في لحظةٍ فارقة عقب فض اعتصام القيادة العامة الدموي، بدأ السودانيون اعتصامًا شاملًا لانتزاع السلطة من أيدي العسكريين، سعيًا لأن يسحب الجيش سُلطته الفعلية على البلاد، وفي ظل بوادر نجاح الإضراب العام، يواجه المجلس العسكري التصعيد الجديد هذه المرة بدون حليفٍ خارجي طالما دفع به عبر حملة الاستقواء العلني التي دفعت الجيش لفض الاعتصام بالقوة، والتحلل من كافة اتفاقاته مع «قوى الحرية والتغيير».

لكن الخُطة في السودان لم تكتمل، شأنها شأن ما حدث في ليبيا؛ فالجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر فقد مظلة حلفائه الإقليميين منذ فشلت حربه على طرابلس، علنيًّا على الأقل، فالإمارات التي أمدته بطائراتها انتقدت المعركة، ومصر وفرنسا رحبتا بوقف إطلاق النار دون شروط، والكونجرس الأمريكي طالب بمحاكمة الجنرال الليبي باعتباره مجرم حرب، ويبدو أن هذا هو المسار الذي تتجه إليه الأمور في السودان بعد فض الاعتصام وما أسفر عنه من تداعيات.

الاتحاد الأفريقي.. جولة السيسي الخاسرة في اللحظات الأخيرة

خسرت مصر إلى جانب إريتريا وأوغندا -التي لوّحت بمنح البشير حق اللجوء السياسي بدلًا من محاكمته- جولة مهمة داخل الاتحاد الأفريقي الذي قرر تعليق عضوية السودان ستة أشهر عقب الفض الدموي للاعتصام، والذي جاء بعد نحو أسبوعٍ من زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان القاهرة، وتأدية التحية العسكرية للسيسي، وهو ما وضع القاهرة في موقف حرج أمام الدول الأعضاء.

السيسي يمثل مصر في الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي

فشل السيسي باعتباره رئيس الاتحاد الأفريقي في عرقلة القرار، كان مجرد بداية للجولة المضادة التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي تدخل للوساطة بين المجلس العسكري، وقوى «الحرية والتغيير» باعتباره رئيس مجلس «الأمن والسلام الأفريقي»، وهو ما كان إعلانًا صريحًا بأنّ أفريقيا تقف ضد الدول العربية المعادية للانتقال السلمي للسلطة في السودان، ومنها مصر المتهمة بالأساس بأنها لا تريد اتحادًا أفريقيًّا قويًّا، بالأخذ في الاعتبار أن مصر لن تنسى أبدًا تعليق عضويتها الذي عقب أحداث الجيش في يوليو (تموز) عام 2013.

ومنذ سقط نظام البشير، سارعت مصر للاعتراف بشرعية المجلس العسكري وتأييد بقائه في السلطة عامين، وهو ما كان سببًا لتجاهل العسكريين تهديد «مجلس السلم والأمن» بضرورة تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية خلال 15 يومًا، وقد كان ذلك تزامنًا مع زيارة مدير المخابرات السوداني إثيوبيا التي أعلنت في البداية انحيازها للمؤسسة العسكرية.

تجاهل العسكر المطالب الثورية بعد أربعة أيامٍ فقط من عزل البشير في ظل اعتصامات الثوار والتهديدات الدولية، حمل إشارات بأن ثمّة اتفاقاتٍ خارجية جرت في الغرف المُغلقة بعيدًا عن صخب الشارع، وهو ما بدا واضحًا في زيارة الوفد المصري رفيع المستوى، بقيادة رئيس المخابرات المصري اللواء عباس إلى السودان. لكنّ الزيارة الأخطر تمثلث في زيارة دمبلاب عضو المجلس العسكري القاهرة، التي أعلنت بعد يومٍ واحد من الزيارة عقد قمة طارئة مصغرة، انقلبت فيها على القرار القديم لـ«مجلس السلم والأمن»، ومنحت عسكر السودان مهلة ثلاثة أشهر لتسليم السلطة للمدنيين. 

اللافت أنّ الحصانة الجديدة التي حصل عليها المجلس العسكري تزامنت مع تعليق المفاوضات مع قوى «الحرية والتغيير»، ودخول الجيش صراع المحاور في المنطقة بما يتنافى مع طبيعة دوره الانتقالي المفترض، وهو ما دفع الاتحاد الأفريقي للحشد مُجددًا ضد قرار القاهرة، وتقليص مدة الثلاثة أشهر إلى شهرين، والتي كان من المقرر أن تنتهي فعليًّا في نهاية الشهر الجاري.

خسارة المجلس العسكري مظلة الاتحاد الأفريقي كانت بمثابة انتهاء الأمل الذي عوّل عليه البرهان في زياراته الأفريقية التي شملت جوبا وإثيوبيا وكينيا لدعمه في إجراء انتخابات مبكرة، وهي الفرصة التي سُرعان ما استغلتها «قوى الحرية والتغيير» لإعلان العصيان المدني الشامل، ورفض التفاوض مع من وصفتهم بـ«المجرمين» حتى إعلان التلفزيون الرسمي تسليم السلطة، وفي هذا التوقيت الحرج لم يكن أمام القاهرة إلا أن تكتفي بإصدار بيان من الخارجية تعلن فيه أنها فقط «تتابع تطورات الأوضاع على الساحة السودانية والأحداث الأخيرة وتداعياتها».

تجاوبًا مع دعوات العصيان المدني.. كيف حوّل السودانيون شوارعهم إلى «مدن أشباح»؟

الدعم الخليجي.. الحلفاء ينسحبون بعد «المعركة الخطأ»

المظلة التي منحها السيسي لعسكر السودان جاءت ضمن سياسة الاستقواء العلني الذي حصل عليه المجلس العسكري من السعودية والإمارات، اللتين ظلتا لسنوات السبيل الوحيد لحصول النظام السوداني على الأموال المحوّلة، عبر بنكي «فيصل» و«أبوظبي» في الخرطوم، في ظل الحظر الاقتصادي المفروض عليه من واشنطن منذ عام 1997.

الدور الذي نسجه المجلس العسكري منذ إطاحة البشير مثّل بامتياز امتدادًا للحرس القديم الذي انقلب عليه، والمفارقة أنّ أعضاء المجلس الحالي صعدوا بالأساس في آخر أيام الرئيس المعزول عمر البشير؛ ليكونوا حائط الصد أمام المتظاهرين، لكنّ أحداث خمس ليالٍ ضبابية قضاها الثوار في اعتصام القيادة العامة للجيش بعد نحو أربعة أشهر من التصعيد؛ كانت كفيلة بتغيير المشهد.

ومثلما كان نظام البشير ينتهج سياسة الاستقواء بالخارج ضد معارضي الداخل، سار المجلس العسكري على خُطى سابقيه؛ ففي الوقت الذي هددت فيه قوى «الحرية والتغيير» بالتصعيد ضد المجلس العسكري، كان الفريق عبد الفتاح البرهان في مصر والإمارات، بينما سافر حميدتي إلى السعودية برفقة مدير مكتب البشير، الفريق طه عثمان، ليعلن بعدها المجلس استمرار مشاركة الجيش السوداني في حرب اليمن التي دخلت عامها الخامس.

والقرار نفسه جاء بعدما أعلنت الرياض وأبوظبي حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 3 مليارات دولار، شملت 500 مليون دولار وديعة في البنك المركزي السوداني، وهذا الدعم المالي تزامن مع الدعم السياسي الذي وفرته القاهرة من موقعها في الاتحاد الأفريقي، وهي المظلة التي كان العسكري يعوّل عليها في اصطدامه مع المعارضة.

لكنّ توقيت الزيارة الذي أعقبها بأيام قرار فض الاعتصام الذي خلّف وراءه أكثر من 100 قتيل، بحسب «لجنة أطباء السودان»، دفع «منظمة العفو الدولية» إلى دعوة المجتمع الدولي لفرض عقوبات على الجيش، وفي الوقت نفسه كانت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية تتهم السعودية وحلفاءها الإقليميين بإعطاء الضوء الأخضر للبرهان لفض الاعتصام.

الإمارات هي الأخرى سقطت في الاتهام عبر نشر صحافي استقصائي أمريكي صورة لمدرعات إماراتية شاركت في الفض، ورغم أنّ أبوظبي تجاهلت الرد، إلا أن وزير خارجيتها أنور قرقاش وصف فض اعتصام الخرطوم بالمذبحة، وطالب بفتح تحقيق، بينما سارعت الرياض إلى التصريح بضرورة العودة للحوار ونبذ العنف.

والتحوّل الإماراتي في السودان هو نفسه ما حدث في ليبيا، فالإمارات انتقدت حفتر علانية ربما لأنه لم يستشرها في معركة طرابلس، والأمر نفسه حدث في الخرطوم، فحميدتي الذي اقتصر زيارته الخارجية على السعودية لمقابلة ولي العهد السعودي، ثم عاد إلى بلاده، يبدو أنه لم يشارك أبوظبي خطته في الفض التي توّجت بالخسائر.

والضربة الكبرى لم تتمثل فقط في تقويض دور مصر، والانسحاب السعودي الإماراتي إلى الظل، فواشنطن التي رفضت وصف ما حدث في السودان بالانقلاب، وتماهت في تأييد المجلس العسكري، غيرت موقفها كُليًا عقب الفض، ليظهر الخطاب الرسمي الجديد مُحمّلًا بالتهديد المبطن للجيش وتحميله دماء القتلى، وهو ما يضع المجلس في أزمة أخرى أمام العصيان المدني الممتد.

«الاثنين الدامي» في السودان.. شهادات خاصة حول ما حدث في ساعتي فض الاعتصام

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد