيارة رسمية لعثمان للمملكة، بعد تمثيله للرئيس السوداني عُمر البشير رئيس الجمهورية، للمشاركة في القمة العربية الإسلامية الأمريكية، بعد اعتذار البشير عن عدم المشاركة في القمة العربية، لأسبابٍ فسرها مراقبون آنذاك كونه صادرًا بحقه قرار من المحكمة الجنائية الدولية على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب.

الإمارات والسودان: السطوة الإماراتية مقابل احتكار تجارة الجمال والأموال

في مارس (آذار) 2015، تزامنت كلمة الرئيس السوداني عُمر البشير على منصة المؤتمر الاقتصادي لدعم الاقتصاد المصري، بانسحاب رئيس الحكومة الإماراتية محمد بن راشد، في دلالة واضحة على التوتر الملحوظ في العلاقات بين الدولتين، وعدم قدرة الإمارات على إخضاع بلاد وادي النيل لسيطرتها، وإدراجها ضمن مناطق نفوذها الخارجي.

كان هذا الانسحاب، أشبه بالضوء الأخضر لرجل السودان النافذ من جانب الدولة العربية؛ كي يكون وسيطًا بينها وبين بلاده، في سبيل  تذليل الصعوبات التي تحول دون توسيع النفوذ الإماراتي داخل السودان، وإخضاع حُكم البشير للسطوة الإماراتية.

تجلّت أدوار هذه الوساطة في لقاءاتٍ رسمية بين طه عثمان وولي العهد «محمد بن زايد» بقصر الشاطئ، مبعوثًا عن الرئيس السوداني، وأخرى مع «منصور بن زايد آل نهيان»، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة، خلال العام الماضي، ساهمت في إذابة الجليد بين البلدين، وإحياء النفوذ الإماراتي داخل السودان، بعد فترات خفوت وقطيعة دامت لسنوات.

تكلَّلت مساعي الفريق طه عثمان بنشاطٍ ملحوظ للاستثمارات الإماراتية على الأراضي السودانية بقيمة تُقدر بـ20 مليون دولار أمريكي، وزيارة استثنائية  للرئيس السوداني عُمر البشير إلى دولة الإمارات، في نوفمبر العام الماضي، برفقة الفريق عثمان طه، لرفع درجة التنسيق بين الجانبين.

منحت الإمارات لرجلها القوي مقابلًا ثمينًا حيال أدواره ووساطاته الممتدة، والتي شملت منحه حقَّ احتكار تصدير جمال السباق لها، ولعددٍ من الدول، وهي تجارة تُدر ملايين الدولارات. وشمل حجم مبيعاته للإمارات حوالي 300 جمل سباق في السنة، وللسعودية حوالي 2400 جمل سباق في السنة، ولمصر حوالي 1440 جمل ذبيح في السنة، بينما بلغ ثمن جمل السباق الصغير حوالي 80 ألف دولار.

«سمو الشيخ محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي نفسه علّق على الهجوم الذي تعرضت له، وقال إن تلك الحملة تستهدف تحريض الخليجيين على عدم التعامل معي، مثلما تُستهدف الإمارات نفسها»، كان هذا التعليق الذي صدر عن طه عثمان في مقابلة مع الجريدة السودانية «اليوم التالي» بعد تزايد غضب قطاعات واسعة من الشباب السوداني، في أعقاب تسريبات عن حصوله على وحدة سكنية فاخرة في منطقة الجميرة بدبي، بمبلغ يتجاوز 14 مليون درهم إماراتي.

تزامنت ليلة القبض على  الفريق طه عثمان، بمطار الخرطوم، بنشر صورةٍ لتحويلٍ بنكيّ إلى حساب الفريق طه ببنك أبوظبي، بقيمة 30 مليون دولار، فيما يبدو أن السلطة ترغب من وراء نشر هذا الإيصال إلى إيصال رسالة تُوحي بعلاقة غير مشروعة بين الفريق عثمان ودولة الإمارات.