تكاد لا تتوقف غرائب كوريا الشمالية، والتي كان آخرها واقعة حرق خلال الشهر المنصرم، وذلك عندما ضلَّ مسؤول كوري جنوبي، وهو يستمتع بزورقه الصغير، طريقَه في عرض البحر، ودخَل المياه الإقليمية لكوريا الشمالية خطأً ليسقط بين يدي حراسها، الذين لم يتكبدوا عناء اعتقاله والتحقيق معه، بل أطلقوا النار عليه من مكانه في البحر، ثمَّ سكبوا الزيت على جسده وأشعلوا النار فيه.

في اليوم التالي، قدَّمت كوريا الشمالية اعتذارًا رسميًّا لجارتها الجنوبية على حادثة القتل، وقالت إنه كان إجراءً ضروريًّا لمحاربة فيروس كورونا!

بالنظر إلى مثل هذه الوقائع التي تُشتهر بها كوريا الشمالية، فإن تجربة السجن هناك بالتأكيد تبدو كما لو أنها رحلة إلى جحيم حافل بالكوميديا السوداء، وأن الأشخاص المحظوظين فقط هم من تسنح لهم فرصة الخروج أو الهروب سالمين من سجون كوريا الشمالية.

مثل حشرة عالقة في بيت عنكبوت

في ديسمبر (كانون الثاني) 2012، كان المبشر كينيث في زيارة معتادة إلى كوريا الشمالية، بعد أن قام بعدة جولات إلى هذه البلاد فيما قبل، لكن هذه المرة أوقفته عناصر السلطة الشمالية وفتشته، لتكتشف قرصًا صلبًا به مواد مسيحية، وكان هذا كافيًا لاتهامه بجريمة «التخطيط لإطاحة حكومة كوريا الشمالية»، والحكم عليه بالسجن 15 سنة مع الأشغال الشاقة.

يحكي المبشر كينيث قصة سجنه، في مذكرته «لا يُنسى: القصة الحقيقية لسجني في كوريا الشمالية»، أنه كان يُستجوب من الساعة الثامنة صباحًا إلى العاشرة ليلًا كل يوم، طوال الأربعة أسابيع الأولى من حبسه. ويتذكَّر جيدًا عندما قال له أحد المحققين أثناء استجوابه، «لا أحد يتذكرك، لقد نسيك الناس، ونسيتك حكومتك. لن تعود أبدًا إلى المنزل، ستمكث هنا لمدة 15 عامًا». قال كينيث: «شعرت حينها وكأنني حشرة، عالقة في شبكة العنكبوت، كلما تحركت كانت تتعثر بلا مخرج».

بعد انتهاء شهر الاستنطاق ذاك، أصبح كينيث يعمل في مزرعة فلاحية، وكان يحمل الصخور ويجرف الفحم. في البداية، يَذكُر  أن الأمر كان صعبًا لأنه لم يكن يستطيع التواصل مع باقي المعتقلين، مما كان يدخله في روتين قاتل من العزلة. لكنه بعد ذلك تمكَّن من تعلم اللغة الكورية الشمالية. يقول «أخبرتهم أن معظم الناس يمتلكون منزلًا وسيارة في أمريكا، فردوا: لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا»؛ إذ جرى تلقين الكوريين الشماليين بأن 99% من الناس في أمريكا يعيشون حياةً قاتمة من الفقر.

لم يقل كينيث في مذكرته إنه تعرض للتعذيب الجسدي أو للضرب في سجن كوريا الشمالية، مع ذلك تدهورت صحته بشكل متزايد بسبب قسوة النظام السجني، الذي أدى إلى تفاقم مرضه السكري وارتفاع ضغط الدم لديه؛ إذ نُقل على إثر ذلك مرارًا وتكرارًا إلى المستشفى لتلقي العلاج الطبي، ما أجبر السلطات الشمالية في الأخير على إطلاق سراحه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014؛ خشية وفاته واستجلاب عبء ضغوط خارجية.

رغم ذلك يقرُّ المبشر كينيث بأنه كان محظوظًا بالمقارنة مع المُحتجزين المحليين؛ إذ كان يتلقى معاملة خاصة، ووُضع وحده في زنزانة بها سرير ومرحاض، وسمح له بامتلاك الكتاب المقدس، كما خرج من سجنه سريعًا بعد أقل من عامين، ويعود الفضل في ذلك لكونه يمتلك الجنسية الأمريكية. أما واقع سجن الكوريين الشماليين فهو في غاية البؤس، على حد قوله.

يأكلون الفئران والضفادع من شدة الجوع

كانغ تشول هوان، كان واحدًا من الكوريين الشماليين الذين سجنوا لمدة طويلة لأسباب عبثية، يقول بأنه في عام 1977 اقتيد مع عائلته بأكملها، وهو في التاسعة من عمره، إلى سجن يودوك المخصص للسجناء السياسيين، وأن السبب في ذلك هو أن جده كان مسؤولًا حكوميًّا اتهم بالخيانة السياسية، ونتيجة لذلك جرت معاقبة ثلاثة أجيال من عائلته، إلى أن حان دوره بأخذ حصته من العقاب.

يقول تشول هوان إنهم كانوا يستيقظون من الخامسة صباحًا، وبعد أن يتحقق الحراس من الحضور، يجبرونهم على العمل الشاق حتى السابعة مساء، وكانوا يحصلون بالكاد على بعض الملح والذرة في ساعة الغذاء، يقول «إذا أكلنا فقط ما أعطي لنا سنموت؛ لذلك كنا نأكل كل ما نراه يتحرك على الأرض، لقد اصطدنا الفئران والحشرات والضفادع، من أجل البقاء على قيد الحياة».

يذكر أيضًا أنه كانت هناك مرافق داخل المعسكر خاصة بالتعذيب، وإذا ما ارتكب أحدهم أخطاء أو تسبب في متاعب، فإنهم يجرُّونه إليها لإذاقته سوء العذاب، وكانت تُقام كل مرة أو مرتين في الشهر إعدامات علنية.

لكن الصورة الأكثر إثارة للصدمة للسجين الشمالي، والتي لم يستطع نسيانها، هي عندما رأى سجينين معلقين على سقالة في ساحة السجن، وجعلوا الآلاف من زملائهم السجناء يرمون الشخصين المعلقين بالحجارة، حتى تشوهت جثتيهما.

بعد قضاء 10 سنوات، خرج تشول من السجن، وعاش في كوريا الشمالية لمدة خمس سنوات، قبل أن يلوذ بالفرار إلى كوريا الجنوبية؛ خوفًا من تعرضه من جديد للاعتقال.

وتُرغم النساء على قتل أطفالهن!

لطالما صنفت جماعات حقوق الإنسان كوريا الشمالية بوصفها أحد أكثر الأنظمة قمعية في العالم، التي تقول إن هناك زيادة في انتهاكات التعذيب منذ تولي كيم جونغ السلطة في عام 2011، وقلة فقط تمكَّنت من الهروب لتحكي قصتها في السجن.

في عام 2014، اتهم تقرير من 400 صفحة، صادر عن لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن حقوق الإنسان، حكومة كوريا الشمالية بارتكاب «مجموعة واسعة من الجرائم ضد الإنسانية»، بما في ذلك الإبادة والقتل، والاغتصاب والإجهاض القسري، والاسترقاق في معسكرات الاعتقال.

وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن هناك نحو 200 ألف شخص مسجونين حاليًا في هذه المعسكرات، فيما توفي حوالي 400 ألف شخص فيها على مدى عقود. وتقول إن كوريا الشمالية تواصل إدارة معسكرات الاعتقال الشبيهة بالغولاج الروسية في عهد ستالين؛ إذ كان يُجبر السجناء السياسيون على العمل الشاق، ويموتون بالجوع والتعذيب.

سياسة

منذ سنتين
صارت ككوريا الشمالية.. هل انسحبت أمريكا من «حقوق الإنسان» لتعذب الأطفال بحرية؟

فيما قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير حديث لها، إن «التعذيب والإذلال، بالإضافة إلى الاعترافات القسرية، منتشرة في النظام القضائي الكوري الشمالي، الذي يعامل المعتقلين على أنهم أقل قيمة من الحيوانات». وذكرت المنظمة الحقوقية أن إفادتها تستند إلى مقابلات أجرتها مع عشرات المعتقلين السابقين ومع مسؤولين كوريين شماليين.

ونفت كوريا الشمالية مرارًا مثل هذه التقارير أو وجود معسكرات احتجاز، وعادة ما تقاطع جلسات الأمم المتحدة التي تتناول انتهاكات حقوق الإنسان بالبلد، متهمة الولايات المتحدة الأمريكية بالتآمر عليها لإطاحة نظامها السياسي.

لكن كيم جونغ لا يستطيع الاختباء من صور الأقمار الصناعية، التي توثق وجود معسكرات للاحتجاز والعمل الشاق، جنبًا إلى جنب مع شهادة العشرات من الهاربين بشأن الانتهاكات، وعليها تستند تقارير الأمم المتحدة وبعض المنظمات الحقوقية، التي تتهم النظام الكوري الشمالي باحتجاز مئات الآلاف من الأشخاص، بمن فيهم الأطفال، في معسكرات للاعتقال السياسي، والعديد من هؤلاء لم يرتكبوا جرمًا، بل اعتقلوا لمجرد أنهم يقربون لأولئك الذين اعْتُبروا مُذنبين بارتكاب جرائم سياسية.

وكان قد صَدَر تقرير للأمم المتحدة منتصف هذا العام عن النساء المعتقلات في كوريا الشمالية، يقول إنهن «يتعرضن للتعذيب وسوء التغذية، والعمل القسري والعنف الجنسي، وحتى إرغامهن على قتل مولودهن». وفي هذا الصدد شهدت إحدى الهاربات بأنها «شاهدت سجينة أُجْبرت على إغراق طفلها في دلو».

ويبدو أن ما تقاسيه النساء هناك يجعلهن أكثر جرأة من الرجال؛ إذ شكَّلت الإناث 80% من مجموع 1047 شخصًا تمكنوا من الهروب إلى كوريا الجنوبية في عام 2019، فيما لا يُعرف عدد الأشخاص الذين اجتازوا الحدود الشمالية نحو الصين، والتي عادة ما تعيدهم إلى سجون الرجل المخبول في حال اكتشاف هروبهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد