هل سؤلتَ يومًا كم تريد؟ ما حاجتُكَ من طعام ما؟ وأمام البائع الذي يبدو «سيد الأشياء» التي لا تستطيع الحصول عليها، فكرتَ بالمال الذي تحمله وطلبت أقل كمية تناسب ما في جيبكَ؟

أعرفُ شعور الحرمان، أستشعره في الوجوه وفي شكل الخطوات، في تمايل الجسد أمام طوابير الانتظار، أعرفُ الحرمان في أيدي الصغار الفارغة أو تلك التي تحمل حلوى رخيصة تسيل على ذقونهم وشفاههم، تعودتُ رؤية الحرمان، القليل والذي لا يكاد يظهر، فهكذا تمامًا أصبح يعيش السوريون.

القليلُ يجعل البعض وحوشًا

احترت حين بدأت الكتابة عن الحرمان في سوريا، عن ماذا سأتحدث؟ كيف سأصف الحرمان الذي يعيشه شعبي في كلّ صباح؟ كيف يمكن أن أخبر العالم عن عائلات تعاين فرُّوجًا جاء بعد طول حرمان؛ فيطالب الصغار بحقهم في رؤيته عن قرب؟ أصبح الحرمان أكبر من أن أكتبهُ، صار عالمًا وحياةً روتينية يعيشها كلّ من حولي بدرجات متفاوتة وبأساليب مختلفة.

Embed from Getty Images

فجأة أدركت أن كلّ شيء حولي يتحدث عن الحرمان وعن تغيير الخيارات والخطط والأحلام بما يلائم القليل. بدأ ذلك منذ حاولت الاتصال بسيارة أجرة، فلم أجد سيارة واحدة لتقلني من القريّة إلى المدينة، فكلّها فارغة من الوقود، ومن يشتري الوقود بأضعاف ثمنه سيطالبكَ بأجرة غير منطقية، لهذا كان الخيار سيارة أجرة تجمع ما استطاعت من الركاب، فتضع في المقعد الخلفيّ ثلاثة أو أربعة ركاب، ينحشرون مراقبين الطريق الطويل، حيث تصطف السيارات في طوابير تبدو كما لو أنّها لن تنتهي أمام محطات الوقود.

عرفتُ معنى القليل، ومعنى أن ينتظر أصحاب السيارات من ظهيرة اليوم السابق وطوال الليل وحتى صباح اليوم التالي في طابور، حتى يحصلوا على مستحقاتهم من البنزين، عرفتُ القليل حين قرر أخي التنقل بالدراجة الناريّة بدل السيارة، لأنَّ الدراجة تستهلكُ القليل من الوقود، لأنُه يستطيع أن يوصلنا ونجلب أغراضنا من خلالها، كان القليل أن أصعد خلف أخي على الدراجة النارية لأنه لا وقود كافٍ للسيارة.

كان افتقاد وقود السيارات حدثًا كبيرًا، لكنها ليست المرة الأولى بطبيعة الحال. بدت الطرقات مجرد طوابير من السيارت المنتظرة، والمدن فارغة من السيارات، وبالقرب من تلك الطوابير هناك من يبيع الوقود الحرّ بأسعار مضاعفة، الجميع يعلم أن الوقود ليس مفقودًا حقًا فها هو قريب جدًا لكن بأسعار خيالية.

القليل هنا يجعل البعض وحوشًا، يتشاجرون ويطلقون النار حتى يحصلون على الوقود، القليل هنا خطير ويتسبب في الموت، ويدفع الكثيرين كي يغدون مثل «زعران» الذي يحصل على حقه بقوة السلاح، القليل يجعل البعض يتاجرون بحاجة الناس وألمهم.

في طريق العودة انتظرنا ذات سيارة الأجرة لتنهي عملها وتعود إلى القرية وتجمع بعض الركاب، كانت أزمة طوابير الصباح انتهت وحلّ مكانها طوابير أقصر تُهيئ نفسها لليوم التالي.

طلبت سيدة صعدت معنا في السيارة أن تنزل عند إحدى البسطات لتشتري الإجاص، من الشباك كنّا نسمع صوتها تقول: «لا كتير هيك، ما في سعر أقل؟»، عادت بعد دقائق فارغة اليدين ولتداري خجلها قالت: «منذ قليل رأيتُ إجاصًا بنصف سعر هذا»، كلنا نعلم ألّا إجاص أرخص، وإن كان كذلك فهو من النوع الرديء جدًا.

أجيال لا تعرف سوى الحرمان

كلّ الذين لم يعانوا الجوع والنقص والأشياء القليلة، اعتقدوا أن شكل الحياة هكذا، وأنهم سيبقون على هذا الحال، يفتحون الثلاجة متى أرادوا، يتناولون ما يشاءون، يركبون سياراتهم الممتلئة بالوقود، يشعلون أضواء المنزل كلها، وفي الشتاء يجلسون آمنين قرب المدافئ، لم يظنوا أبدًا أنهم سيفتحون الثلاجة ولن يجدوا ما يكفي عائلاتهم، وستفرغ سياراتهم من الوقود ولن يستطيعوا التنقل بحريّة، لم يعتقدوا يومًا أن الكهرباء قد تنقطع لأيام وساعات، كانوا يظنون الحياة أبسط ومتاحة بكليتها لهم.

Embed from Getty Images

لكن شيئًا فشيئًا راحت الأشياء تقلّ وتختفي تمامًا في بعض الأحيان، وإن سألت السوريين: «متى عرفتم الحرمان؟»، سيترددون، فالبعض يتذكر أنه بدأ مع انقطاع الكهرباء والبعض مع غياب المياه لأيام، البعض يقول كنا نأكل بشكل جيد لكن مع الوقت راحت موائدنا تصغر فاختفت اللحوم والفواكه والرفاهية، وصار البعض يستغرب قضاء عائلات عطلها على البحر. غالبًا لا يدرك السوريون متى اعتادوا القليل، لكنهم اعتادوه حقًا حتى لو استمروا في رفض هذا الواقع.

اليوم ونحن نعرف تمامًا معنى القليل والحرمان من أشياء قد تبدو تافهة وبسيطة للعالم، نتساءل: هل التعوّد يعني أننا نسينا الحياة؟ هل يبدو أننا اعتدنا ألّا نملك كلّ ما نحب؟ لكن ماذا عن الأجيال التي ولدت مع الحرب، هل اعتادت الحرمان أم أنّها ولدت معه ولا تعرف شكلًا للحياة غيره؟ هل يجعلها هذا أقل تطلبًا من أجيال أكبر ما زالت تستذكر جيدًا الدفء في ليالي الشتاء؟

عندما اشترت إحدى الأمهات سندويشة فلافل واحدة وطلبت من البائع أن يقسمها لنصفين متساويين تمامًا ومن ثم تناول كلّ طفل نصفًا، يظن الصغيران أنه هكذا يتناول الطعام وأن النصف هو حقّه فقط، لا يفكر هذان الصغيران في أن هنالك ما يُدعى بالسندويشة الكاملة التي قد نرمي آخرها غير المحشو جيدًا، يتناول الصغيران النصف حتى آخره، النصف غير الكافي.

لا يطلب الأطفال السوريون أشياء مميزة، أي شيء يرضيهم، فقط إن حصلوا عليه، فتصبح الفرحةُ هي الحصول على الشيء، أي شيء، دون الاهتمام إن كان حقًا ما يرغبه هذا الطفل، لدينا الآن وبكلّ فخر جيلٌ كامل لا يعرف معنى اللحمة أو الفروج أو الفاكهة، يعرفون فقط أن تناول أشياء كهذه غير ممكن، هذا الجيل المحروم حرفيًا سيكبر وهو يظنُّ هذه الأشياء غريبة وبعيدة ومستحيلة، وقد لا يفكر بها أصلًا بعد أن سأل أمّه مرةً ما هذا؟ فردت: «أكلة مش طيبة»، تخيّلُ الطعام غير اللذيذ هو الذي يجعل الصغار لا يطلبونه في المستقبل، الطعام الذي تعرف الأمهات في سرهنّ أنه لذيذ ومفيد أيضًا.

تربّى جيلٌ كامل على الحرمان، كُبر في العتمة وضوء الليدات الخافت، تربى على الاقتصاد في وقود الشتاء والاختباء تحت البطانيات طلبًا للدفء والحرارة التي تتبدد بمجرد إبعاد البطانية عنهم، تربوا وهم يشاهدون الأمهات تعبئ قناني الكولا الكبيرة الفارغة ماءً دافئًا (في حال توافرت الكهرباء أو الغاز) ويضعنها تحت أقدامهم الصغيرة والمرتجفة كي يمكنوا من النوم، هل تستطيع بعد 10 سنوات من الحرب والأزمات والخوف أن تقنع طفلًا أن الدفء لا يعني قنينة مياه غازية مملوءة بالماء؟

الثقة بالقليل

ماعاد القليل مخجلًا، الناس هنا يتفاخرون بوجبات طعامهم المتواضعة ويتبعونها «بالحمدالله، مش تعبت المعدة؟»، الناس لا تخجل من الثياب الرثة أو من طلب زيتون بـ500 ليرة فقط، أي حوالية الأوقية، وحين يسأل البائع الطفل: «لكن هل يكفيكم زيتون بـ500 ليرة؟»، يرد الطفل بثقة: «أنا هيك بدي».

Embed from Getty Images

بينما أنشغل بثقة الطفل بقليله ومعرفته الجيدة بالحدود المسموح له الشراء بها، أفكر بحبات الزيتون المعدودة أمام عائلةٍ تفرح بالقليل وبطفل مكسور لكنه يردد بفخر: «أنا هيك بدي» دون أن يقول لا مال لدينا، دون أن يقول اعتدنا القليل والحرمان من المسرات. يا الله! كيف تتحول حبات الزيتون وقطعة الشوكولاتة إلى مسرة وإلى قليل لا يُطال.

أتت هذه الثقة من معرفة الحاجة جيدًا، من الحرمان الطويل والاعتياد عليه، هذه العائلات تعرفُ حاجتها جيدًا وتعرف ملامحها وحدودها، وماذا بعد الحرمان؟ لا شيء يوجع أكثر، فيردد البائع بعد خروج الطفل: ليتني لم أسأله.

أشكال الحرمان في 10 دقائق من المشي

إنها 10 دقائق فقط لأصل للمنزل، لكن تبدو كما لو أنها فيلم قصير عن الحرمان، طفل يصرخ باكيًا يريد حقيبة مدرسية ملونة، تجرّه الأمُّ دون أن تنبس بكلمة واحدة والطفل ما زال ينظر نحو الحقيبة، على أحد البسطات امرأة تصرّ أنّها تريد حبة ليمون واحدة، لكن البائع يكرر بغضب أنه لا يبيع بالحبة، محلات كثيرة فارغة من الزبائن على الطريق، محلات الثياب والعطور والأحذية تحديدًا، من يودّ شمّ رائحة جميلة وهو جائع؟

أكياس صغيرة، صغيرة جدًا، وضع البائع في بعضها كلّ ما اشتراه الزبون في كيس واحد، ليس من الجيد استهلاك الكثير من الأكياس من أجل نصف كيلو بندورة، بضع حبات كوسة، وبضع حبات من الباذنجان، ثم يكتمل المشهد حين يمنح بائع طفلًا تحمله أمه حبة مشمش، لا يكاد يبدأ في التهامها حتى تسقط منه وتتدحرج وسط الطريق، تدوسها سيارة، ويذهب القليل وصوت بكاء عالٍ لطفل يطالب بحبة المشمش المدهوسة.

عربي

منذ شهرين
أمام كلّ بيت «نعوة».. عن الموت وحكاياته في سوريا

وجوه متعبة من طول الحرمان، تنظر لثيابك الجيدة بعدائية، ولشعرك المصفف على أنه استهتار بقليلها. وجوه تدافع عن ألمها بعيونها، بنظرات الاستحقار نحوك، أنت الذي ترتدي ثيابًا جيدًا وتضع عطرًا فوّاحًا، أنت الغريب عن البؤس والعوز، أنت الآخر الذي لا يودون تصديق وجوده، من تشاركهم نفس المكان والحياة والطرقات لكنكَ لا تشاركهم الحرمان كما يعرفونه.

قد يكون الحرمان وقودًا مفقودًا، ثيابًا رثّة أو حفنة زيتون، قد يكون قنينة مملوءة بالماء الدافئ، وقد يكون نصف سندويشة فلافل أو حبّة مشمش مدهوسة، للقليل أشكال عديدة في العالم، لكن في سوريا كلها تشير إلى شيء واحد؛ أن الناس ما عادت تعرف الحياة المثالية، مكتفية بالقليل لكي تثبت لنفسها أنها موجودة حقًا وأنها تحصل على شيء ما في هذا العالم الواسع، مهما بدا هزيلًا وغير كافٍ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد