في ستينات القرن الماضي كانت السودان هي الدولة الأولى في المنطقة العربية التي تقود حراكًا سياسيًا وثورة شعبية ضد الحكم العسكري الديكتاتوري، في وقتٍ كانت فيه أغلب الدول العربية المستقلة قد وقعت أسيرة لحكمٍ عسكري ارتضته دون مقاومة.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 1964 اشتعلت ثورة شعبية ملحمية في السودان ضد الديكتاتورية العسكرية المتمثلة في الفريق إبراهيم عبود وذلك بعدما قام بإنقلاب عسكري على أول حكم ديمقراطي للسودان بعد الاستقلال عام 1958، وقد كانت ثورة أكتوبر، تتويجًا لحراكٍ شعبي ضخم، ضم الأطياف المختلفة للشارع السوداني، إضافةً إلى كل القوى السياسية السودانية تقريبًا. انطلقت فيه المظاهرات من جامعة الخرطوم، حتى سيطرت على الشوارع والمدن، وأمام هذا الضغط الشعبي اضطر الرئيس الفريق إبراهيم عبود إلى التخلي عن منصبه وحل المجلس العسكري ومجلس الوزراء، وسُلِمت السلطة إلى حكومة قومية بقيادة سر الختم الخليفة، أول رئيس وزراء سوداني لحكومة أكتوبر.

يقول الدكتور عبد الله علي إبراهيم، أستاذ التاريخ الأفريقي في جامعة «ميسوري»: «إن ثورة أكتوبر، وعلى الرغم من سلميتها، نما لها كثير من الأعداء، أطلقوا عليها ثورة الصدفة، ولهذا يقول: «إذا سمى هؤلاء أكتوبر صدفة، فلأنها ربما كانت أجمل من توقعاتهم كثيرًا وأذكى فؤادًا وأرحم بالمحكومين»، فكيف استطاع السودانيون قبل نصف قرن أن يصبحوا أول من أسقط حكم عسكري ديكتاتوري بين الدول العربية؟

سوار الذهب.. قصة جنرال قاد انقلابًا في السودان من أجل الديمقراطية!

العسكر يحكم.. الفريق إبراهيم عبود رئيسًا

لا شك بأن هناك الكثير من ضحايا الدستورية في الدول التي خضعت قديمًا أسيرة المستعمرات البريطانية، وهو أمر يدعو للأسف؛ إذ رأى الفلاسفة الإغريق أن هناك قانونًا بموجبه تستبدل بالدول الأرستقراطية حكمًا ديمقراطيًا، لكنه سرعان ما يتم القضاء عليه، لتحل محله ديكتاتوريات. *ليو سيلبرمان

كان الكاتب والمؤرخ البريطاني ليو سيلبرمان قد أشار في مقالٍ نُشر بمجلة «الشؤون البرلمانية» التابعة لأكاديمية «أكسفورد»، إلى أن السودانيين وعقب تحولهم إلى النظام الديمقراطي، من عام 1955 وحتى 1958، كانوا تجربة مثيرة للإعجاب؛ إذ كان أعضاء مجلس النواب يسارعون لحضور الجلسات بانتظامٍ ووقارٍ واحترام، وذلك حتى عام 1958، والذي أنذر ببداية النهاية للحكم الديمقراطي، وذلك بعدما تضمن بيان لجنة التوصيات للانتخابات البرلمانية القادمة ما نص على: «عدم تقديم رجال الأحزاب والتي تميل دعايتهم الانتخابية للتحريض.. إلى المحاكمات»، وذلك قبيل انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) العسكري.

في ذلك الوقت كانت حكومة الائتلاف الحزبي بقيادة عبد الله خليل بك رئيس الوزراء، قد وصلت إلى نقطة خلاف لا رجعة فيها، وذلك بين الحزبين المؤتلفين «حزب الأمة» و«الحزب الوطني الاتحادي»، وهو الأمر الذي استغله جيدًا الرجل الأول في المؤسسة العسكرية إبراهيم عبود، إذ خطط عبود إلى سحب الثقة من رئيس الوزراء عبد الله خليل خلال جلسة البرلمان المنعقدة، والتي أذاع فيها الفريق بيانه الأول الذي أوقف بمقتضاه العمل بالدستور، كما قام بحل البرلمان، ومنع العمل الحزبي، وترأس السودان.

كمال عبد المعروف.. كلمة السر في صمود عرش البشير بوجه الاحتجاجات

«هنا أم درمان، أيها المواطنون، كلكم يعلم تمامًا ما وصلت إليه حالة البلاد من سوءٍ وفوضى، وعدم استقرارٍ للفرد والمجموعة، وقد امتدت هذه الفوضى والفساد إلى أجهزة الدولة والمرافق العامة بدون استثناء؛ كل هذا يرجع أولًا وأخيرًا لما تعانيه البلاد من الأزمات السياسية القائمة بين الأحزاب جميعها، كلٌ يريد الكسب لنفسه بشتى الطرق والأساليب المشروعة منها وغير المشروعة، وكل ذلك ليس حبًا في إصلاح وحفظ استقلال السودان»، كان هذا هو البيان الأول للفريق السوداني إبراهيم عبود، عقب انقلابه على الحكم الديموقراطي الأول للسودان، وبداية حكمٍ ديكتاتوري فيها.

كان إبراهيم عبود هو ثاني رئيس للسودان بعد الاستقلال، ودامت فترة حكمه ستة سنوات، وفي عهده نشبت الحرب بين جنوب وشمال السودان؛ إذ يتهمه خصومه، خاصةً الجنوبيين منهم بأنه اعتمد الأسلمة والتعريب لمدن الجنوب قسريًا، وأنشأ المعاهد والمدارس الإسلامية، كما قام بالحد من نشاط الجمعيات التبشيرية.

وفي عام 1960 أصدر قانون بتحويل العطلة الرسمية الأسبوعية إلى يوم الجمعة بدلًا عن الأحد في مدن الجنوب، ذلك وقد إشتد في عهد عبود القمع الداخلي، بعدما قام بحل التنظيمات السياسية كلها، سواء كانت للرجال أو النساء، كما صادر بعض الصحف، وقام بتقييد حرية التعبير حتى أصبحت الحياة السياسية خانقة، ونما أعداء كثر للنظام الحاكم، وتوالت محاولات الانقلاب على هذا الحكم الديكتاتوري، إلا أن عبود قد سعى لإخمادها جميعًا بالحديد والنار، حتى أنه لم يتوانى عن إصدار مجموعات من أحكام الإعدام للمشاركين في تلك الانقلابات، في محاولة للسيطرة على البلاد.

وقد عانى الاقتصاد السوداني من الانهيار آنذاك، وتصاعدت حدة النزاعات في الجنوب، مما عمل على ازدياد السخط الشعبي ضده، وبدأت انتفاضة شعبية أطاحت بحكومة الفريق إبراهيم عبود، وازيح عن السلطة في 21 أكتوبر عام 1964، وتم تسليم السلطة إلى حكومة ائتلافية.

إرهاصات ثورة أكتوبر

منذ عام 1959، بدأت تظهر ملامح الإعتراض الشعبي على الحكم العسكري وحكومة نوفمبر، خاصةً بعدما اتفقت حكومة عبود مع الدولة المصرية على تهجير أهالي وادي حلفا عن منازلهم وأراضيهم من أجل بناء السد العالي، وذلك مقابل تعويضاتٍ مالية تقدر بحوالي 15 مليون جنيه مصري، وقد وعدت الحكومة سكان حلفا حينذاك بأحقية اختيار موطنهم، إضافةً إلى تعويضات مالية مجزية لكل عائلة، إلا أنهم قد نكثوا بوعودهم، ولم يجد سكان وادي حلفا بديلًا عن المظاهرات للتعبير عن السخط الشعبي. بدأت المواجهات بين النظام الحاكم والمدنيين الذين خرجوا في مظاهراتٍ رافضة للحكم الديكتاتوري منذ ذلك الحين، وقد وصل الأمر إلى الحركات الطلابية في الجامعات، وتحديدًا «جامعة الخرطوم»، والتي انطلقت منها شرارة الثورة الأولى بعد ذلك بخمس سنوات.

ما أشبه اليوم بالبارحة.. ما الذي أخذه البشير في خطابه من سابقيه بن علي ومبارك؟

كان عام 1963 عامًا مفصليًا في التاريخ السوداني، ينذر ببداية النهاية لفترة حكم الفريق عبود، وكان أشد خطرٍ تواجهه السلطة حينذاك قادمًا من الجنوب؛ إذ تعرض الجنوب وعلى مدار سنوات الحكم العسكري إلى حملاتٍ ممنهجة تسعى إلى توحيد المناهج التعليمية بين الشمال والجنوب وفتح المدارس الإسلامية في الجنوب المسيحي لتعليم القرآن الكريم، كما توقفت نشاطات الإرساليات المسيحية التبشيرية، مما عمل على تقليب الوضع، خاصةً بعدما طرد الحكم السوداني حوالي 300 رجل دين مسيحي.

وعلى الرغم من أن حركة التضييق على الحريات و التعسف والقمع تشمل مدن الجنوب والشمال على حدٍ سواء، إلا أنه في فيلم وثائقي عن ثورة أكتوبر السودانية من إنتاج «الجزيرة»، أشار إلى أن تلك الموجات كانت عاملًا أساسيًا لنشاة حركة تمرد سودانية عرفت بإسم «الانيانيا»، وهي جيش انفصالي من جنوب السودان تم تأسيسه خلال فترة الحرب الأهلية السودانية الأولى، وقد قام بالهجوم على الثكنات العسكرية والمراكز الحكومية، لتبدأ من هنا شرارة الحرب الأهلية بين جنوب وشمال السودان والتي استمرت من عام 1955 وحتى 1972.

 الثورات في العالم كله تقوم فجأةً وتبدأ من نفوس الأفراد والمظلومين والمضطهدين والمنسيين. *حسن الترابي

كان الحرم الجامعي في الخرطوم مسرحًا تدار من خلاله الحراكات السياسية الطلابية، وقد شهد عام 1964، بدايةً لمجموعة من الندوات العلمية، يعقدها الاتحاد الطلابي، وتناقش من خلالها مشاكل البلاد؛ وفي سبتمبر (أيلول) من نفس العام، عقد اتحاد الطلاب ندوة لمناقشة الأوضاع في الجنوب، تحدث فيها نخبة بارزة من القيادات السياسية المختلفة، كان من بينهم عميد كلية القانون الدكتور حسن عبد الله الترابي، والذي كان له حوار ملحمي أشار فيه إلى أن أزمة الجنوب هي أزمة دستورية أولًا، وأن الاعتداء على الحريات يحدث في الشمال والجنوب على حدٍ سواء، إلا أن هناك ظروفًا قد قادت الجنوب إلى التمرد، وحل تلك الأزمة يكمن في انتهاء الحكم العسكري من البلاد، وعودة الجيش إلى ثكناته.

تبع ذلك مجموعة من التشديدات الأمنية؛ إذ منع النظام الحاكم قيام الندوات العلمية داخل الحرم الجامعي، وهو ما دفع الاتحاد الطلابي إلى توجيه مذكرة حادة اللهجة إلى المجلس العسكري اعتقل على أساسها قيادات الاتحادات الطلابية،  فاضطر الطلاب حينذاك إلى تكوين لجنة أخرى للاتحاد بديلة للمعتقلة، وفي 21 أكتوبر من عام 1964، تم الإعلان عن ندوة علمية جديدة داخل الحرم الجامعي، وكانت النتيجة هي محاصرة قوات الأمن لجامعة الخرطوم بهدفِ منع الطلاب من حضور الندوة، وعندما أصرَّ الطلاب على الحضور هاجم ضباط الشرطة الحرم الجامعي تحت سطوة السلاح والغاز المسيل للدموع، لتكون تلك هي المواجهة الحقيقية الأولى بين القوات النظامية وحركات الطلاب. وتجدر الإشارة إلى أن الشرطة استخدمت خلال تلك المواجهات الرصاص الحي لأول مرة، وسقط أحمد القرشي طه شهيدًا.

«أحمد القرشي شهيدنا الأول».. ثورة شعب ضد العسكر

«في 21 أكتوبر عام 1964، وعلى أبواب الحمام المسائي بجامعة الخرطوم، سقط الشهيد الأول في الثورة السودانية. كان أحمد القرشي طه الطالب بكلية العلوم في طريقه من غرفته بالسكن الجامعي لأخذ حمام المساء، عندما أسقطته رصاصة غير مقصودة، أنهت حياته في ملابساتٍ غامضة، ليصبح شهيد ثورة أكتوبر الأول»، كانت تلك هي الرواية الأولى لموت القرشي، تلك الرواية التي تناولتها الصحف ووسائل الإعلام، عن أن القرشي قد مات صدفة، وليس غدرًا، ولم يشترك في مظاهرة أو يسعى إليها، بل كان ذاهبًا للاستحمام ونظافة الأبدان، يدندن بعض الأغاني السودانية غير مهمومًا بما يدور خارج الحرم الجامعي أو داخله.

يقول المؤرخ والمفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم: «إن تلك رواية مغلوطة تسعى لإسقاط صفة الشهادة عن شهيد ثورة السودان الأول»؛ إذ يروي إبراهيم جزءًا من مخطوطة البروفيسور كليف تومسون والذي كان محاضرًا في كلية القانون بجامعة الخرطوم إبان الأحداث، قائلًا: «إن تومسون كان يسعى لتدوين أحداث ثورة أكتوبر ويومياتها وفقًا لما رآه»، وعن ذكر الليلة التي مات بها القرشي يقول: «كان نحيلًا، يرتدي بنطالًا وقميصًا أبيض كفكف أكمامه إلى منتصف ساعده، وقد عُرف عنه أنه كان يساريًا منذ دراسته الثانوية، وفي يوم الحادث وبعد هجوم الشرطة على الحرم الجامعي إحتمى الطلاب بغرفهم الداخلية وممر الحمامات ليقاوموا الشرطة على طريقتهم، فكانوا يحملون الحجارة ويلقونها على قوات الأمن ظنًا منهم أن الرصاص الذي ينطلق من بنادق الشرطة غير حقيقي».

وعن القرشي يضيف أنه كان أحد هؤلاء الطلاب، قائلًا: «أمسك بحجر وقفز من فوق الحائط القصير وركض حتى أصبح على بعد 20 قدمًا من طرف الداخلية، حينها توقف وهمس بشئ وألقى بالحجر على جانب الشرطة»، سمع الجميع صوت الطلق الناري، ورأوا الرصاصة تخترق رأس القرشي قرب حاجبه الأيمن وتخرج من مؤخرة الجمجمة، وسال خيط من الدم بين شفاهه.

الطالب الشهيد أحمد القرشي

يقول عن ذلك الباحث في التاريخ السياسي معتصم أحمد الحاج: «كانت المواجهة العنيفة من قبل الشرطة لمنع إقامة ندوة علمية داخل الحرم الجامعي، ومن ثم الاشتباك مع طلاب الجامعة، واستخدام الرصاص الحي، وسقوط قتلى، أمرًا جديدًا على أهل السودان؛ مما مثل للشعب أكبر استفزاز».

استمرت المواجهات بين الشرطة والطلاب حتى الحادية عشر ليلًا، نتج عنها 19 مصابًا وجريحًا. وكان موت القرشي أول مسمار دق بنعش النظام العسكري وحكومة إبراهيم عبود الديكتاتورية؛ إذ كان انتهاكًا صريحًا لحرمة الجامعة، تبارى بعده الأساتذة الجامعيون في تقديم استقالاتهم اعتراضًا. وفي صباح الخميس 22 أكتوبر، خرج الطلاب من كل الجامعات السودانية، لتشييع جثمان الطالب الشهيد، المقتول بيدِ الشرطة، واحتشد العمال في كل النقابات، وخرج الشعب السوداني يتقدمه القادة السياسيون، وأصبحت الجنازة وسيلة لإثبات موقفٍ سياسي تحت شعار: «إلى الثكنات يا حشرات».

فتحول تشييع الجثمان إلى مظاهرة ضخمة، وتحولت المظاهرة إلى ثورة شعبية. كانت الجنازة تحمل غضبًا شعبيًا عارمًا، حُرقت على أثره سيارات الشرطة في شوارع الخرطوم، وبدأت الهتافات الشعبية تردد بإسقاط النظام، ثأرًا لمقتل القرشي.

لم تكن تلك هي المظاهرة الأخيرة؛ إذ تلى ذلك مظاهراتٍ عارمة اندلعت في المدن السودانية كافةً واستمرت لأسبوع كامل حتى 28 من أكتوبر، حتى علمت الجموع الشعبية أن الفريق عبود قد رفض تسليم السلطة، حينها انتفض الشعب السوداني، وقرر الزحف من حرم جامعة الخرطوم نحو القصر الرئاسي، كان هتافهم: «إلى القصر حتى النصر» وقتما تصدى لهم الحرس الجمهوري ليسقط 22 شهيدًا جديدا من بين المجموع.

تم تأسيس مجلس ائتلافي يمثل كل قطاعات الشعب والأحزاب والنقابات، وفي 30 أكتوبر أعلن المجلس قراره الأول بإجبار الفريق عبود على حل المجلس العسكري، واستمرت المظاهرات حتى مارس (آذار) من عام 1965، وارتفعت مطالبها حتى أجبر الفريق إبراهيم عبود التنازل عن السلطة، وتسليمها إلى حكومةٍ انتقالية، وكانت السودان حينها هي الدولة العربية الأولى في التاريخ المعاصر التي ثارت ضد الحكم العسكري، واستطاعت الإطاحة به.

سيد البقاء.. كيف أخضعت «عصا البشير» السودان ثلاثة عقود؟

المصادر

عرض التعليقات
s