في السابع عشر من أغسطس (آب) الحالي، جلس عشرات النازحين السوريين في مخيم أقيم على أرض بلدة حاس، في ريف إدلب الجنوبي (شمال غرب سوريا)، وبينما كان هؤلاء يعيشون ظروفًا قاسية، ضمن أكبر موجة نزوح تشهدها سوريا، غارت طائرات جوية تابعة للنظام السوري وحليفته روسيا على مخيمهم، فقتلت 15 مدنيًا على الأقل، بينهم ستة أطفال.

فمع استمرار القصف الجوي العنيف منذ أبريل (نيسان) 2019 على إدلب ومحيطها، المشمولة باتفاق روسي تركي منذ سبتمبر (أيلول) 2018، يواصل النظام استهداف المدنيين السوريين، حتى في أماكن نزوحهم، حيث فرّ الجزء الأكبر من السكان إلى شمال إدلب، بعد أن دمر النظام نحو 40 بلدة وقرية في ريفي إدلب وحماة تدميرًا كاملًا، كما تسببت في نزوح عشرات الآلاف من 60 بلدة أخرى.

آلاف النازحين من إدلب يفترشون العراء

قبل أيام، أجبرت السورية وداد الخضر (49 عامًا) على النزوح من بيتها في مدينة أريحا بإدلب مع أبنائها، دون أن تعرف وجهتها، كان هذا القرار عليها، بوصفها زوجة معتقل لدى النظام السوري، صعبًا للغاية، فهي بالكاد كانت قادرة على تولي مسئولية أبنائها قبل أن تنزح وتتغير حياتها كليًّا.

خرجت وداد مع أبنائها بحاجيات بسيطة، تاركة خلفها كلّ ما ثَقُل على الكاهل، تحدثت وداد إلى «ساسة بوست» بصوت خافت حزين، قائلة: «خرجنا بثيابنا فقط، كان قرار الخروج صعبًا للغاية، شعرت بأني أجبرت أبنائي على ترك بيتنا وحياتنا وذكرياتنا، واقتلاعهم دون أي شيء، كانوا يريدون أخذ حاجاتهم وألعابهم».

وتضيف لـ«ساسة بوست»: «كنت أدركت ماذا يعني النزوح، يعني التوجه بفلذة كبدي نحو مكان مجهول، قد لا يجدون فيه حتى خيمة تحميهم وتحمي خصوصيتهم، فخياراتي محدودة، من الصعب استئجار منزل بسبب الأسعار الخيالية، بل إن إيجار السيارة التي نقلتنا إلى حيث نزحنا كان كبيرًا علينا».

تقيم الآن وداد في ظروف صعبة، فهي كما تقول تتعذب في كل تحركاتها، حين تريد الطعام، وحين تريد الشراب، وحين تريد الذهاب إلى الحمام، وهنا تعقب: «الخروج إلى الحمام يعني أن تحركك مكشوف للجميع، وهو أمر في منتهى الحرج، لا شيء اسمه خصوصية هنا».

كانت وداد واحدة من مئات الآلاف، الذين أجبرهم القصف الجوي والمدفعي غير المسبوق من جانب روسيا والنظام لمناطق المعارضة، على النزوح، فحسب تقرير منظمة «منسقو استجابة سوريا» فإن عمليات النزوح ما زالت مستمرة بسبب القصف المدفعي، والغارات الجوية، التي تشنها طائرات النظام وروسيا على المنطقة، ليصل بذلك عدد النازحين في الفترة الممتدة من 11 وحتى 15 من أغسطس الحالي، إلى حوالي 124617 ألف مدني.

ويذكر التقرير أنه: «منذ فبراير (شباط) الماضي، وحتى منتصف أغسطس الحالي، بلغ عدد النازحين 853416 ألف نازح، معظمهم اتجه نحو المناطق الحدودية الآمنة نسبيًّا من القصف، كما قتل 1221 مدنيًّا بينهم 332 طفلًا، منذ بداية الحملة العسكرية على إدلب أواخر أبريل الماضي».

وفي المجمل، يظهر التقرير أن مدن وبلدات ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، شهدت حركة نزوح كثيفة للمدنيين، فقد تجاوز عدد المدنيين الفارين من غارات النظام وروسيا 92 ألف مدني، كما وثقت المنظمة «وجود 60 ألف نازح يعيشون في العراء، ينصبون أغطية على الشجر لتقيهم حرّ الشمس، فيما يتخذ بعضهم مركباتهم مأوى لهم، فوق كل ذلك يصطدم مفترشو الأراضي الزراعية بطلب بعض ملّاك الأراضي إيجارًا لأرضهم من النازحين».

إدلب تحت القصف.. مجازر نظام الأسد ضد المدنيين «يشيب لها الولدان»

الموت في كل مكان.. نزوح دون أي وجهة محددة

كانت فاطمة الخالد (50 عامًا) تحتضن جراحها في بيتها بريف إدلب الجنوبي، فهي أم لأربعة أبناء، استشهد أحدهم في قصف للنظام السوري، وزوجها مريض بالقلب، بينما هي تعاني من عدة أمراض.

منظر جوي يُظهر النازحين السوريين وهم يتجمعون في حقل بالقرب من مخيم للنازحين في قرية عتمة

قبل فترة، تعرض منزل فاطمة لقصف شديد في الساعة الثالثة فجرًا، وكان اقتراب الضربات من منزلها يعني أنه لا مجال الآن لتأجيل قرار النزوح من المكان على أمل أن يتوقف القصف، تقول فاطمة لـ«ساسة بوست»: «كان الصغار حين يقع القصف يلقون بأجسادهم المرتعدة علي، أصبحت منطقتنا مثل شيء هبت فيه النيران، لا أتذكر كيف أصبحت بين فينة وأخرى خارج منزلي، شعور لا يمكن وصفه، تركنا كل شيء، خرجنا بثيابنا حفاة نحو ريف حماة الشمالي».

آخر الذكريات لفاطمة في حيها كانت مؤلمة للغاية، فكما توضح: «أصبح الموت حولنا من كل مكان، ينال من أهلنا وأقاربنا، يقتلون على مقربة منا ولا نستطيع فعل شيء»، تبكي فاطمة بحرقة حين تتذكر حادثة استشهاد خالها عبد الكريم وزوجة ابنه أمامها، ثم تقول «كنا نشاهد الصواريخ تسقط عليه، لكننا عجزنا عن فعل شيء، اختبأنا حتى انخفضت وتيرة القصف، ثم تمكنا من سحب جثمانه الممزق».

نزحت أسرة فاطمة كغيرها من الأسر دون أن تعرف وجهتها، تنقلت في البداية من مكان إلى مكان في محافظة إدلب، فغالبية الأماكن تتعرض للقصف، نزحت فاطمة إلى ريف إدلب الشمالي، فزاد تأثرها بوضعها ووضع الناس من حولها، يحزنها جدًّا رؤية الأطفال يبكون تحت الشجر، يريدون حاجة تلو الأخرى، دون أن يتمكن ذووهم من تلبية ما يريدون.

تشير فاطمة خلال حديثها لـ«ساسة بوست»: «انتقلنا إلى هنا، وبقينا ثلاث أيام تحت الشجر، ثم ساعدنا أحدهم باستئجار منزل يجمعنا، الوضع من سيئ لأسوأ، نقترب من الشتاء ولم ندبر أمرنا بعد، أصبحنا تحت الصفر، والضغط النفسي أهلكنا».

80 % من النازحين حالهم بـ«الويل» والمساعدات الإغاثية لا تكفي!

يتجول الإعلامي السوري بشار الشيخ يوميًّا في مخيمات النزوح، حاملًا الكاميرا خاصته في بلدة «كفر لوسين» و«أطمة» شمالي إدلب، وكذلك في الأراضي الزراعية في بلدة «معرة مصرين» بريف إدلب الشمالي.

Embed from Getty Images

ينظر بحسرة كبيرة إلى النازحين القاطنين تحت الشجر، يضعون قطعة من القماش لحماية خصوصيتهم، فهؤلاء لا يملكون حتى ثمن شراء خيمة، وقد لا يمتلكون ثمنًا لقوت أطفالهم.

توقف الشيخ كثيرًا عند حالة سيدة في بلدة التح بريف إدلب الجنوبي، تأثر لظروفها القاسية، فلديها طفل مريض وزوج كبير في السن، حتى إنه بسبب النزوح وعدم تلقيه العلاج فقد بصره كليًّا.

يقول الشيخ لـ«ساسة بوست»: «شهدت الأشهر الثلاثة الماضية أكبر موجة نزوج يشهدها ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، كانت موجة نزوح غير مسبوقة وغير متوقعة، فالنظام اعتاد أن يركز على قصف منطقة لفترة معينة، ثم يهدأ فتعود الناس إلى بيوتها»، يشير الشيخ إلى أن هذه الموجة التي أعجزت المؤسسات الإنسانية عن خدمة الكم الهائل من النازحين، خاصة المناطق التي ضمت مجهرين قسريًّا في السابق.

ويضيف: «ازدادت حالة النازحين الذين لم يستطيعوا الحصول على ممتلكاتهم؛ لصعوبة المواصلات، أو لتدمير منازلهم، سوءًا، وأصبح حالهم «بالويل» كما يُقال، وهؤلاء يشكلون ما نسبته 80%»، ويتابع الشيخ القول: «كان على الجميع في البداية أن يفترش الأراضي الزراعية سكنًا؛ لأنه لم تكن لديهم قدرة على شراء خيمة أو استئجار منزل».

يقول مدير فريق منسقي الاستجابة في سوريا محمد حلاج إن: «النزوح أصبح كارثيًّا، ولا يستطيع أحد التعامل مع أعداد النازحين الضخمة، خاصة وأن موجات النزوح مستمرة منذ عام من ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي. وقد تجاوز تعداد النازحين، منذ توقيع اتفاق سوتشي وحتى اللحظة، مليون نازح، ما يعادل 190 ألف عائلة»، وييبن حلاج أنه: «تقسمت مراحل النزوح التي بلغ مجموع أفرادها مليونًا و50 ألفًا، منذ بدء الحملة العسكرية على ريفي حماة وإدلب، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، إلى ثلاث موجات نزوح».

ويضيف حلاج لموقع «تلفزيون سوريا» أن: «المساعدات والسلل الإغاثية التي توزعها المنظمات والمؤسسات الإنسانية، غير قادرة على تغطية أعداد النازحين؛ نظرًا إلى ما شهدته مناطق الشمال السوري من موجات نزوح وتهجير سابقة، وذلك على الرّغم من إرسال المنظمات الأممية وغيرها من الجهات المساعدات الإغاثية دوريًّا».

«حرب عالمية؟».. روسيا تنزع خان شيخون وترسم خارطة نفوذ جديدة

المصادر

تحميل المزيد