ميرفت عوف 13
ميرفت عوف 13

2,829

عاشت الفتاة السودانية «نورا حسين» حياة هادئة ومستقرة حتى سن الخامسة عشر، فقط كانت تحلم بأن تصبح معلمة، لكن قرار والدها بتزويجها في هذا السن حول حياتها لجحيم انتهى بقتلها لزوجها؛ حين أجبرها على المعاشرة الزوجية مستعينًا بأقارب له.

تم احتجازها في مايو (أيار) 2017 في السجن، ثم صدر حكم بالإعدام عليها قبل بضعة أيام، هذا الحكم أثار ضجة كبيرة، وفتح ملف ظاهرة الزيجات القسرية، والزواج المبكِّر، المنتشر في السودان، وهو ملفٌ لم يقتصر تناوله داخليًا، بل تجاوز حدود السودان، فنشطت منظَّمات غير حكومية دولية بالحديث عن رفضها للحكم، وعن خطورة تلك الظواهر في المجتمع السوداني.

«نورا حسين».. حياةٌ صغيرة وجحيمٌ كبير

تحت وطأة الترهيب عُقِدَ قَرَان الفتاة السودانية «نورا حسين» على أحد أقاربها المقيم في منطقة سنار، وهي في سن 15، لكنَّها تمكنت فيما بعد هذا العقد من الهرب، والبقاء لدى أقارب أمِّها مدة ثلاث سنوات، بعدها استجابت لإلحاح والدها، وعادت إلى منزلها بعد أن أقنعها أنه أنهى زواجها؛ لتكتشف حين عادت أن ذلك لم يتمَّ، وبالفعل أرغمت على إجراء مراسم الزفاف، والانتقال إلى بيت زوجها في الخرطوم.

وجاء في تقرير منظمة العفو الدولية (أمنستي) أن نورا: «تزوَّجت وعمرها 16 عامًا، رغم إرادتها من عبد الرحمن محمد حماد، وكان حفل الزواج الأول شمل توقيع عقد الزواج بين والدها وعبد الرحمن. وأقيم الجزء الثاني من مراسم الزواج في أبريل (نيسان) 2017، عندما أُجبرت على الانتقال إلى منزل عبد الرحمن عند الانتهاء من الدراسة الثانوية. وعندما رفضت دخول زوجها بها، دعا عبد الرحمن اثنين من إخوته وابن عمه لمساعدته على اغتصابها»، وتابع التقرير: «وفي 2 مايو 2017، احتجز الرجال الثلاثة نورا حسين، بينما اغتصبها عبد الرحمن. وفي صباح اليوم التالي حاول اغتصابها مرة أخرى، لكنَّها تمكنت من الفرار إلى المطبخ حيث أمسكت بسكِّين. وفي الشجار الذي وقع بعد ذلك، أصيب عبد الرحمن بجروحٍ قاتلة بالسكين».

ويقول المحامي الفتاة «خضر الأمين» الذي انسحب من متابعة الدفاع لتعرُّضه لمضايقات: إنَّ نورا داخل السجن الذي تقبع به منذ مايو 2017: «كانت حزينة جدًا وفكَّرت في الانتحار، لكنَّها لم تجد وسيلة تنفِّذ بها ذلك»، ويتابع القول لصحيفة «الراكوبة» السودانية: «نورا لم تكن راغبة في الزواج من شخص خُطبت له قبل ثلاث سنوات، وتعرَّضت للضرب والإكراه والتعنيف وطلبوا منها في أحايين كثيرة أن تُبدي علامات الرضا على وجهها عندما يُحضر لها هدية، كانت كلما تعترض تتعرَّض للضرب حتى وهي ترتدي ملابس الزفاف؛ إذ كانوا يقومون بإدخالها إلى إحدى الغرف ويضربونها ويطلبون منها أن تبتسم وتبدي سعادتها بالزواج وقد فعلت ذلك، وهي مُرغمة».

حكمت بالإعدام وأهلها تخلّوا عنها!

«سمحوا لنا بدخول القاعة وجلست في المقدمة مع زميل لي. انتظرنا 20 دقيقة حتى دخل القاضي وسمح بدخول نورا. كانت وحيدة، ولم يكن هناك أي فرد من عائلتها»، هذا ما قاله أحد المناصرين لقضية نورا بعد أن تمكَّن من حضور جلسة الحكم بالإعدام.

محكمة أم درمان وسط (المصدر: جزيرة)

فنورا التي تُحتجز في سجن «أم درمان النسائي» منذ مايو 2017، والتي سلَّمها والدها بنفسه لقسم الشرطة بعد قتلها زوجها، تخلَّى عنها أقاربها، ولم يقم أحد بزيارتها في السجن؛ لأسبابٍ تتعلق بالخوف من الثأر القبلي بين الأسرتين، كما تقول المصادر السودانية.

 ففي العاشر من مايو الحالي، صدر حكم الإعدام شنقًا بحق نورا بتهمة القتل العمد، بعد أن تمّ إدانتها في 29 أبريل 2018 بتهمة القتل العمد في المحكمة الجنائية المركزيَّة بأم درمان، فقد وجد القاضي «إبراهيم إسماعيل» أنَّ الفتاة مذنبة بقضيَّة طعن زوجها وقتله، كما رفض أهل القتيل أخذ الدية وتمسكوا بالقصاص، وشهدت قاعة محكمة الجنايات في منطقة «أم درمان» فرحة من قبل ذوى القتيل، ونقل  عن محامي الاتهام عن أولياء الدم علي حسن عبد الرحمن قوله لـ«التغيير الإلكترونية»: إنّ «هذا الحكم عادل وأشفى غليل موكليه، الذين فقدوا ابنهم، وأنهم الآن يمكن أن يجلسوا في تسوية للقضية».

ورفضت المحكمة السودانيّة أخذ قضية الاغتصاب ضمن حيثيات القضية، باعتبار أنَّ الزواج تمَّ بشكلٍ شرعيٍ، فقد طبَّق القاضي قانونًا لا يعترف بالاغتصاب في إطار الزواج، وحوكمت بموجب القانون الجنائي 1991، لكنَّ هذا الحكم الذي أحدث ضجة تجاوزت حدود السودان، يتبعه حق الاستئناف خلال 15 يومًا.

ونقل عن نائب المدير الإقليمي لمنطقة شرق أفريقيا في القرن الأفريقي «سيف ماغنغو» قوله: «كانت نورا حسين طوال حياتها ترغب في أن تصبح مُعلِّمة، لكن انتهى بها الأمر إلى إرغامها على الزواج من رجل أساء معاملتها، وقام باغتصابها وتعذيبها بوحشية. وها هي الآن يُحكم عليها بالإعدام من قبل محكمة رفضت الاعتراف بوجود اغتصاب في إطار الزواج. فنورا حسين تعتبر ضحية، والحكم الذي صدر ضدها أمر بالغ القسوة لا يقبله عقل»، ومضى يقول: «تشكِّل عقوبة الإعدام أقصى العقوبة القاسية، واللاإنسانية والمهينة، وتطبيقها على ضحية الاغتصاب يبرز فقط تقاعس السلطات السودانية عن الاعتراف بالعنف الذي تحملته نورا. ويجب على السلطات السودانية أن تسقط هذه العقوبة الفادحة الجور، وضمان إعادة محاكمة نورا محاكمة عادلة تأخذ بعين الاعتبار ظروفها المخففة للعقوبة».

لماذا اعتبر المتضامنون مع «نورا» الحكم غير مقبول؟

اعتبرت المنظمات الحقوقية قضية نورا قضية دفاع عن النفس، وكذلك حمَّلوا القانون السوداني مسئولية القصور في معالجة مثل تلك القضايا، وذلك عبر سماحه بزواج الأطفال فوق سن العاشرة، وعدم تجريمه للزواج القسري، وكذلك الاغتصاب الزوجي.

فتاة سودانية ترفع شعار (العدالة لنورا)

واعتبرت قضيَّة نورا مركَّبة ومتداخلة؛ ففيها زواج الطفلات والتزويج القسري والعنف المنزلي واغتصاب الزوجات، كما قال الحقوقيون المتضامنون مع نورا أنَّ المحكمة تجاهلت وجود ظروف مخفِّفة للحكم، مثل الاستفزاز الشديد قبل إصدار هذا الحكم، وتجاهلت حقيقة وجود شبهات على بطلان هذا الزواج لعدم قبول الفتاة بهذا الزواج؛ وهو الأمر الذي يجعل ما قامت به نورا يقع في خانة الدفاع عن النفس ضد الاغتصاب.

وقد أدانت «منظمة العفو الدولية» الحكم الذي صدر بحقِّ نورا، واتهمت السلطات السودانية بالتقاعس عن التصدِّي لقضية زواج الأطفال، والزواج القسري والاغتصاب في إطار الزواج، واعتبرت المنظَّمة أنَّ نورا «ضحيَّة، والحكم عليها قاسٍ وغير مقبول، وعلى السلطات السودانية إلغاء الحكم وضمان محاكمة عادلة تأخذ بعين الاعتبار الظروف المخففة»، أمَّا العاملة في منظمة «المساواة الآن»، ياسمين حسن، فتقول: إنّ «السودان مجتمع ذكوري، تُجبر فيه الفتيات على الزواج في سن العاشرة، والرجال فيه أوصياء على النساء»، وتضيف لـ«بي بي سي»: «نورا فتاة مشاكسة كانت تريد مواصلة الدراسة، وكانت تريد تحقيق أشياء جميلة في الحياة، ولكنها وقعت في فخ نصب لها؛ فهي ضحية هذا النظام».

كما جاء في بيان مجموعة «لا لقهر النساء» السودانية، أن « المذكور قام باغتصابها بمساعدة شقيقه وأحد أقاربه، وأمام ناظريهما؛ ما شكّل عنفًا مُفرطًا وغير مسبوق، وفي نهجٍ مفارق لكل القيم والمعاني النبيلة، ثم حاول في اليوم التالي أن يكرر فعلته، ويجعل من اغتصابه لها عملًا بطوليًّا؛ فأحضر أداة الجريمة من المطبخ، وقام بتهديدها بالقتل إن لم تستجب، فاستسلمت له، وأثناء فعلته كان بقلبها بركان مكتوم، وقلبه هادئًا وباله مطمئنًا، فما كان من الضحية جريحة النفس والجسد؛ إلى أن سددت له طعنات بعد أن فقدت فيه الثقة، وفقدت في نفسها القدرة على العيش مع شخص عرّض بها، ومثّل بجسدها أمام الآخرين كمثل ذئبٍ بشريٍّ جائع».

فتيات سودانيات (المصدر: جيتي)

وتابع البيان: «هذه الحادثة الأليمة والمفجعة تُعتبر فيها الجانية ضحية في المقام الأول، علاوة على أن القانون السوداني نفسه أقرّ بالاستفزاز الشديد كداعي لمنع عقوبة الإعدام، وكيف يُجرِّم القانون سيدة لا حول لها ولا قوة تعرضت لأبشع أنواع التنكيل والقهر بتزوجيها قسرًا وهي طفلة، وإجبارها عنوة على مواصلة الزواج بالإكراه لتتعرض في نهاية هذه المأساة للاغتصاب؟ وهل كانت الضحية مبيتة لنية القتل قبل أن يُمارس عليها هذا الأذى الجسيم؟».

«الزواج عنوة والاغتصاب الزوجي»

أثارت قضية نورا الجدل في السودان حول ملفي «الزواج عنوة والاغتصاب الزوجي» الذي لا يجرم قانونيًا في السودان، وكذلك ملف الزواج المبكر؛ إذ يسمح القانون السوداني بالزواج في سن العاشرة. وتوضِّح الصحافية السودانية، أمل هباني، أنّ «الاغتصاب الزوجي ومعاشرة الزوجات بالإكراه أمرٌ منتشر في المجتمع السوداني بين جميع الأزواج، متعلِّمين وغير متعلمين، ويحمّل القانون السوداني المسؤولية؛ لأنه لا يجرِّم الاغتصاب الزوجي، ولا يعتبر ممارسة الجنس بتعنيف الزوج لزوجته وإكراهها على الممارسة جريمة».

فتاة ترفع شعار مناهض للعنف الزوجي (المصدر : أصوات مصرية)

وفيما يتعلَّق بالزواج المبكِّر، تظهر الإحصاءات الرسمية السودانية أن 38% من النساء في السودان يتزوَّجن في سنٍّ مبكرة، بل إنه في جنوب السودان تتزوَّج أكثر من 25% من الفتيات قبل سن الثامنة عشر، وتؤكِّد الدراسات الحديثة في السودان على الخطورة الصحية لزواج الطفلة؛ إذ من الممكن أن تتعرض لأمراض يؤدي بعضها إلى الوفاة؛ وذلك بسبب عدم اكتمال نمو الفتاة الجسدي والنفسي والاجتماعي، يقول الطبيب «محمد علي»: إنّ «زواج الفتاة قبل اكتمال النضج له تأثيرات سالبة ومؤثرة تظهر جليًّا في فترة الحمل وبعد الولادة، وصولًا إلى تربية الطفل، كما يسبب لها اضطرابًا سلوكيًّا؛ لأنها في سنٍّ تحتاج إلى رعاية، فتجد نفسها مسؤولة عن رعاية آخرين، خاصة إذا كان الزوج لا يناسبها، وهذا دائمًا ما يقود إلى الطلاق والنزاع حول تربية الأطفال»، كما أضاف لـ«الصيحة» السودانية: «من الآثار الجسدية أن الفتاة الصغيرة أو الطفلة، وحينما تتزوج، فإنها تتعرض إلى أذى جسدي عند فض غشاء بكارتها لصغر سنها، وهذا يتطلب تدخلًا جراحيًا، خاصة إذا كانت مختونة، ولهذا انعكاسات سالبة على مستقبل الطفلة خاصة فيما يتعلق بحملها».