في صبيحة اليوم الأول من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، كان مشهد رؤية السيدة ليلى (32 عامًا) لزميلها محمود بدون الزي الرسمي له بوصفه عامل نظافة في مستشفى غزة الأوروبي (جنوب قطاع غزة) مثيرًا للقلق، لقد صحت توقعاتها حين أخبرها بأنه أصيب بالفيروس التاجي كوفيد-19 وأصبح مريضًا في المستشفى الذي يعمل به والمخصص لمعالجة حالات كوفيد-19 في قطاع غزة.

في اليوم التالي، اشتدت صدمة ليلى أكثر حين حضر شقيق زميلها مصابًا أيضًا، فيما تُركت والدتهما في المنزل تعاني من أعراض الإصابة، وضعت هذه الحادثة عاملة النظافة ليلى أمام تخوفاتها القائمة منذ بدأت العمل، بأن تتسبب في نقل العدوى لعائلتها الصغيرة، وبالأخص طفلها ذا السنوات الثلاث.

ما سبق، جزء يسير من معاناة ليلى التي دفعتها المسؤولية الاجتماعية والحاجة الاقتصادية لمواصلة العمل في خدمة مرضى كوفيد-19 المحجوزين في هذا المستشفى المخصص لاستقبال الحالات المصابة بفيروس كورونا بجميع المستويات الثلاث من الطفيفة إلى الأكثر خطورة.

فالسيدة التي هي على احتكاكٍ دائمٍ بالمصابين باتت كل لحظة تمر عليها في العمل أشبه بـ«كابوس حقيقي»، والأدهى أنها تعيش معاناة مزدوجة، من جهة هناك مخاطر محدقة أثناء قيامها بعملها إذ تتصدر امرأة الخطوط الأمامية لهذا الوباء، ومن جهة أخرى هي واحدة من ضمن العاملين بقطاع النظافة في المنشآت الصحية الذين يتلقون أجورًا أقل من الحد الأدنى الذي حدده القانون في عام 2012 بواقع 1450 شيكل (420 دولارا) شهريًّا، كما أن السيدة التي تتلقى نصف الراتب القانوني تقريبًا؛ واحدة من مجموع العاملات اللواتي لهن مستحقات متأخرة على الشركات المشغلة لهن، ناهيك عن أن بعضهن قد تم الاستغناء عنهن خلال الأزمة الحالية كما يظهر التقرير التالي.

«ولنا أحلامنا الصغرى»

تخبرنا ليلى وهي ترتدي لباسًا وقائيًّا بأكمام طويلة وأحذية محكمة الإغلاق أنها وبرغم اتخاذها كل الاحتياطات الاحترازية اللازمة وتنفيذ كل الخطوات التي تدربت عليه خلال العمل فإنها لا تشعر بالأمان، فالعديد من زملائها أصيبوا، كما أنها حين تعود إلى منزلها الكائن في مدينة رفح (جنوب قطاع غزة)، تبقى في حالة يقظة كبيرة، كأن تجلس على بعد أمتار وهي ترتدي الكمامة الطبية وتتابع دروس ابنتها، وبين الفينة والأخرى تختبر حاسة الشم لديها بشم مادة الكحول المعقمة.

عاملة تحتج على ظروف العمل (شبكات التواصل الاجتماعي)

العديد من المواقف المؤلمة مرت على ليلى منذ بدأت عملها في هذا المستشفى، أصعبها يوم وفاة الرضيع محمد (أربعة أشهر) في الحجر، تقول ليلى: «مات الطفل أمام أعين أمه وهي وحيدة معه، وكان قلبها ينفطر على أطفالها في المنزل، كان حالها يبكينا بشدة، كما كانت وفاة أي مصاب تابعنا أمره تصدمنا وتبكينا».

تعيش ليلى ظروفًا اقتصادية قاهرة، فتلك السيدة وهي خريجة جامعية لم تجد أمام ضيق حال زوجها المادي وحاجة أبنائها لتلبية حاجاتهم الضرورية سوى العمل في تلك المهنة الصعبة، والتي لا تناسب تخصصها الجامعي، وفي ظل الأزمة التي من المفترض فيها رفع نسبة رواتبهم تكافح السيدة وزملاؤها من أجل الحصول على حقوقهم المالية المتأخرة من العام الماضي من الشركات الخاصة.

تقول لنا: «حتى يومنا هذا لم نحصل على أي مستحقات خاصة بالأزمة الحالية كما وعدتنا وزارة الصحة، وللأسف حال أسرتي يضيق بسبب افتقار زوجي لأي فرصة عمل»، تصمت ثم تواصل: «ابنتي في الثانوية العامة، وتستنزف دروسها الخاصة ربع راتبي، أتحمل ذلك حتى تتمكن من تحقيق حلمها بدراسة الهندسة».

يذكر أنه يبلغ عدد العاملين بقطاع النظافة لدى الشركات الخاصة في المنشآت الصحية 900 عامل، موزعين على 83 مركزًا صحيًّا ومشفى، ويتبعون 13 شركة نظافة تعمل في محافظات قطاع غزة الخمس (غزة، الشمال، الوسطى، خانيونس، رفح). ويتلقى هؤلاء أجورًا أقل من الحد الأدنى الذي حدده القانون كما أسلفنا.

«الصدمة الأولى»

كانت السيدة رحاب السوراكة (47 عامًا) على رأس عملها في أحد مستشفيات شمال قطاع غزة، حين تلقت كما جميع السكان خبر انتشار فيروس كورونا بين عموم السكان يوم 24 أغسطس (آب) الماضي.

Embed from Getty Images

عمال النظافة الفلسطينيون في مستشفى الشفاء يحملون الأعلام القطرية ولافتات للمطالبة برواتبهم

وبرغم أن رحاب العاملة منذ سنوات في مجال النظافة كانت تأخذ الاحتياطات اللازمة التي تدربت عليها جيدًا منذ أعلن عن انتشار الفيروس في مارس (آذار) الماضي، إلا أنها «لم تكن احتياطات صارمة، بسبب قناعتنا، بأنه لا يوجد إصابات في القطاع» كما تقول.

ففي الساعات الأولى لهذا الخبر اكتشفت رحاب أنها تعمل في أحد أبرز بؤر انتشار المرض في القطاع وأنها خالطت مرضى لم يكن قد اكتشفت إصابتهم، هذه الظروف دفعت نحو إجراء فحص (PCR) لجميع العاملين في المستشفى ومن ضمهم رحاب التي حجزت في المستشفى حتى ظهور النتيجة «الصادمة» كما تصفها.

تقول رحاب: «جاءت النتيجة إيجابية، وكان عليّ أن أخبر أبنائي هاتفيًا أني مصابة، وأني سأذهب للحجر الصحي في جنوب القطاع، كنت أخبرهم بذلك ويتملكني شعور بالرعب أنني لن أعود إليهم مرة أخرى».

حين وصلت رحاب المستشفى الأوروبي، كانت مشاعرها بوصفها مصابة وأمًّا لديها سبعة أبناء (ثلاثة ذكور، وأربع بنات) صعبة للغاية، يمر بمخيلتها كل الأخبار الإعلامية التي تتحدث عن أن الفيروس التاجي هو مرض مميت في الغالب، وتضيف لـ«ساسة بوست»: «كنت أتفهم العزل التام الذي خضعنا له في الحجر، إذ لن نرى وجوه من حولنا من أطباء وأُحكم الإغلاق علينا في غرف الحجر، لكني كنت حزينة للغاية على ما تعرض له أبنائي من تنمر ووصمة اجتماعية من قبل المجتمع، شعرت أن الكل تخلى عن أسرتي ورفع يده عن مساعدتهم».

قضت رحاب فترة العلاج والنقاهة ثم عادت إلى العمل، وبرغم أن راتبها الشهري هو 770 شيكل (220 دولار تقريبًا) إلا هذا الراتب أساسي بالنسبة لأسرتها، إذ إنها بحاجة لمساندة زوجها ماديًا فلديها طالبان جامعيان، فيما هناك اثنان آخران حصلا على الثانوية العامة ويتمنيان أن تسمح الظروف المالية لهما بأن يلتحقا بركب الدراسة الجامعية ويحققا حلم أمهما بأن ترى جميع أبنائها في مراكز علمية ومهنية مناسبة.

عمل خطر وأزمة اقتصادية خانقة

قبل يوم 24 من أغسطس 2020، كانت أحلام أبو غبن (45 عامًا) تباشر وظيفتها عاملة النظافة في قسم العمليات الجراحية في المستشفى الإندونيسي (شمال قطاع غزة) برغم شعورها بأعراض إنفلونزا «خفيفة» كما تصفها، ثم بعد أيام من ذلك اكتُشف في قطاع غزة انتشار فيروس كورونا بين عموم السكان، وان أحلام من أوائل من أصابهم فيروس كوفيد-19 وليس دور إنفلونزا كما اعتقدت.

Embed from Getty Images

إضراب عمال تنظيف المستشفيات بدون أجر في غزة

حين أُخبرت أحلام بإصابتها شعرت بخوف شديد على عائلتها الممتدة المكونة من 26 شخصًا يقطنون مبنى سكنيًّا واحدًا، تقول لـ«ساسة بوست»: «شعرت بأني ذاهبة للموت، كنت أرجف من شدة الخوف على من حولي بالأكثر، أصابني الرعب من أن أكون قد تسببت بإصابة أحد دون أن أدري، اصطحبوني إلى الحجر وأنا استحضر مشاهد موت المصابين التي كنت أراها في الإعلام».

وتضيف أحلام: «اكتشفت إصاباتنا بشكل مفاجئ، لذا لم تكن الأمور مهيأة كما يرام في مستشفى الحجر، حتى أن أهلي هم من أحضروا لي بعض الأدوية والمسكنات».

أنهت أحلام فترة العلاج والتعافي على أمل أن تعود لحياتها ما قبل الإصابة، حيث تعمل منذ 12 عامًا في مجال النظافة، لكن الشركة المسئولة طلبت منها البقاء في المنزل، تقول أحلام: «فقدت عملي، ولم أحصل حتى الآن على أية مستحقات أو تعويضات كما وعدت، الشركة تربط مصير المستحقات بالدفع لها من قبل الحكومة، كما أنني لو اعتبرت ما حصل معي طردًا فأين مكافئة نهاية الخدمة؟».

كذلك، تعاني نهلة أبو معروف (43 عامًا) من ظروف اقتصادية صعبة دفعتها للتراجع عن قرار التوقف عن العمل الذي اتخذته في بداية انتشار الفيروس التاجي حفاظًا على صحة والديهم الذين يعانون من أمراض مزمنة، تقول نهلة: «مضطرة لهذا العمل منذ عام 2015 بسبب الحاجة المالية، يكلفني علاج والدي 200-300 شيكل شهريًّا».

أرّق نهلة في بداية الأزمة ذهابها من منزلها الكائن في مدينة خانيونس إلى المستشفى الجزائري التابع للخدمات الطبية العسكرية بمنطقة عبسان الكبيرة، إذ إن تكلفة المواصلات سببت لها ضغطًا ماليًّا لكونها قاربت دولارين يوميًّا، تقول نهلة: «دفع هذا المبلغ يعني اقتطاع ثلث راتبي لقد وجدت الحل بالالتحاق بالباص الحكومي، أتمنى أن تتحسن رواتبنا، إذ تضاعف الأزمة الحالية من شعورنا بالضغط بسبب ضعف الراتب وتفاقم المخاطر».

«بُعبع» البطالة يمنع العمال من الشكوى!

يتابع رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في قطاع غزة سامي العمصي عمله في مجال رعاية حقوق العمال ومن ضمنهم عمال النظافة في القطاع الصحي، ينسق العمصي من أجل تقديم المساعدات العينية والرعاية الصحية لهؤلاء، وكذلك حل المشاكل التي تواجههم باعتبارهم فئة تعمل في مخاطر عالية في ظل جائحة كورونا.

حتى الآن لا يستطع العمصي الاطمئنان على حل مشكلة عدم صرف المكافاة الخاصة بالعمال التي أقرتها وزارة الصحة لكل العاملين في القطاع الصحي خلال الأزمة الحالية، بل إنه يأسف لعدم حل مشكلة الرواتب المتأخرة منذ العام الماضي، إذ استُأنف استلام راتب عمال النظافة مع بقاء الأربعة أشهر أو أكثر معلقة.

ويبين العمصي خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «تلك مشكلة تتحمل مسؤوليتها شركات النظافة المتعاقدة مع وزارة الصحة، إذ من المفترض أن تنهى مستحقات العمال لكون أموال تلك الشركة مضمونة عند الحكومة»، ويضيف: «قانونيًّا من المفترض أن تدفع الشركة تلك الأموال، لكن الواقع المعاش يعود لكون المناقصات ترسى على الأسعار المتدنية جدا، فعندما طالبنا قبل عامين برفع أجرة العامل الواحد إلى ألف شيكل (ما يقارب من 300 دولار)، رفضت وزارة الصحة أي مناقصة يتعدى فيها راتب العامل 770 شيكل، وبالتالي تلتزم الشركات المعنية بأن ترسى عليها المناقصات بما تفرضه وزارة الصحة».

ويشير العمصي إلى أنه بعد اعلان حالة الطوارئ في مارس الماضي أصبح مطلوبًا من شركات النظافة مواد تنظيف مضاعفة دون أي زيادة على أسعار المناقصة الأساسية، وهو وضع جاء على حساب حق العامل، إذ لجأت بعض الشركات لتخفيض أجرة العامل الشهرية إلى 600 شيكل بدلًا من 770 شيكل التي نص عليها الاتفاق الأخير مع الحكومة، ويضيف: «تأكدنا من أن بعض الشركات خفضت الأجور المتدنية من الأساس، لكن لم يأتينا أي شكوى رسمية، لأن العمال يخافون من فقدان عملهم في ظل تلك الظروف، ونحن بحاجة لشكوى رسمية من أجل التحرك».

كورونا يتسبب في تقليص نسبة النساء العاملات بالقطاع

كان انتشار الفيروس بين عموم السكان في قطاع غزة محطة اختبار حقيقة لجدوى التأهيل المكثف الذي خضع لها عمال النظافة أسوة بكافة العاملين في القطاع الصحي، وبغض النظر عن اكتشاف العديد من الإصابات في الجولة الأولى من انتشار الفيروس، يخبرنا المتحدث باسم شركات النظافة في قطاع غزة أحمد الهندي أن الإصابة محدودة جدًا بين العمال النظافة إذ لا تتعدى 1%.

ويشير إلى ما يحدث في المستشفى الأوروبي تحديدًا أنه: «كل 14 يوم هناك دورة فحص لـ 50 عاملًا، ونكتشف في كل دورتين إصابة عامل واحد، وفي حالة ثبوت الإصابة تتكفل وزارة الصحة بكل الأمور المالية للعامل المصاب حتى انتهاء فترة شفائه، كما تتولى وزارة التنمية مساعدة أسر العاملين المصابين».

Embed from Getty Images

إضراب عمال نظافة المستشفيات في غزة (أرشيف)

لكن هناك مشكلة أكبر تتعلق بعدم دفع مستحقات مالية متراكمة على الحكومة لصالح تلك الشركات، إذ إن استلام مستحقات الحجر لشركات النظافة المتعاقدة مع وزارة الصحة متأخرة منذ ثلاثة شهور، ويبين لنا الهندي: «حصلنا على نسبة 60% من المستحقات ما بين شهر مارس حتى شهر أغسطس الماضي، وما زلنا نطالب بالمستحقات كاملة بسبب صعوبة الأوضاع المالية للعاملين في هذا القطاع».

وينفى الهندي أن تكون زيادة كلفة مواد التعقيم التي تضاعفت في ظل الأزمة قد جاءت على حساب راتب العامل، ويقول لـ«ساسة بوست»: «لا نصدر العامل للأزمة، ونحن مع حقوق العمال ونؤمن أن راتب المقرر من قبل الوزارة ليس قانونيًا، لكن كلينا مضطر للعمل بهذا الوضع في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة في قطاع غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني».

ولا ينكر الهندي وهو صاحب شركة «أحمد عبدو الهندي» أنهم اضطروا للاستغناء عن بعض العمال الذين قد يفقدون التصرف والوعي السليم مع الأزمة، ويضيف: «حساسية العمل داخل المستشفيات في هذه الأوقات العصيبة تتطلب عاملين بوعي كاف للتعامل مع الأزمة، وهو ما دفع إلى الاستغناء عن العاملين الذين لا يستوفون الشروط حفاظًا على العامل وعلى أسرته».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 3 شهور
كورونا يتفشى في غزة وهذا ما سيُصبح عليه حال القطاع المُحَاصَر

كما يأسف الهندي لاضطرار الشركة خاصتهم لتقليل نسبة النساء العاملات داخل الحجر، إذ فقدت ما بين 20-30 عاملة عملها (لا تتجاوز نسبة النساء في الشركة 10%)، ويرجع ذلك إلى طبيعة المرأة وقدرتها على التحمل للعمل في تلك الأزمة، ويقول الهندي: «قلصنا عدد النساء، وجاءت الأزمة المالية على حسابهن للأسف، هدفنا تقليل نسبة الإصابة بين عوائلهن، وكل ما استطعنا فعله هو تزويد وزارة التنمية بأسماء تلك النساء من أجل مساعدتهم ماديًّا خلال تلك الفترة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد