«ممنوع دخول الأفغان إلى هذا المتجر». في العام الماضي علَّق مواطن إيراني اللافتة التي تحمل تلك الكلمات على باب متجره؛ اعتراضًا منه على دخول الأفغان، ورفض التعامل معهم.

وبغض النظر على أن تلك الواقعة العنصرية أثارت الكثير من الاستياء بين الأفغان والإيرانيين، فإنه في هذا العام تكررت الحادثة نفسها، ولكن على نطاق أوسع وأخطر؛ ففي وسط الجائحة التي ضربت الجمهورية الإسلامية بقوة حذت أغلب المستشفيات الإيرانية حذو البائع الإيراني، وامتنعت عن استقبال ومعالجة المهاجرين واللاجئين الأفغان في إيران!

اذهب إلى المنزل.. لا يمكننا مساعدتك الآن

في شهر مارس (آذار) الماضي شعر نصير بأعراض مشابهة لأعراض فيروس كورونا. حاول في البداية أن يعزل نفسه في المنزل؛ فالمستشفيات مكتظة بالإيرانيين، ولا مكان للأفغان، لكنه كان يخشى على أطفاله الخمسة من العدوى؛ فقرر الذهاب إلى أحد المستشفيات الإيرانية.

يروي نصير (40 عامًا)، والذي يعمل في أعمال البناء، لـ«ساسة بوست» رحلة الذل، كما أطلق عليها، ومعاناته مع الإصابة بفيروس كورونا كمهاجر في إيران، فيقول «كنت أعمل في مدينة قم حينما ضربها الوباء، وفي إحدى الليالي ارتفعت درجة حرارتي قليلًا، وشعرت بالوهن الجسدي، كنت على يقين أنني أصبت بالفيروس».

Embed from Getty Images

مواطن إيراني في مدينة قم

بعد عدة أيام من شعور نصير بأعراض فيروس كورونا حاول الاتصال بالإسعاف أكثر من مرة، لكن في كل مرة كان طلبه يُرفض بحجة أنه لا يعاني من جميع الأعراض.

قرر نصير حينها الذهاب إلى المستشفى لعمل اختبار فيروس كورونا. «كانت المستشفى مليئة بالمصابين الإيرانيين، وعندما وصلت إلى الممرضة المختصة بالأمر قالت لي ببساطة: ليس بيدي أي شيء لمساعدتك، اذهب إلى منزلك».

لم يجر نصير اختبار فيروس كورونا في ذلك اليوم، لكنه بعد البحث والذهاب إلى أكثر من مستشفى، وبعد مرور أسبوع على شعوره بالأعراض عثر أخيرًا على من وافق على إجراء الاختبار له، وبالطبع كانت النتيجة إيجابية.

«لقد تم طردي»

في الوقت الذي كان نصير يحاول العثور على مكان له في أي مستشفي لمعالجته من الفيروس القاتل، وهو الذي يحمل أوراقًا قانونية كمهاجر أفغاني، كانت السلطات الإيرانية تُرحِّل حبيب (21 عامًا)، الذي يمكث في مخيمات اللاجئين، إلى أفغانستان مرة ثانية؛ بذريعة الخوف من انتشار فيروس كورونا بين اللاجئين.

سافر حبيب من أفغانستان إلى إيران في عام 2017 من أجل البحث عن فرصة عمل لإعالة أسرته، لكنه في الوقت نفسه لا يملك أوراقًا قانونية. حبيب واحد من مئات اللاجئين الأفغان الذين اضطروا إلى بيع الورود، ولعب الأطفال على الأرصفة في شوارع المدن الإيرانية.

على الحدود الإيرانية المتاخمة لمحافظة هرات الأفغانية، وقف حبيب في طابور طويل من الأفغان الذين رحَّلتهم السلطات الإيرانية، والآخرين الذين قرروا الفرار من إيران بسبب فيروس كورونا.

يقول حبيب لـ«ساسة بوست»: «لم أكن أمتلك المال للعودة إلى أفغانستان، مكثت في معسكر على الحدود جائعًا وخائفًا من الإصابة بالفيروس، لقد تم طردي من جحيم الفيروس في إيران إلى جحيم الجوع في أفغانستان».

بعد يومين من المكوث في المعسكر الحدودي وصل حبيب إلى مدينة هرات، ليبدأ رحلته في العودة إلى منزله بكابول، لكنه لم يُفحص، أو حتى تُقاس درجة حرارته قبل دخوله مدينة هرات.

يقول الناشط الحقوقي الإيراني حسين نوري لـ«ساسة بوست»: «في شهر مارس فقط غادر حوالي 120 ألف أفغاني من إيران إلى أفغانستان، منهم من غادر برغبته خوفًا من فيروس كورونا؛ نتيجة لفقدانهم عملهم، وآخرون جرى ترحيلهم».

لا علاج للأفغان في المستشفيات الإيرانية!

بالعودة إلى نصير، الذي بالرغم من تأكد إصابته بفيروس كورونا، ونقل العدوى إلى زوجته وأطفاله، فإنه لم يتلق الرعاية الطبية في المستشفى إلا بشق الأنفس.

يقول نصير لـ«ساسة بوست»: «عندما أصيبت زوجتي ظهرت الأعراض عليها بقوة، ولم تستطع التنفس، حينها ذهبنا إلى أقرب مستشفى، في البداية رفضوا دخولنا، وبعد ساعات من البكاء والاستجداء جرت الموافقة على دخولنا».

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
كيف وضع فيروس كورونا رجال الدين الإيرانيين في مأزق؟

هناك مثل نصير المئات من الأفغان، لا يستطيعون العلاج في المستشفيات الإيرانية، ولا يريدون المغادرة والعودة إلى النظام الصحي الهش في بلادهم؛ فلجأ الأفغان إلى إيصال شكواهم على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب السفير الأفغاني لدى طهران، السيد عبد الغفور ليوال.

في حديثه إلى الخدمة الفارسية لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، قال السيد ليوال إنه تابع العديد من الشكاوي من المهاجرين الأفغان في إيران على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تنتقد عدم السماح لهم بتلقي الرعاية الصحية في المستشفيات الإيرانية، بعد إصابتهم بفيروس كورونا.

وأضاف ليوال أنه تواصل مع السلطات الإيرانية التي أكدت له غياب أي تمييز في اختبار أو علاج الأفغان المصابين بفيروس كورونا في إيران، لكنه قال أيضًا إنه لم يتلق من المسؤولين الإيرانيين إحصاءات بعدد الأفغان على الأراضي الإيرانية المصابين بالفيروس.

ينفي نصير تأكيدات السلطات الإيرانية لسفير بلاده، فيقول لـ«ساسة بوست»: «لقد توفي ابن جاري الشاب الذي يبلغ من العمر 20 عامًا بسبب رفض الأطباء الإيرانيين علاجه بعد إصابته بفيروس كورونا، نحن مضطهدون وضائعون في وسط وباء لا يفرق بين أفغاني وإيراني»، على حد تعبيره.

العودة القاتلة.. الأفغان يعودون إلى بلادهم بالفيروس

مع تدفق أعداد الأفغان العائدين من إيران إلى أفغانستان، حذَّرت وزارة الصحة الأفغانية من أن تلك العودة ستكون بمثابة كارثة على البلاد، وأنه من المحتمل أن يتعرض 16 مليون شخص في أفغانستان للإصابة بفيروس كورونا، ووفاة عشرات الآلاف.

كانت الكارثة مضاعفة في محافظة هرات المتاخمة للحدود الإيرانية، يقول السيد عبد القيوم رحيمي، حاكم هرات لـ«ساسة بوست»: «مع ضعف الإمكانات لم نتمكن من الكشف على أغلب العائدين من إيران. ففي بداية موجة العودة سجلت الولاية مئات الحالات من الإصابة بفيروس كورونا، أغلبهم من الأفغان القادمين من إيران».

سافر حبيب من هرات إلى العاصمة الأفغانية كابول، وخالط المئات، بل الآلاف من البشر، وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، أكد أنه لم يستطع الخضوع للعزل المنزلي فور عودته: «أعيش في منزل مكون من غرفتين، ولدي ثمانية من الإخوة، فأين لي أن أعزل نفسي؟».

في آخر محادثة لـ«ساسة بوست»، مع حبيب في الأسبوع الماضي، تبين أنه أصيب بفيروس كورونا، ويتلقى العلاج حاليًا بأحد مستشفيات كابول.

وكان وزير الصحة الأفغاني، فيروز الدين فيروز، قد أعرب عن مخاوفه بسبب دفع السلطات الإيرانية إلى ترحيل مليون أفغاني إلى أفغانستان، محذرًا من أن تلك العودة ستكون السبب في زيادة حالات الإصابة بفيروس كورونا في البلاد بشكل خارج عن السيطرة. جدير بالذكر أن وزير الصحة الأفغاني نفسه قد أصيب بفيروس كورونا في بداية شهر مايو (أيار) الماضي.

بحسب الاتفاقات الموقعة.. طرد الأفغان من إيران غير قانوني!

وسط نزوح وترحيل أكثر من 200 ألف أفغاني من إيران، وإغراق البلد الفقير المنهك الذي عانى من الحروب والصراعات لسنوات طويلة بموجة من وباء فيروس كورونا؛ قال وزير شئون اللاجئين والعودة الأفغانية، سيد حسين علمي: «إن عمليات الترحيل والعودة للأفغان، ما زالت مستمرة، ولا نستطيع السيطرة على الأمر، بدون مساعدة السلطات الإيرانية».

جدير بالذكر أنه في عام 2002 وقعت أفغانستان وإيران اتفاقية بشأن الهجرة، لكن على ما يبدو أن طهران لم تلتزم بتلك الاتفاقية؛ إذ يقول الناشط في مجال حقوق الإنسان حسين نوري، لـ«ساسة بوست»: «وفقًا للاتفاقية فإن عودة اللاجئين الأفغان يجب أن تكون وفقًا للقدرة الاستيعابية لأفغانستان، وإذا أعلن المسؤولون الأفغان أنهم لا يملكون القدرة على إدارة عودة اللاجئين، فيجب عدم ترحيل الأفغان من إيران».

يجادل نوري بأنه وفقًا للاتفاقات الدولية لحماية اللاجئين، لا يجب أن يجري طرد وترحيل إيران للأفغان، بدون إعطائهم الحق القانوني في الدفاع عن أنفسهم، لكن هذا لم يحدث. ويوجد داخل الأراضي الإيرانية، حوالي من اثنين إلى 3 مليون لاجئ ومهاجر أفغاني، يتمتع مليون شخص فقط منهم بوضع قانوني.

إيران والأفغان.. تاريخ التمييز الطويل لم يُخفِّفه الوباء

في عام 1997 انتشرت رواية أخافت الملايين من الإيرانيين، أُطلق عليها «خفاش الليل»، وذلك بعد أن تعرضت تسع نساء إيرانيات للقتل؛ ما أصاب الشعب الإيراني بالخوف.

ترفيه

منذ سنتين
أفلام الحروب في الشرق الأوسط وأفغانستان.. هل تبدو المآسي قريبةً من الواقع؟

حينها أعلنت الشرطة الإيرانية أن من يقف وراء تلك الجرائم لاجئ أفغاني، يدعى رضا خوشري؛ ما تسبب في أزمة واضطهاد ضد الأفغان المقيمين في الجمهورية الإسلامية. لكن تلك القصة ينتابها العديد من الشكوك. إذ يقول صحافي إيراني، طلب عدم الإفصاح عن هويته، لـ«ساسة بوست»: «كان هناك تضارب كبير في روايات الشرطة عن القاتل الأفغاني كما ادعت، بداية من اسمه الحقيقي، والكثير من التفاصيل الأخرى».

لكن قصة «خفاش الليل» حتى وإن كانت غير صحيحة كما يدَّعي البعض داخل إيران؛ نجحت في إثارة خوف المواطنين الإيرانيين من اللاجئين الأفغان، وترسيخ فكرة أن اللاجئين الأفغان قتلة، ومدمنو مخدرات؛ مما دفع الكثير من العائلات الأفغانية، لعدم إرسال أطفالهم إلى المدارس، أو الخروج إلى الأسواق، خوفًا من التعرض للتنمر.

لسنوات طويلة كانت أغلب الأحداث في إيران تؤثر بشكل من الأشكال في حياة الأفغان المقيمين في البلاد، حتى العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة على طهران، قد ألقت بظلالها على حياة الأفغان في الجمهورية الإسلامية.

لذلك فإن التمييز وتعرض الأفغان للاضطهاد في إيران، ليس بالأمر المستحدث، حتى إن رفض الأطباء الإيرانيين لعلاج الأفغان في أغلب الأحيان لم يكن بالأمر الجديد عليهم، فهم يعانون منذ زمن طويل من عدم التمتع بالرعاية الصحية، وندرة الوصول إلى العديد من الخدمات، والدعم الحكومي، حتى وإن كانوا يتمتعون بوضع قانوني.

يقول نصير الأفغاني المقيم في طهران لـ«ساسة بوست»: «لقد مررنا بالعديد من المحن في إيران، لكن كنت أتوقع القليل من الرحمة في ظل هذا الوباء».

المصادر

تحميل المزيد