في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، رفعت الولايات المتحدة الأمريكية، جزءًا من عقوباتها الاقتصادية والتجارية على السودان، والمفروضة منذ العام 1997، وبالرغم من أن هذا التاريخ كان من المفترض أن يكون بداية لتحسن كبير في اقتصاد السودان المتعثر، فقد فشلت الحكومة السودانية في الاستفادة من القرار وواصل اقتصاد السودان التأرجح بين الأزمات، إلى أن جاء إعلان الرئيس السوداني عمر البشير، مؤخرًا عن حالة الطوارئ لمدة عام في كل أنحاء البلاد وحل الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، القرارات التي قد تكون رصاصة الرحمة التي ستكتب وفاة ما تبقى من اقتصاد السودان.

الصراع على النفط.. حلقات من سقوط اقتصاد السودان

يمر السودان بظروف اقتصادية سيئة خلال السنوات الأخيرة في ظل معدلات تضخم قياسية وانهيار ملحوظ لسعر الصرف، ولا زالت البلاد عاجزة عن تخطي عقبة انفصال الجنوب عام 2011، خاصة أن السودان كان قد استفاد بشكل كبير من إيرادات النفط خلال أكثر من عقد قبل انسحاب الجنوب، إذ تراوح النمو الاقتصادي ما بين 4.9% إلى 6.1% خلال هذه الفترة، وأصبحت إيرادات النفط المصدر الرئيسي للدخل في السودان، بواقع 50% في الإيرادات العامة، و90% من مصادر النقد الأجنبي.

مع انفصال الجنوب تغير كل شيء وهو ما قاد البلاد إلى دوامة من الصراع لم تنته إلى الآن، إذ تشير تقديرات حكومية إلى أن السودان يمتلك مخزونًا نفطيًا يقدر بنحو 24.5 مليار برميل، وبدون الدخول في تفاصيل الخلاف بين جوبا والخرطوم، ربما ساهم تعنت البشير بشكل كبير في تقلص المنافع الاقتصادية التي كانت تحصل عليها الخرطوم من خلال مرور نفط الجنوب من خلالها، إذ تمكنت جوبا من الاعتماد على طرق أخرى، ومع كل حلقة من حلقات هذا الصراع يزداد الوضع الاقتصادي سوءًا وتتعدد الأزمات.

ربما لا يكون النفط عنصرًا واضحًا الآن في الأزمات الحالية التي تواجها الخرطوم، ولكن في الحقيقة النفط هو بداية القصة وأساس هذا التدهور، فقد فشل البشير وحكومته -برأي مراقبين- في الاستفادة من إيرادات النفط منذ اكتشافه وحتى الانفصال، وهو ما يعتبر السبب الرئيسي في المعاناة التي تعيشها البلاد الآن، بالإضافة إلى انشغال الطرفين بالصراع على مدار السنوات الماضية دون محاولة استغلال الإمكانيات الاقتصادية والموارد الطبيعية الضخمة المتوافرة بخلاف النفط.

وكان من الطبيعي أن تتم إعادة هيكلة اقتصاد السودان بعد الانفصال وتنويع المصادر واستغلال الموارد المتاحة بشكل أفضل، لكن هذا لم يحدث، وهو الأمر الذي جعل البلاد أسيرة محاربة التضخم من ناحية وانهيار العملة المحلية من ناحية أخرى، ولكن كانت الخيارات دائمًا سطحية دون تنفيذ إصلاحات جذرية لانتشال الاقتصاد من المنحدر الذي كان السبب في إطلاق احتجاجات واسعة تهز البلاد حاليًا.

ماذا يحدث في السودان؟ 5 أسئلة تشرح لك المظاهرات التي تتجاهلها وسائل الإعلام

 

الحلول الحكومية «تزيد الطين بلة»

ذكرنا أن اقتصاد السودان قد تخلص في نهاية 2017 من جزء كبير من العقوبات الأمريكية التي فرضت عليها في 12 أغسطس (آب) 1993، عندما أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية الخرطوم على قائمة الدول الراعية للإرهاب ردًا على استضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، ثم أصدر الرئيس بيل كلينتون في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، قرارًا تنفيذيًا بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية لها، وألزمت الشركات الأمريكية، والمواطنين الأمريكيين، بعدم الاستثمار والتعاون الاقتصادي مع السودان.

ورغم أن السودان كان يمر بظروف اقتصادية صعبة، لكن الغريب أنه بعد رفع العقوبات مؤخرًا تفاقمت الأزمات رغم ذلك، إذ تواجه الحكومة عجزًا كبيرًا في الميزانية بسبب تكلفة دعم الوقود والخبز ومنتجات أخرى، بينما جاءت الحلول لتعمق الأزمات إذ لجأت الدولة لتغطية هذا العجز، من خلال توسيع المعروض النقدي وزيادة طبع النقود وهو الأمر الذي ساهم في رفع معدل التضخم في البلاد إلى 72.94% في ديسمبر (كانون الأول) 2018، ووصل إلى حدود 85% على حسب بعض التقديرات الأخرى، وهو ضمن أعلى معدلات التضخم في العالم، بينما يقدر الخبير في العملات المتعثرة بجامعة جونز هوبكنز، ستيف هانكي، أن معدل التضخم السنوي الفعلي بلغ 91% في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي وذلك على أساس سعر الصرف في السوق السوداء وتعادل القدرة الشرائية.

Embed from Getty Images

هذا الاتجاه أيضًا ساهم في هبوط حاد للعملة المحلية إذ تراجع الجنيه السودان بداية هذه الشهر في السوق السوداء إلى 65 جنيها للدولار، مقارنة مع السعر الرسمي المعلن والبالغ 47.50 جنيه للدولار حاليًا، بعد أن كان السعر الرسمي في 2017 نحو 6.7 جنيه للدولار وتم تخفضه من جانب المركزي عدة مرات كان آخرها في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، هذه الأمور كانت بمثابة عقوبة مباشرة للسودانيين، وهو ما دفعهم للخروج إلى الشوارع، إذ يشهد السودان منذ 19 من ديسمبر 2018 احتجاجات واسعة النطاق ضد الحكومة نجمت عن ارتفاع الأسعار وفرض قيود على السحب النقدي من البنوك.

على الجانب الأخر لا تزال الشركات غير قادرة على إجراء معاملات دولارية، وسوق إعادة التأمين ما زالت مغلقة أمام شركات التأمين، وشركة الطيران المحلية متوقفة تقريبًا بسبب نقص قطع الغيار، وكل هذه الأمور بسبب ما تبقى من العقوبات الأمريكية وهو الأمر الذي يحرم البلاد من الحصول على تمويل من صندوق النقد والبنك الدوليين.

استدعاء الجيش لا يخدم الاقتصاد السوداني

«الناس بدأوا يشعرون أنه لم يعد هناك ما يخسرونه»، هكذا عبر الصحفي السوداني فيصل صالح، منذ نحو خمسة أشهر من الآن خلال تقرير نشرته وكالة «رويترز»، موضحًا أن «الوضع الذي تمر به البلاد هو أسوأ أزمة اقتصادية تواجهها على الإطلاق»، هذا الشعور في حد ذاته كاف للقضاء على أي ملامح للاستقرار في البلاد، وهذا الأمر حدث بالفعل قبل أن تشتعل الاحتجاجات ويفرض الرئيس السوداني حالة الطوارئ قبل أيام.

وبرأي الكثيرين، فإن استعادة الاستقرار بات مسألة صعبة بعد أن وضع البشير الجيش في الواجهة، إذ أطاحت التغييرات التي أجراها الرئيس بنائبه الأول الفريق أول بكري حسن صالح، بالإضافة إلى رئيس مجلس الوزراء معتز موسى الذي لم يكمل عامًا في هذا المنصب، ليحل مكانه والي ولاية الجزيرة محمد طاهر إيلا، بينما جاءت أغلب الوجوه الجديدة تقريبًا عسكرية، وهذا أمر لا يضمن الاستقرار سواء الداخلي أو الخارجي.

فعلى مستوى الداخل باتت قرارات البشير بمثابة دافع إضافي لمواصلة الاحتجاجات المستمرة منذ نحو ثلاثة أشهر، وخارجيًا رفضت دول المملكة المتحدة والولايات المتحدة والنرويج وكندا، هذه القرارات موضحة أنها ستسهم في تقليص حقوق الإنسان والحكم والإدارة الاقتصادية الفعالة بصورة أكثر مما هي عليه الآن.

والسؤال المطروح الآن هو: هل تنجح الحكومة الجديدة أمام أزمات شح الوقود والنقد الأجنبي ومعدلات التضخم القياسية والسقوط المتواصل للعملة المحلية؟، وفقًا للتجارب العالمية فالنجاح الاقتصادي يصعب أن يجتمع مع السيطرة العسكرية، فيما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى أن الاقتصاد السوداني نما بنسبة 3.2% في العام 2017 في ظل دين خارجي بلغ حوالي 55 مليار دولار، بينما يصل العجز التجاري إلى 60% وفق تقديرات أخرى، حيث يستورد السودان ملايين الأطنان من الحبوب، رغم أن المنتجات الزراعية هي صادراته الرئيسية.

هذه المعطيات تؤكد أنه قد لا يمكن تحقيق الاستقرار في الاقتصاد السوداني دون التوصل إلى توافق سياسي أولاً، وهذا التوافق لن يأتي بالطبع من خلال حكومة عسكرية وفرض حالة الطوارئ، ناهيك عن أن أهم ما تحتاج إليه البلاد حاليًا هي الاستثمارات الأجنبية، والمناخ الحالي قد لا يكون مناسبًا لعودة الاستثمارات التي تتنافس عليها ولايات البلاد، فيما تحتل الصين الصدارة بين الاستثمارات الأجنبية في السودان بحجم 54 مليار دولار، معظمها استثمارات نفطية، بينما شهدت الفترة الأخيرة مناقشات حول استثمارات روسية وإماراتية لكن من الصعب الحديث عن تحرك حقيقي في ظل الأزمة الحالية.

وكان رئيس الوزراء السوداني السابق معتز موسى قد أعلن عن برنامج إصلاح اقتصادي عاجل يتضمن مزيدًا من إجراءات التقشف، وذلك بهدف التركيز على الاستقرار الاقتصادي لتخفيض متوسط التضخم وتحقيق استقرار في سعر صرف الجنيه وتحقيق معدل نمو حقيقي في الناتج المحلى الإجمالي ومعالجة أزمة السيولة، لكن هذا البرنامج لا يعرف أحد مصيره الآن، ولا يمكن أن ينجح بدون توافق شعبي وهو الأمر الغائب حاليًا.

لكن يمكن القول أن برنامج موسى يعتبر نقطة بداية يمكن أن الانطلاق منها، خاصة أن البرنامج يشمل إلغاء جميع الإعفاءات الضريبية باستثناء مدخلات الإنتاج، بالإضافة إلى سحب بعض السيارات التي يستخدمها المسؤولون والتوقف عن دفع ثمن الوجبات الغذائية المقدمة أثناء الاجتماعات الحكومية، وتأسيس بورصة سلعية لتداول الذهب والعملات، لكن يبقى الاستقرار السياسي هو الشرط الأول لأي توجه نحو إصلاح اقتصاد السودان.

 

الاقتصاد السوداني.. الموارد الطبيعية لم تُسمن أو تُغنِ من جوع بعد انفصال الجنوب

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد