أعلنت مصر مؤخرًا افتتاح مشروع قناة السفن الموازية لميناء شرق بورسعيد، وهو المشروع المعروف إعلاميًّا باسم قناة السويس الثالثة، وكعادة المشروعات التنموية المرتبطة بالقناة مؤخرًا فإن الأمر لم يخل من جدل حول المشروع وجدواه الاقتصادية بالنسبة لمصر وللشركاء الأجانب العاملين في صناعة النقل البحرية، وبالأخص شركة ميرسك المالكة لمعظم أسهم شركة قناة السويس للحاويات، وهي الشركة التي تتولى إدارة هذا القطاع في مصر.

(1) بداية: ما هو مشروع قناة السويس الثالثة؟ 

المشروع يشمل حفر قناة جديدة جانبية للسفن موازية لميناء شرق بورسعيد بطول 9.5 كيلو مترات، وبتكلفة استثمارية قد تصل إلى 100 مليون دولار لتسهيل دخول السفن إلى ميناء شرق بورسعيد ومنع تكدس السفن المتجهة إلى قناة السويس والقادمة من البحر المتوسط، والقناة الفرعية، التي تسميها الحكومة “القناة الثالثة”، تتيح للسفن الدخول والخروج مباشرة من ميناء شرق بورسعيد دون المرور بقناة السويس.

ويقع ميناء بورسعيد على مدخل تفريعة قناة السويس الشرقية، وهو ممر ملاحي تمر به 8% من تجارة العالم و20% من الحاويات العالمية، وتبلغ مساحة الميناء الحالية 72 كيلومترًا مربعًا، وتوجد منطقة صناعية جنوب الميناء على مساحة 92 كيلومترًا مربعًا.

ووفقًا للتصريحات الحكومية، فإن هذا المشروع هو أول مرحلة في مشروع تنمية إقليم قناة السويس التي تشمل تشييد مساحة 160 مليون متر مربع، منها ميناء تجاري بحري كبير به العديد من الأرصفة بطول 20 كم ورصيف عربي بينهما مجرى مائي كمرحلة أولى عاجلة، ومنطقة صناعية بمساحة 40 كم مربعًا تضم صناعات للسيارات ومستلزماتها وصناعات هندسية ومناطق للتغليف والتعبئة، ومنطقة مزارع سكنية بمساحة 80 كم مربعًا لإنتاج 55 ألف طن من الأسماك سنويًّا، بالإضافة إلى إنشاء نفقين ونفق سكة حديد يربط الطريق الدولي الساحلي عبر الأنفاق بالحدود الشرقية للبلاد.

(2) إذن: ما هي علاقة شركة ميرسك للنقل البحري بهذا المشروع؟

شركة ميرسك الدنماركية، هي أكبر شركة للنقل البحري التجاري في العالم، وتُعد أحد الكيانات التجارية التي تُدر دخلًا كبيرًا لقناة السويس، لعدد الناقلات والأساطيل البحرية المملوكة لها.

تمتلك مجموعة ميرسك الدنماركية، أكبر شركة للنقل البحري التجاري في العالم، 55% من “قناة السويس لتداول الحاويات”، وتتوزع الحصة الباقية بين شركة “كوسكو باسيفيك” الصينية بنسبة 20% من الشركة، وتمتلك هيئة قناة السويس 10% من الشركة، بينما تبلغ حصة البنك الأهلي المصري 5%، والنسبة المتبقية تمتلكها شركات خاصة.

تزامن افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي لمشروع “القناة الثالثة”، كما تُسميها الحكومة في البيانات الصادرة عنها؛ مع إعلان شركة ميرسك للنقل البحري، أكبر شركات النقل البحري عن ارتفاع عدد الناقلات التابعة لها إلى 1400 مركب.

تعود وقائع هذا  المشروع “التفريعة” إلى عام 1999، حين وقعت الحكومة مع شركة ” قناة السويس لتداول الحاويات”، إحدى شركات ميرسك؛ عقد امتياز في عام 1999 لتنفيذ وإدارة وتشغيل محطة حاويات بميناء شرق بورسعيد، تشمل رصيفين طول كل منهما 1200 متر.

وفي عام 2007 تم الاتفاق بين الحكومة المصرية والشركة التابعة لميرسك على إضافة ملحق جديد – ملحق 5 – لعقد الامتياز الأصلي، والذي تضمن شروطًا وصفها الخبراء بأنها مجحفة للحكومة، والتي شملت في بنودها زيادة فترة حق الامتياز الممنوح للشركة من 35 سنة، كما كان ينص العقد الأصلي؛ إلى 49 سنة، وإعفاء الشركة من رسوم التداول التي تدفعها للحكومة على كل حاوية يتم تداولها (المقدرة بنحو 3 دولارات)، وذلك لمدة 17 عامًا تبدأ من 2008.

كما تضمن الملحق إعفاء الشركة من إيجار أرض المرحلة الثانية من المشروع، والمقدرة بنحو 600 ألف متر مربع، ما يوازي نصف مساحة المشروع، لمدة 17 سنة أيضًا، وحجز رصيف إضافي للشركة بطول 450 مترًا، لم يكن منصوصًا عليه في العقد الأصلي.

(3) ماذا تعرف عن بنود الاتفاق الخاصة بهذا المشروع؟

لا تزال أغلب بنود الاتفاق مجهولة وغير معلنة. ولكن البنود المُعلنة لوسائل الإعلام تضمنت اتفاق تسوية مع شركة قناة السويس لتداول الحاويات، التابعة لشركة ميرسك، ترد بمقتضاه الشركة قطعة أرض مساحتها 225 ألف متر للدولة، على أن تبدأ الهيئة في تعميق قناة جانبية في ميناء شرق بورسعيد بالشراكة بينهما، والتي سيعود عليها مكاسب كبيرة.

ولم تشر التصريحات الرسمية إلى تعديل شروط التعاقد المُجحف الذي قامت بتوقيعه الحكومة 1990  وقامت بتعديله لصالح الشركة، ولم تنجح الحكومة في تعديله منذ ذلك التوقيت.

(4) ما هي الفائدة الاقتصادية التي ستعود على الحكومة المصرية من وراء هذا المشروع؟

حسب الأرقام الحكومية، بخلاف الزيادات المنتظرة في العائدات، فإن القناة الجديدة سوف تسهل عملية دوران وخروج السفن من ميناء بورسعيد دون تعطيل لحركة مرور السفن بالمجرى الملاحي للتفريعة الشرقية لقناة السويس، وهو ما سيقلل من فترة انتظار السفن التي قد تنتظر فترة تصل إلى 18 ساعة قبل دخول الميناء.

وتشير المصادر الحكومية إلى أنه، ومع القدرة الحالية؛ فإنه لا يمكن زيادة وتيرة مرور السفن إلى ميناء شرق بورسعيد، عبر التفريعة الشرقية للقناة، عن 2500 سفينة سنويًا، بينما الطاقة القصوى لمحطات حاويات قناة السويس يمكن أن تصل إلى 3500 سفينة سنويا. فضلا عن أن بعض الخطوط الملاحية قد أوقفت التعامل مع ميناء وتوجهت إلى موانئ أخرى منافسة مثل “بيريه” في اليونان، و”حيفا” في إسرائيل، وميناء “الإسكندرونة” في تركيا، وذلك بعد غلق كوبري السلام وصعوبة مرور البضائع من شرق القناة إلى ميناء غرب بورسعيد.

(5) لماذا سيكون هذا المشروع ذا جدوى اقتصادية أكبر لشركة ميرسك؟

تتعاظم أهمية القناة الجانبية كجزء من مشروع كبير، وهو مشروع تنمية محو إقليم قناة السويس، وهو المشروع الذي كان له الأولوية العملية في تطبيقه قبل الشروع في افتتاح التفريعة الجديدة لقناة السويس أغسطس الماضي.

بيد أن هذه الفائدة من وراء افتتاح مشروع القناة الثالثة ستتعاظم لدى مصر، حال قدرة الحكومة المصرية على تغيير بنود اتفاقية هذا المشروع التي تعود إلى عام 1999، لكن عدم القدرة على التفاوض مع ” ميرسك” على هذه البنود “المُجحفة” تجعل من شركة قناة السويس لتداول الحاويات، التابعة لميرسك؛ المُستفيد الأول نظرًا لأنها تمثل محطة الحاويات الوحيدة العاملة في شرق التفريعة.

بجانب ذلك، فتوقيع هيئة قناة السويس اتفاق التسوية مع شركة قناة السويس لتداول الحاويات، التابعة لعملاق النقل البحري ميرسك، تضمن رد الشركة قطعة أرض مساحتها 225 ألف متر للدولة فقط دون اعتبار لشروط التعاقد المُحجفة المذكورة سلفًا التي أبقت عليها الحكومة، بل واشترطت الشركة على الهيئة البدء في تعميق قناة جانبية في ميناء شرق بورسعيد بالشراكة بينهما. ووفقا للمصادر، يعد المشروع هو أحد اشتراطات “ميرسك” لرد قطعة الأرض التي بلغت مساحتها 225 ألف متر للدولة، والتي ستسمح لها بزيادة نشاط الشركة بنسبة 60% أسبوعيًا. كذلك ستستفيد بتوفير نحو 9800 ساعة سنويا من الوقت الذي تستغرقه المراكب الخاصة بها والتي يصل عددها إلى 1400 مركب، الأمر الذي سينعكس على عائدات  الشركة.

من أجل إنجاح عملية التفاوض، فقد لوحت ميرسك بإمكانية نقل أعمالها إلى ميناء بيريوس في اليونان، خصوصًا مع نقلها فعليًا لبعض الأنشطة في بداية هذا العام لارتفاع تكلفة الرسوم التي تدفعها الشركة إلى الحكومة المصرية. حيث ادعت الشركة أن العديد من سفن الحاويات قد حولت أنشطتها عن الميناء بالفعل بسبب طول فترة الانتظار وارتفاع قيمة الرسوم الحكومية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد