على مدار العام الجاري حكمت المحاكم الإيرانية على عشرات المواطنين المنتسبين إلى إحدى الأقليات الدينية المعروفة باسم «الدراويش»، بعقوبات مُغلظة تراوحت بين السجن والنفي الداخلي وكذلك الجلد، ووصلت بعض العقوبات إلى درجة الحكم بإعدام البعض منهم.

تزامنت أحكام السجن والعقوبات بحق عشرات من أقلية الدراويش التى يعتنق أفرادها معتقدات إحدى الطرق الصوفية، مع حملة تضييق واسعة عليهم من جانب السلطات الإيرانية، شملت إغلاق أماكن تواجدهم لممارسة طقوسهم الدينية وذلك بمنطقة غناباد جنوبي محافظة خراسان رضوى، الواقعة بدورها شمال شرقي إيران.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن طائفة «الدراويش» فى إيران، وطبيعة معتقداتهم الدينية، وأسباب استمرار السلطات الإيرانية فى التضييق عليهم، وحصار أنشطتهم الدينية، فضلًا عن اعتبارهم خطرًا على الأمن القومى.

«الدراويش».. المتصوفون الذين ترهبهم إيران

فى بداية القرن الثامن الهجري، أسس القُطب الصوفى الشيعي سيد نور الدين شاه نعمت الله، إحدى الطرق الصوفية داخل إيران، لتجذب هذه الحركة جمهورًا واسعًا تابعًا لها في شمال إيران، ويرث قيادة الحركة من بعد نعمت الله، العديد من المشايخ في إيران، وسط انتشار لأفكار الحركة، وتطور في معتقداتها وأفكارها.

وتفرعت هذه الطريقة الصوفية إلى طرق مختلفة من بينها «الغنابادية»، التى يعتنقها «الدراويش الغناباديون»، والذين يُطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى مقرهم الرئيس الواقع في منطقة غناباد جنوبي محافظة خراسان رضوي، الواقعة شمال شرقي إيران، وكانت تسمى سابقًا غنابا، وجنابد، ويسكنها اليوم 10 آلاف نسمة تقريبًا.

وتنقسم جماعة «دراويش غنابادي» إلى ثلاث طرق: طريقة «ذو الریاستینی»، وطريقة «سلطان علیشاهی»، وطريقة «صفائی»، وتتفاوت الثلاث طرق حسب قربهم من مدرسة أهل الفقه. ويٌقدر أعداد مريدي جماعة الدراويش نحو 5 مليون إيراني.

ويعتبر متصوفة إيران أنفسهم من أتباع الطريقة الاثني عشرية الشيعية، وهي المعتنق الرسمي للدولة في إيران، ويضم مذهبهم الصوفي أيضًا أفكارًا إسلامية، ويهودية، ومسيحية وزرادشتية على حد سواء، بالإضافة إلى عقائد هندية ومانوية، ويؤمنون بأن البشرية بدأت من خلق آدم، وبأن النبي محمد هو خاتم الأنبياء، وأن الإمام علي بن أبي طالب هو رأس الإمامة التي انتقلت منه للإمام الثاني عشر.

وتُرجِع بعض المراجع التاريخية هذا الخلاف الأكبر بين المتصوفة داخل إيران والسلطات الرسمية إلى الترويج الدائم والجهر العلني من جانب أقطاب الحركة الصوفية، بأنهم في منزلة الأئمة المعصومين لدى المذهب الشيعي، الأمر الذي يجعلهم في خلاف ديني مع الدولة وأقطاب رجال الدين الشيعى؛ لاعتبار يتعلق بأن منح الدراويش الحصانة لأئمتهم يُشكل انتقاصًا من شرعية منصب المرشد الأعلى في إيران، والذي نال سلطاته التشريعية في الدولة عبر منصبه الديني الذي لا ينافسه فيها أحد.

يُفسر ذلك أيضًا السبب وراء الاعتقاد الرسمي من جانب بعض رجال الدين الإيرانيين، بأن التصوف يُخرج من دائرة الشيعة، بل الإسلام؛ إذ أنهم يرونه خرقًا لسلطتهم بمساواتهم بقادة هذه الحركات الصوفية.

يتأكد ذلك من مُطالبة عدد من الأئمة في صلاة الجمعة قوات الأمن بالتعامل بحزم مع أتباع طريقة «الغنابادية»، وتوصيف الأئمة لهم بأنهم «جماعة مارقة» تقودها المملكة المتحدة.

10 كتب تخبرك الكثير عن الصوفية والتصوف

ففي 20 فبراير (شباط) لم يكن أمام العشرات من أتباع طريقة نعمت الله كنابادي الصوفية التي تنتسب إلى أقلية الدراويش داخل إيران سوى الخروج في تظاهرات  بكبرى الميادين في طهران؛ بعد حملات التضييق على كافة الأماكن التي يمارسون فيها طقوسهم الدينية، علاوة على استمرار قمعهم على كافة المستويات.

ولم تمر دقائق على انطلاق التظاهرة السلمية حتى اقتحمتها قوات الأمن، وقامت بفضها عبر استخدام القوة، وقبضت على ما لا يقل عن 300 من أتباع الطريقة الصوفية، من بينهم نحو 60 امرأةً، وزعتهم السلطات الإيرانية على مراكز احتجاز مختلفة من بينها سجون إيفين، وفاشافويه، وقرتشك في طهران.

كان من بين هؤلاء المحتجزين محمد راجي، الشاب الإيراني، الذي تعرض للاحتجاز في أحد هذه السجون، قبل أن يتعرض لتعذيب جسدي أفقده حياته من جانب قوات الأمن؛ والتي رفضت إبداء أي أسباب للوفاة وهددت بالتنكيل بأسرته إذا تحدثت عن الأمر علنًا.

وبحسب شهادة لأقارب راجي أدلوا بها إلى منظمة «هيومان رايتس ووتش»، فإن السلطات أكرهت عائلة راجي على دفن جثمانه في حضور قوات الشرطة الساعة الثانية صباح السادس من مارس (آذار) الماضي، في مقبرة بمدينة اليكودرز بمقاطعة لورستان، وهددت السلطات أقارب راجي بالاعتقال إذا استمروا في الحديث لوسائل الإعلام.

المسيحيون واليهود أكثر أمانًا في إيران

وتبدو الأقلية الصوفية أكثر خطورة على إيران، التي تحرّم شرب الخمر وتناول لحم الخنزير، من أتباع الديانات الأخرى مثل المسيحية واليهودية والزرادشتية؛ خصوصًا إذا ما علمنا أن إيران تعترف بالديانات الأخيرة، وتسمح لأتباعها ببناء دور عبادة، وتأدية طقوسهم الدينية في أماكن مخصصة لهم، فضلًا عن منحهم حقوقهم السياسية مثل الترشح في الانتخابات وحق التمثيل السياسي في البرلمان.

ويتواجد داخل إيران 600 كنيسة، وابتكر حسن روحانى منصبًا يختص بمتابعة شؤون الأقليات بعد وصوله إلى منصب الرئاسة في عام 2013، وذلك في محاولة لتحسين الصورة الخارجية لإيران، باعتبارها حامية لحقوق الأقليات التي تعيش في أرجائها.

Embed from Getty Images

تظاهرة مؤيدة لنظام الجمهورية الإسلامية فى إحدى المدن الإيرانية

ويمتد الأمر ليشمل اليهود كذلك عبر منح الطلبة اليهود إجازة في مناسباتهم الرسمية، فضلًا عن وجود تمثيل لليهود داخل البرلمان الإيراني ممثلًا في عضو واحد، اصطحبه روحاني إلى نيويورك في زيارته الأولى إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، علاوة على السماح للأرمن بتنظيم وقفةٍ احتجاجية أمام السفارة التركية في طهران عام 2016 للمشاركة في إحياء ذكرى الإبادة العرقية للأرمن.

وكرم روحانى الجنود الإيرانيين اليهود الذين قتلوا في الحرب ضد العراق في الثمانينات، وتبرعت الحكومة في عام 2015، بنحو نصف مليون دولار للمستشفى اليهودي في طهران؛ الأمر نفسه يمتد إلى المجموعات التى تعتنق الديانة الزرادشتية؛ إذ سمحت لهم السلطات بتأدية عباداتهم دون قيود عليهم.

وبحسب تصريح لمستشار روحاني لشؤون الأقليات علي يونسي، فـ«إيران لكل الإيرانيين مهما اختلفت أديانهم وأعراقهم، ويتمتع جميعهم بحق العيش بسلام. لا يحق لأحدٍ التعدي وقمع حقوق أي فئة من الأقليات فجميعنا نتمتع بالحقوق نفسها».

الاستثناء من بين الديانات الأخرى التي تجد تضييقًا واسعًا عليها؛ هي المجموعات التي تعتنق الديانة البهائية؛ إذ لا تزال ممنوعة داخل إيران، ويجد أتباعها مصير السجن حال كشفوا عن ديانتهم مثلما حدث لسبعة من قادة البهائية المحكوم عليهم بالسجن 20 عامًا، ومن بينهم كفاران هيسامي، أم بهائية لطفلٍ في الرابعة من عمره، والتي تم إلقاء القبض عليها لإعطائها دروسًا لبعض الأشخاص الممنوعين من دخول الجامعات الإيرانية بسبب انتمائهم الديني.

ويمكن القول أيضًا إن أي منتمِ لطائفة أخرى يناله جانب من التنكيل جنبًا إلى جنب مع «الدراويش»؛ إذ يتم إيقافهم في مراكز احتجاز، ويقبعون في السجون لسنوات طويلة؛ ويُقدر عدد هؤلاء حاليًا بنحو 90 مواطنًا إيرانيًا، يقبعون جميعًا في السجن.

يأبى الاستسلام للمرشد.. أحمدي نجاد يواصل صراع «القط والفأر» في إيران

قُطب «الدراويش» الصوفي الذي يُهدد سلطات المُرشد

فى فبراير (شباط) 2018، تحركت عناصر تتبع الشرطة الإيرانية تجاه شرقي العاصمة طهران، للقبض على نور على تابنده، زعيم الطريقة الصوفية، في محاولة للحد من نفوذه الذي تحول بمرور الوقت لحضور سياسي يحتكم إليه «الدراويش» المنتسبين إلى الطريقة، للأخذ برأيه في كثير من قضاياهم بشكل يتجاوز صلاحيات المُرشد الأعلى للثورة الإيرانية.

زعيم الدروايش في إيران القطب الصوفي على نور تابنده – مصدر الصورة: موقع العربي الجديد

ولم يكن القبض على القطب الصوفي أمرًا يسيرًا، الذي وجدت عناصر الشرطة الإيرانية عشرات المحتجين أمام منزله، في محاولة منهم لمنع قوى الأمن من اعتقاله؛ قبل أن تستخدم الأخيرة أقصى درجات العنف حتى نجحت في القبض عليه واحتجازه في سجن إيفين للمعتقلين السياسيين.

وبدأ تابنده، الملقب بـ«مجذوب عليشاه»، في مهامه كقطب وشيخ للطريقة الصوفية قبل 20 عامًا تقريبا، في أعقاب وفاة سلفه «محبوب عليشاه»؛ الذي ترك وصية أوصلت تابنده للقب قطب هذه الطريقة الصوفية.

ودرس تابنده العلوم الإسلامية إضافة للحقوق، قبل أن ينتقل بعد ذلك إلى فرنسا لاستكمال دراسته الجامعية والحصول على درجة الدكتوراه. وينتمي عشان تابنده إلى الشيوخ ذوي الخلفية السياسية؛ إذ سبق وأن خدم في الخارجية الإيرانية ووزارة العدل ومحكمة طهران قبل الثورة الإسلامية عام 1979، والتي دعمها ضد نظام الشاه، وترقى بعد ذلك إلى منصب رئيس لمؤسسة الحج لفترة زمنية انتقل على إثرها إلى منصب نائب وزير العدل.

واعتاد تابنده قبل أن يترأس حركة الدراويش الصوفية، الخروج عن الخط الرسمي في المناسبات العامة عبر نقده لرجال الدين في الدولة، وكتاباته الداعمة للحقوق والحريات، وتواصله مع المجموعات المحسوبة على اليسار المتدين على الرغم من وظيفته الرسمية؛ ما جعله في مرمى النقد، وموقع خطر محتمل على شرعية السلطات الإيرانية وسلطات المُرشد الأعلى للثورة؛ خصوصًا في ظل اعتقاد الدراويش أن «القطب» – لقب زعيم الجماعة – هو حجتهم ومرجعهم على خلاف الشيعة التقليديين الذين يؤمنون بالمراجع الدينية وحجية كلام الولي الفقيه (علي خامنئي حاليًا).

وشكلت مواقف تابنده السياسية مثل انتقاده لنظرية ولاية الفقيه، وتوقيعه على الرسالة المعروفة بـ«رسالة التسعين توقيعًا»، التي وجهت لهاشمي رفسنجاني حين كان رئيسًا لإيران، وتضمنت انتقادات للوضع الاقتصادي والاجتماعي والحريات في البلاد، مصدر خطر إضافي على طائفة الدراويش، الذين تضعهم السلطات في موقع الفئة المعارضة لها سياسيًا لا مجرد طائفة أو أقلية دينية.

اغتصاب وحرق وتعذيب بالكهرباء.. ما قد لا تعرفه عن «مسالخ» التعذيب في سجون إيران

المصادر

تحميل المزيد