«النظام السوداني السابق ساهم في تدريب وتسليح الميليشيات المسلحة في العاصمة طرابلس»، ألقى الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الليبي، اللواء أحمد المسماري، الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الاتهام السابق، في جعبة الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، مباشرة بعد عزله في أبريل (نيسان) 2019.

المسماري لم يصمت عند ما سبق، بل أعلن أمله في أن يتعاون المجلس العسكري الانتقالي في السودان مع «قيادته»؛ من أجل التصدي لما أسماهم «المجموعات الإرهابية»، وهو ما تحقق بالفعل، وفند ما أعلنه المجلس العسكري السوداني أنه لم يرسل أي قوات سودانية إلى الخارج، باستثناء القوات التي تحارب ضمن التحالف العربي، الذي تقوده السعودية في اليمن.

فقد توالت المعلومات، التي تؤكد مشاركة قوات الدعم السريع، المعروفة باسم «الجنجويد»، والتي يتزعمها نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، للقتال في ليبيا، لصالح حفتر، وضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا.

بعد عزل البشير.. حميدتي يعجل بإنقاذ حفتر

«قسم من أسلحة القوات التي دخلت طرابلس كان سودانيًا 100%».

هذا ما قاله الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، بعد الثورة الليبية، التي اندلعت أواسط فبراير (شباط) 2011، وأسقطت نظام القذافي، الذي «عانى منه الشعب السوداني»، كما قال البشير.

 

لذا لن تشهد علاقة الخرطوم بحكومة الوفاق الوطني، المعترف بها دوليًّا، أي توتر، بيد أن حكومة اللواء المتقاعد، خليفة حفتر، عكفت على اتهام حكومة البشير «بدعم الجماعات الإرهابية في ليبيا وتدريبها، وتوفير السلاح عبر الحدود السودانية»، فيما كانت الخرطوم تنفي أي صلة لها بأطراف النزاع في ليبيا، ردًّا على اتهامات قوات خليفة حفتر.

لكن ما لبثت الأمور أن تغيرت مع فترة صعود رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى السلطة في السودان، فخلال زيارة الرجل إلى الرياض في مايو (أيار) 2019، قدم ضمانات للسعودية بدعمها في الحرب باليمن، على أن تكون الخطوة التالية هي أن يقدم حميدتي التزامًا مشابهًا في ليبيا.

وجاءت تلك المعلومات مع الإشارة إلى وجود 600 رجل من قوات الدعم السريع في الجفرة، جنوب سرت التابعة لحفتر، مما يعني ظهور قوات سودانية جديدة شبه عسكرية بلا حدود، وهو أمر تحدثت عنه صحفية عربية في السابع من يوليو (تموز) الماضي، إذ أكدت صحيفة «العربي الجديد» أن: «مسؤولين في الإمارات أبرموا خلال الفترة الأخيرة، اتفاقات لتزويد مليشيات خليفة حفتر، بمسلحين من السودان ودول أفريقية مجاورة، وذلك بتمويل من أبوظبي والرياض».

بيد أن ما ذكرته الصحفية لم يتسن تأكيده حينها، حتى تمكن النشطاء الليبيون من الحصول على مقاطع فيديو وتسجيلات تثبت وجود قوات سودانية داخل أراضيهم، تقاتل إلى جانب حفتر في معركته للسيطرة على العاصمة طرابلس، التي انطلقت في الرابع من أبريل الماضي، وتظهر التسجيلات اعترافات عناصر سودانية يرتدون زيًّا عسكريًّا، ويقاتلون في صفوف قوات حفتر، اعترفوا بأنهم قاتلوا مقابل المال.

كذلك كشفت قضية استعانة المجلس العسكري السوداني، الذي استولى على السلطة في انقلاب أبريل 2019، بشركة «ديكنز آند مادسون» الكندية لتحسين صورته، عن إبرام تحالف بين المجلس العسكري السوداني لتوفير «المساعدة العسكرية» لحفتر، مقابل الحصول على أموال من السودان.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

تدفق المرتزقة السودانيين إلى ليبيا ممنهج

في الرابع من أغسطس (آب) الحالي، كشف موقع «ميدل إيست آي» البريطاني أن نحو ألف من أفراد قوات الدعم السريع السودانية حطوا رحالهم، قبل أيام في شرق ليبيا؛ للقتال إلى جانب حفتر، وذكر الموقع أن أعداد تلك العناصر قد يرتفع إلى 4 آلاف فرد، في الأشهر القليلة المقبلة، وأن مستندات خاصة بدولة الإمارات، التي تدعم حفتر، أظهرت صدور تعليمات بنقل المقاتلين السودانيين إلى ليبيا، عبر دولة إريتريا المجاورة.

 

وسرعان ما أكدت حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًّا، أن أغلب من سقط من قوات حفتر قتلى، وعددهم 1100، من المرتزقة السودانيين، الذين جُندوا مؤخرًا، كما أن بعض هؤلاء المرتزقة وقعوا أسرى، ويقبعون الآن في سجون الوفاق، التي أبلغت المنظمات الدولية بشأنهم، وجاءت لزيارتهم.

يقول الخبير العسكري والاستراتيجي، والعقيد في الجيش التابع لحكومة الوفاق الوطني، عادل عبد الكافي لـ«ساسة بوست»، إن: «الموقف السوداني تجاه ليبيا اختلف كثيرًا بعد أن تولى حميدتي السلطة، إذ أصبح تدفق المرتزقة السودانيين ممنهجًا، وبأعداد كبيرة؛ لدعم حفتر، وبتمويل إماراتي كبير، ويشدد عبد الكافي على أن المعارك مع حفتر أثبتت أن أعداد المرتزقة كبير جدًا، ناهيك عن أن اعتراف عدد كبير من الأسرى عن طرق تجنيدهم كشف أن هؤلاء خدعوا بأن وجهتهم كانت اليمن، ثم وجدوا أنفسهم في ليبيا».

ويضيف عبد الكافي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «الإمارات تسعى لإفشال الثورة الليبية، والسيطرة على الموارد الاقتصادية في ليبيا، وتريد تثبيت حكم عسكري ديكتاتوري موالٍ لها في ليبيا؛ لذا توجهت نحو التنسيق مع حميدتي من أجل تدفق المرتزقة إلى ليبيا، ويقابل تعاون القيادات الجديدة في السودان، وقبولهم بالدور الإماراتي، وعد مالي غير محدود؛ لتمكينهم من السودان».

فيما يرى الناشط السياسي حامد الزوي، أن قوات من الجنجويد التي كانت تقاتل باليمن قد سُحبت، وبأمر من الإمارات توجهت تلك القوات إلى جنوب ليبيا ومرزق وبعض المناطق في الجنوب، ودخلت إلى جنوب طرابلس؛ للمشاركة في معركة طرابلس، ويوضح الزوي أنه: «بعد خسارة حفتر في غريان، وانهيار قواته، كان يجب على الدول الداعمة أن تستعين بقوات أخرى؛ لأن المنطقة الشرقية التي كان يعول عليها حفتر في حربه على طرابلس، بعد خسارة غريان، لم تعد تصدر له المقاتلين، وكان الحل الاستعانة بقوات من الجنجويد السودانية، سُحبت من اليمن وأُرسلت إلي ليبيا».

تدفق الجنجويد لصالح حفتر سيستمر

نجحت مصر، والسعودية، والإمارات في الاحتفاظ بنفوذها في السودان، عبر الزج بأصحاب سلطة موالين لها في الخرطوم، ثم استغلت هذا النفوذ من أجل إحداث تأثير في موازين القوى في ليبيا لدعم الجنرال الليبي، خليفة حفتر، في معاركه التي يخوضها ضد حكومة الوفاق.

الرئيس المصري وولي عهد أبوظبي

وبرز الدور المصري واضحًا؛ إذ سرعان ما أرسل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رئيس مخابراته، عباس كامل، إلى السودان، عقب اندلاع الاحتجاجات في السودان، في محاولة منه لضم السودان إلى الحلف المؤيد لحفتر، وقد شجع السيسي وجود عبد الفتاح البرهان في القيادة السودانية الجديدة؛ فالبرهان الذي أشرف سابقًا على عملية إرسال جنود سودانيين إلى اليمن، ضمن قوات التحالف، يمثل عنصر ربط بين مصر وبين الإمارات والسعودية.

ولا يستبعد الباحث السوداني، عباس محمد صالح، مشاركة قوات الدعم السريع في الاقتتال في ليبيا؛ لوجود صلات قوية بين قائد هذه القوات وداعمي حفتر، أي أبوظبي والقاهرة، خاصة أنها قوات تملك قدرات قتالية وعددية كافية لإسناد قوات حفتر، والتي تعثر مخططها للسيطرة على العاصمة طرابلس بالقوة.

ويوضح صالح: «لو حدث تغيير في سياسات الحكومة الانتقالية الجديدة تجاه مسألة مستقبل انتشار هذه القوات خارج البلاد، في اليمن وليبيا، فلن يكون له تأثير في وجودها في ليبيا؛ نظرًا إلى حاجة حلفاء حفتر لهذه القوات، واحتمالات استمرار وجود عناصرها هناك، حتى خارج إطار هذه القوات»، كما أنه في المدى المنظور ستكون الحكومتان في طرابلس والخرطوم، عاجزتين عن التعامل مع تدخل قوات الدعم السريع لصالح حفتر؛ بسبب المناخ السياسي الذي تعمل فيه الحكومتان، وتوفُر غطاء دولي للمحور الإقليمي، الذي تقوده أبوظبي، يسمح لها بمثل هذه الممارسات.

ويشدد صالح خلال حديثه مع «ساسة بوست»، على أن معرفة عناصر الدعم السريع لطبوغرافية الأراضي الليبية، يسهل مهمتهم هناك، كما أن القتال بالنسبة لهم، بوصفهم أبناء مجتمعات مهشمة ومحرومة من التنمية في السودان، هو بمثابة مصدر للدخل لهم، خاصة أن سوق تجنيد المقاتلين، وسط القبائل العربية خاصة، توسع مؤخرًا توسًعا كبيرًا، وبات يشمل السودان، والنيجر، وتشاد، وربما مالي.

ويعتقد صالح أن وجود هذه القوات في ليبيا سيستمر لعدة أسباب، أولهما أن منطقة دارفور غرب السودان، والتي تجاور الحدود الليبية، تعد مصدرًا للمقاتلين الأجانب لفترات طويلة، إذ سبق لخليفة حفتر أن استخدم حركات التمرد الدارفورية مرتزقةً، إبان معاركه في مناطق الهلال النفطي، وقبلها في «عملية الكرامة» في بنغازي عام 2014، بشهادة خبراء الأمم المتحدة.

من العداوة إلى التحالف.. كيف غيرت الثورة علاقة حميدتي بالجيش السوداني؟

المصادر

تحميل المزيد