فقدوا المعيل والسند، ومعه فقدوا طعم الحياة، وحملوا جبالًا من الهموم والأحزان بالرغم من نعومة أظافرهم، وقلة حيلتهم وهوانهم على الناس، والحديث هنا عن أيتام سوريا، البلد الذي ما زال يرزح تحت حربًا مستمرة منذ تسع سنوات، وأصبح عنوانًا للبؤس والخوف، وفوق هذا وذاك: الموت.

في هذا التقرير نتوجه بأعيننا وأقلامنا تجاه المناطق التي سيطر عليها نظام الأسد مؤخرًا في درعا والغوطة الشرقية وحمص، ونبحث بين ركام المآسي التي خيمت على عموم البلاد، عن حياة وأوجاع، وأيضًا أحلام، أولئك الأيتام.

أيتام سوريا الذين نضجوا قبل أوانهم

توفي زوج السيدة أم علي، تاركًا لها أربعة بنات لتعيلهم، بعد أن قامت مروحيات النظام السوري بإلقاء البراميل المتفجرة على بلدة طفس بمحافظة درعا عام 2015، لتفقد المعيل والسند لها ولأطفالها، وتضطر لبيع آخر ما تملك من الذهب، ولم يتبق لها أي مال.

تقول أم علي إنها كانت تتلقى مساعدات مالية لا تكفيها (7 آلاف ليرة سورية عن كل بنت) قبل سقوط محافظة درعا بيد النظام السوري، أما الآن فإنها لا تتلقى أي مساعدة؛ مما جعل حياتها لا تطاق، واضطرت بسبب ذلك للعمل في أي شيء. تضيف أم محمد: «أعمل في تنظيف المنازل وقطف المحاصيل الزراعية، وأعمل في أي شيء، وتساعدني في ذلك ابنتي الكبيرة ذات الأحد عشر عامًا فقط، وأجبرهم على الذهاب للمدرسة بالرغم من الأوضاع الصعبة».

Embed from Getty Images

«مفكر حاله زلمة البيت»، هكذا وصفت أم محمد ابنها البكر ذا الـ15 عامًا، الذي تعلم مهنة والده، ليرعى والدته وأخته الوحيدة سارة.

اعتقل النظام السوري أباه قبل ثماني سنوات من مكان عمله، ولا يعلم عنه أحد شيئًا حتى الآن. تقول أم محمد: «قيل لي إنه مات تحت التعذيب، بحثت عنه في صور قيصر لعلي أجده بين الصور، ولكني لم أجده، كانت تجربة صعبة».

تضيف أم محمد: «عندما اختفى زوجي، تكفلت بي منظمة خيرية هنا بشكل كامل، وانتقلت للعيش في بيت أهل زوجي لرغبتهم بوجود أطفالي معهم حتى يكبروا بينهم، وكانت الحياة جيدة نوعًا ما، ولكن بعد سقوط درعا أصبح الوضع صعبًا جدًا، خاصة مع توقف كل المنظمات، حتى والد زوجي لم يعد يستطيع تدبير الأمور، فراتبه التقاعدي ما عاد يكفي لشيء، مع غلاء الأسعار وارتفاع كل شيء، صدقني لم يدخل اللحم أو الدجاج بيتنا منذ أكثر من سنة».

كان أبو محمد حدادًا، والآن تعلم ابنه مهنته، وأصبح يساعد جده في مصروف البيت، وهو يعمل في هذه المهنة منذ أربع سنوات تقريبًا. وتشكو والدته من تقمصه لدور رجل البيت، فهو يرفض الذهاب إلى المدرسة ويفضل العمل. أما سارة، ذات الـ13 عامًا، فهي تريد أن تنشئ قناة لها على «يوتيوب» حتى تصبح مشهورة، ومحمد يرفض الأمر، بحسب والدته.

«في بعض الأحيان أتمنى الموت لأنه أرحم من هذه الحياة».

تواصل «ساسة بوست» مع أحد نشطاء الغوطة الشرقية الذين انتقلوا إلى الشمال السوري بعد تهجيرهم، وأخبرنا عن سيدة تدعى أم عبد السلام فقدت زوجها عام 2017 جراء قصف النظام السوري على مدينة دوما، لها ستة أطفال: أربعة صبية، وبنتان، أكبرهم عبد السلام الذي يبلغ من العمر 10 أعوام.

ما تزال أم عبد السلام تعيش في دوما ولم تخرج منها، وقمنا بترتيب موعد معها لنتحدث إليها، وامتلأت عيناها بالدموع وهي تقول: «في بعض الأحيان، أتمنى الموت؛ لأنه أرحم من هذه الحياة، أعيش في بيت مدمر ومهدد بالسقوط في أي لحظة، ولا أستطيع العيش بمكان آخر، أقسم لك أنني في كثير من الأحيان بحثت في القمامة عن الطعام حتى أطعم أطفالي».

بعد وفاة زوجها، تكفلت إحدى الجمعيات الخيرية بأطفالها، وكانت تعطيها تقريبًا 100 دولار شهريًا، أما الآن، بعد سقوط الغوطة الشرقية، فلا تجد الليرة، بحسب تعبيرها.

توضح أم عبد السلام: «ذهبت إلى الجمعيات الخيرية هنا ولم أتلق أي مساعدة، وكنت قد رفضت الخروج إلى الشمال السوري لأني خفت على أطفالي من القصف، ونسيت أن الجوع كافر، وكان يجب أن أخاف منه».

يذهب عبد السلام، ابنها البكر، في الصباح الباكر للبحث بين ركام المنازل المدمرة وفي القمامة والشوارع عن الحديد والألومنيوم والمعادن الأخرى التي يمكن بيعها، ويحضر الطعام معه، وفي أيام كثيرة لا يجد شيئًا؛ لأن العديد من الأطفال الذين يكبرونه سنًا يقومون بهذه الأعمال أيضًا.

تضيف أم عبد السلام: «بحثت عن أي عمل لي أو لابني فلم أجد. لا يوجد أعمال والكل عاطل هنا. أعمل في أي شيء يعرض علي، اشتغلت في مزرعة لتربية الأبقار لعدة أشهر قليلة، وكنت أعمل في إطعامها وحلبها، وأيضًا تنظيف مخلفاتها، ولكن صاحب العمل فصلني بدون سبب».

«أفضل من غيرنا، ولكننا لا تشتري الكثير من الأطعمة لارتفاع سعرها».

في مدينة حمص، فقدت السيدة أم صلاح، ذات الـ65 عامًا، ابنها الوحيد في القصف على أحياء المدينة في 2013، وترك خمسة أطفال دون عائل لهم سوى جدتهم، بعد مقتله مع زوجته جراء قصف مدفعي استهدف حي الوعر.

أكبر أطفاله هي ياسمين ذات الـ16 ربيعًا، يليها عبد الرحمن ذو الـ15 عامًا، الذي يعمل لقرابة 14 ساعة يوميًا في محل لبيع الملابس وينال راتبًا شهريًا غير ثابت، يتراوح بين 20 ألف إلى 30 ألف ليرة تقريبًا. أما ياسمين، فتعمل في محل لبيع مواد التجميل والعطور، وعدد ساعات عملها تقريبًا مثل أخيها، وراتبها الشهري كذلك.

تستلم الجدة الراتب التقاعدي لزوجها المتوفي، الذي يقدر بـ40 ألف ليرة، وتعيش الأسرة بوضع اقتصادي متوسط. «أفضل من غيرنا، ولكننا لا تشتري الكثير من الأطعمة لارتفاع سعرها مثل اللحم، ونحاول أن نقتصد كثيرًا في المصاريف، فلا نعلم ما تخبئه لنا الأيام»، كما توضح أم صلاح.

كانت هذه بعض القصص من آلاف أخرى لم ترو عن أيتام سوريا، وفي الحقيقة لم يكن من الصعب العثور على بعضهم، فالأيتام موجودون في كل حي وحارة، ستعرفهم من أثر الهموم والتعب على وجوهم. نضجوا قبل أوانهم، وتحملوا مسؤوليات يأن منها الكبار، حملوا الدنيا على أكتافهم وهم يحلمون أن يكون القادم أجمل.

عدد أيتام سوريا.. تقديرات غير رسمية

لا توجد أرقام دقيقة أو رسمية لعدد أيتام سوريا اليوم، فآخر تقرير صدر عن منظمة اليونيسف كان في عام 2017، وقال: «إن سوريا يعيش فيها قرابة المليون يتيم الأب أو الأم». لكن هذا الرقم بالتأكيد اختلف بشكل كبير، خاصة أن عام 2018 شهد أعنف المعارك في سوريا، والتي خسرت فيها المعارضة السورية معظم مناطقها في درعا والغوطة الشرقية وحمص، وكذلك المعارك التي أدت لخسارة تنظيم «داعش» لمعظم مناطقه، وهنا نتكلم عن أيتام سوريا بالعموم بدون تخصيص بين معارضة وموالاة.

مجتمع

منذ 3 سنوات
«اللي بلا أم حاله يغم».. «ساسة بوست» يستقصي جحيم فتيات دور الأيتام في مصر

قدّرت جهات أخرى عدد أيتام سوريا بـ10%، وبين هذا وذاك، تبقى الأرقام غير دقيقة لأنها تتضمن الذين يعيشون في سوريا وخارجها في دول اللجوء والشتات، ومع غياب جهة رسمية تقوم بحصرهم بشكل صحيح تبقى أعدادهم غير معروفة.

يقول أبو شكري، وهو أحد العاملين في مجال الإغاثة في محافظة درعا قبل سقوطها بيد النظام، لـ«ساسة بوست» إن «عدد الأيتام في درعا تجاوز 10 آلاف يتيم، بينهم أطفال لعوائل موالية للنظام والمعارضة، وبينهم من سقط في المعارك».

أما في دمشق وريفها، فقد كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، التابعة للنظام السوري في أواخر عام 2018، عن إحصاء ما يزيد على 30 ألف يتيم في دمشق وريفها، وأن 600 يتيم منهم فقط يعيشون في دور رعاية الأيتام، بينما صدر في عام 2017 إحصاء نشره «المكتب الإغاثي الموحد في الغوطة الشرقية» قال: «إن عدد الأيتام بلغ نحو 14 ألف طفلًا في الغوطة الشرقية».

وبحسب ما قاله نشطاء من ريف حمص الشمالي لـ«ساسة بوست»، فإن عدد الأيتام في منطقتهم يقدر حتى نهاية عام 2018 بـ2300 يتيم فقط، وعند سقوط منطقتهم بعد سيطرة النظام السوري عليها، خرج منها قرابة الـ200 يتيم إلى الشمال السوري، ومن تبقى منهم يعيش ظروفًا صعبة للغاية.

وبسبب صعوبة حصر أعدادهم في أحياء مدينة حمص، فقد ذكروا لنا الإحصاء الذي تمكنوا من توثيقه في حي الوعر فقط، وقدر عددهم بـ930 يتيم فقط لغاية عام 2018، وبعد تهجيرهم لم يتبق منهم في الحي المذكور سوى 400 يتيم فقط.

أما ما يخص المحافظات الأخرى، خاصة تلك التي كانت تحت سيطرة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، أو التي ظلت تحت سيطرة النظام طوال سنوات الحرب، فلا توجد فيها أية أرقام رسمية أو غيرها.

وتواصل «ساسة بوست» مع نشطاء من دير الزور، وأكدوا صعوبة، بل واستحالة، توثيق أعداد الايتام في ظل تقاسم السيطرة على المحافظة بين «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» ونظام الأسد، وكذلك الأمر في الرقة والحسكة.

ولم يصدر النظام السوري أي إحصائية في مناطقه، إذ قتل الآلاف من عناصره في المعارك التي جرت مع فصائل المعارضة السورية وتنظيم «داعش»، ومن بين هؤلاء من له أطفال أصبحوا أيتامًا، وربما يكون هذا السبب هو ما يمنع قيام النظام بإحصاء عدد أيتام سوريا، حتى لا يتسبب هذا الأمر بزعزعة صورته لدى الحاضنة الشعبية، ومنها ربما تعرف خسائر جيشه.

Embed from Getty Images

«فوق الموت عصة قبر».. أيتام لا يستطيعون إثبات وفاة ذويهم

ربما يكون هذا المثل الشعبي أصدق تعبير عما يمر به أيتام سوريا، فهم فوق كل ما يمرون به من مصائب ومصاعب، يجدون العوائق في طريقهم أينما ذهبوا وتوجهوا، إذ إن آلاف العائلات لغاية الآن لم تتمكن من استخراج شهادة وفاة، وهذا الأمر يصعب الكثير من الأمور القانونية والحياتية.

يفرض النظام السوري قيودًا صعبة على استخراج شهادات الوفاة لمن قتلوا في المعارك، خاصة أولئك الذي كانوا في صفوف المعارضة، وإذا كان المتوفى قتلًا في القصف، أو بأي نوع من أنواع الأسلحة، يرغم ذويه على ذكر أن سبب الوفاة هم الجماعات الإرهابية، أو أن الوفاة طبيعية في أحسن الأحوال. بينما هناك العديد من العائلات في مدينة حمص، على سبيل المثال، لم تتمكن لغاية اللحظة من استخراج هذه الشهادة بسبب رفض النظام، وذلك حسب ما نقله ناشطون.

تقول أم محمد، الذي اعتقل زوجها ولا تعلم عنه شيئًا، إنها لم تستطع إلى الآن استخراج شهادة وفاة، أو حتى إثبات اختفاء زوجها بسبب رفض النظام لذلك، وتوضح: «الجمعيات هنا لا تساعدني بشيء إذا لم يكن لدي هذه الشهادة التي تثبت يُتم أطفالي، تقدمت أكثر من مرة لاستخراج الشهادة ورفض طلبي».

أوضح أبو شكري في حديثه لـ«ساسة بوست» أن الكثير من العوائل التي كانت تعتبر رمادية ولم تكن في صف المعارضة أو النظام، تمكنوا من استخراج شهادة الوفاة بدون تعقيدات، بينما هناك قسم كبير لم يستطع اسخراج هذه الشهادة، بسبب وجود بعضهم في معتقلات النظام وغياب المعلومات الرسمية عنهم وما إذا كانوا أحياء أم أموات، وأضاف أيضًا أن هناك عوائل لم تتمكن من الحصول عليها بسبب أن المتوفى شخصية معارضة معروفة، وقتلت في المعارك، أو كان قياديًا سابقًا في «الجيش الحر»، أو «الفصائل الإسلامية».

ويشير أبو شكري في حديثه إلى أن «العديد من العوائل ترسل أطفالها الأيتام القادرين إلى العمل، إذ إننا في موسم الحصاد، خاصة تلك العوائل التي لا يوجد فيها سوى الأم، ولا يوجد أحد من أقاربهم لرعايتهم».

يجبر النظام السوري ذوي الأيتام في الغوطة الشرقية على الذهاب إلى العاصمة دمشق، لاستخراج شهادة الوفاة، والكثير من العوائل تخاف من الاعتقال إذا حاولت، أو فكرت الذهاب لما في ذلك الكثير من التعقيدات والأخذ والرد.

تقول أم عبد السلام: «أخاف أن اذهب لاستخراج شهادة الوفاة، وربما يتسبب ذلك باعتقالي أو التحقيق معي، وأنا مريضة بالضغط والسكري ولا أتحمل، أفضل البقاء بعيدًا عنهم وهم بعيدين عني، لا أريد الذهاب».

حقوق إنسان

منذ 10 شهور
ماذا تعرف عن حال التعليم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري؟

يؤكد نشطاء في حمص لـ«ساسة بوست» أن النظام يجبر ذوي المتوفى على التوقيع والإقرار بأن المتوفى قتل نتيجة هجمات إرهابية، بينما يصعب وربما يستحيل تسجيله إذا كان المتوفى قد قضى في المعارك.

ويحتاج أهالي الأيتام لاستخراج شهادة الوفاة لاستخدامها في الأمور القانونية مثل توزيع الميراث، وتحويل وصاية الأطفال للأم، وتقديمها للمنظمات الخيرية للحصول على المساعدات، وحتى في الأمور الأخرى التي تسمح للأرامل بالزواج مرة أخرى، وغيرها.

لم يتوقف ألم أيتام سوريا عند فقد ذويهم، بل يتعرضون للكثير من المعوقات والتعقيدات التي يضعها النظام أمامهم وأمام عوائلهم، وبينهم الكثير ممن ترك مقاعد الدراسة، وحسب المعلومات المتوفرة فإن من بينهم من لا يستطيع القراءة والكتابة، والكثير منهم توجهوا إلى سوق العمل، حيث يجري استغلالهم من قبل أرباب العمل لحاجتهم فيمنحوهم رواتب ضئيلة، كما أن الوضع الاقتصادي العام للبلاد كان أحد المعوقات أمام نهوضهم من جديد، إذ تصدرت سوريا قائمة الدول الأكثر فقرًا بالعالم، بنسبة بلغت 82.5%.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد