يتفاخر الصوفيون دومًا بأن لهم تاريخًا مشرفًا في مواجهة الاستعمار في البلدان الإسلامية، وبأنهم لم يتورطوا أبدًا في حمل السلاح ضد أي فصيل محلي، كما أنهم يلزمون الصمت وقت “الفتن”، ويطيعون الحكام دومًا ليحافظوا على استقرار البلدان الإسلامية. وحتى حين تعرضوا لمضايقات وصلت إلى حد هدم قبور أوليائهم من قبل الوهابيين الجهاديين في تونس أو مصر بعد ثورات الربيع العربي، ووصلت إلى حد الهجوم بالأسلحة البيضاء على تجمعاتهم في السودان؛ لم يرفعوا السلاح في مواجهة ذلك ولم يعلنوا استخدام القوة.

في مناطق عديدة من الوطن العربي، أبرزها مصر وفلسطين والمغرب، استطاعت الوهابية والصوفية، رغم العداء التاريخي، أن يجدا معًا موطئ قدم في تحالف الإسلام الرسمي الذي ترضى عنه الدولة، بل والذي تُصدّره عبر مؤسساتها الدينية الرسمية إلى مجتمعاتها في بعض الأحيان، ففي مصر دعم المجلس الأعلى للطرق الصوفية والدعوة السلفية سلطة ما بعد 3/7/2013، وشارك الاثنان في حث المواطنين على انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيسًا للبلاد،

رأس المؤسسة الدينية الرسمية الدكتور أحمد الطيب ـ وهو من كبار شيوخ الصوفية ـ شارك إلى جوار الأمين العام لحزب النور السلفي في بيان عزل الرئيس السابق محمد مرسي. وفي الضفة الغربية في فلسطين يؤيد الصوفية والوهابية معًا الرئيس محمود عباس ويدعون إلى طاعته باعتباره ولي الأمر، ويهاجم الطرفان أيضًا حركة حماس، وفي المغرب نجحت الدولة وهي تُصدّر للجمهور إسلامًا صوفيًا، أن تتصالح مع الوهابيين بالمملكة –حتى الجهاديين منهم-، وصار الملك مدعومًا من الطرفين أيضا بطبيعة الحال،

رغم العداء الجذري بين الطرفين إلا أنهما استطاعا الانتظام في خط الدولة بالمنطقة العربية سويًا، مع تفضيل أكبر من جهة الدول غالبًا للصوفية، باستثناء المملكة العربية السعودية وقطر اللتين تتبنيان الوهابية رسميًا، ليس هذا فحسب بل استطاع الطرفان أن يتحالفا معًا على مستوى التعاون بين الدول المتبنية لهما، فمصر والمملكة العربية السعودية حليفان، رغم تبني الأولى عبر مؤسستها الرسمية للتصوف، وقيام الثانية على أساس من العقيدة الوهابية، في حين يسكن الصِّراع بين المملكة السعودية ودولة قطر رغم تبني كليهما للنموذج الوهابي.

لكن موقف الصوفية الخاص برفض حمل السلاح ضد أي خصم محلي، قد وجد له استثناءات في العقد الماضي، بالأخص في البلدان التي تفككت فيها الدولة وتمكن الوهابيون “الجهاديون” فيها من تحقيق مكاسب واسعة على الأرض، حيث قرر الصوفية أن يحملوا السلاح في حالات نادرة وفي أكثر المناطق احتدامًا في العالم العربي، وهذان هما النموذجان:

العراق: من حزب البعث إلى الطريقة النقشبندية

أثناء حكم صدام حسين وفي ظل ما سمي بـ “الأسلمة الصورية” للنظام البعثي، التي حاولت الربط بين العروبة والإسلام، قدم عزت إبراهيم الدوري نائب الرئيس صدام حسين نفسه على الساحة باعتباره من أشد الداعمين للطريقة النقشبندية، والقادرية، والكسنزانية، والتي كانت تمارس طقوسها بحرية إبان حكم النظام البعثي العلماني، حتى أن بعض البعثيين رأوا فيه وقتها قائدًا لتيار ديني داخل تنظيمات حزب البعث، خاصة لما عُرف عنه من نشأته في بيئة دينية ذات طابع صوفي.

“إبراهيم عزة الدوري عام 1999 (يسار)”

بدأ الدوري في تثبيت نفسه باعتباره شيخًا نقشبنديًا مع بداية الثمانينات، كما بدأ إبان التسعينات في ضم العديد من الوحدات العسكرية بالجيش العراقي إلى الطريقة النقشبندية، وهو ما يسميه الباحث مايكل نايتس بـ “شبكة المحسوبية والولاء الشخصي الخاصة بالدوري”، ويشاع وسط محبي وأتباع الدوري أنه كان المسؤول أيضًا عن إضافة كلمة الله أكبر للعلم العراقي
.

جيش الطريقة النقشبندية

يعرف جيش الطريقة في العديد من الأوساط الإعلامية بأنه الذراع العسكري لحزب البعث العراقي، وبأن قائده هو عزت إبراهيم الدوري.

رغم الغموض الذي يكتنف علاقة “الدوري” بالتنظيم بين من يؤكدون أنه القائد الفعلي للحركة، وبين من يرون أنه تربطه علاقات وثيقة بالحركة لكن من خارجها، لكن المؤكد هو أن الدوري يعد شخصًا مهمًا جدا في جيش رجال الطريقة النقشبندية
.

يحسب الدوري على صدام حسين، وقد أعلنت ابنة صدام حسين دعمها له العام الماضي



ظهر أول نشاط مسلح فعلي للجيش في العراق في فبراير 2009، حين هاجم رجال الجيش القوات الأمريكية بقنابل يدوية الصنع في محافظة ديالى
.

وقد كانت هناك دلائل كثيرة على استخدام النقشبندية كأداة تعبوية بدأت في الظهور عام 2005، لكن الظهور الفعلي لجيش رجال الطريقة النقشبندية كان بعد إعدام صدام حسين في عام 2006
، وبحسب العديد من التقارير يشكل الجيش الآن ثاني أكبر تجمع مسلح بعد داعش في العراق
.

عقيدة الجيش: “الإيمان بعقيدة التصوف”

طرح الجيش عقيدته بأنها: الإيمان بعقيدة التصوف المعتدلة (كالطريقة النقشبندية) المبنية على الشريعة الإسلامية؛ لأن ثمرتها –بحسب الجيش- آداب وأخلاق فاضلة كالتسامح والعدل والسلام، وتحريم التطرف الديني التكفيري والطائفية وكل أشكال العنف والاعتداء على حقوق الآخرين، يؤمن الجيش كذلك بحرية الأديان، وأن الإسلام دين الحق ولا إكراه على اعتناقه، ويؤمن أيضًا بوجوب احترام الأماكن المقدسة كدور العبادة وأضرحة الأنبياء وأضرحة الأولياء والصالحين لأنها مشاعر دينية مقدسة عند أهلها، وأن أي إساءة لها هو اعتداء على مشاعر الآخرين
.

يؤكد الجيش أن اسمه مشتقّ من اسم الطريقة النقشبندية، وأن هذه التسمية للجيش تعريفية وليست تسمية طائفية ولا عنصرية، كما يؤكد أنه يختلف تمامًا عن تنظيم القاعدة وأن هدفه هو محاربة الاحتلال والعراقيين الموالين لإيران
.

الصوفية والوهابية في العراق: الصدام المسلح!

متمردون عام 2006


ظهرت في عامي 2005 و2006 كتائب متمردة في محافظتي الموصل وكركوك، وكان الملفت في الأمر آنذاك أنها تحمل اسم الشيخ عبد القادر الجيلاني، مؤسس الطريقة القادرية في الصوفية. وقد استطاع أنصار عزت الدوري وأتباعه النقشبنديون الانخراط داخل مظلة التمرد هذه واستطاعوا تطويرها، وخلال عام 2006، اشتبكت تلك الحركات المتمردة بالاشتراك مع سلفيين عراقيين ضد تنظيم “القاعدة في العراق”، والتنظيمات الوهابية المتشددة، ومن عام 2006 فصاعدًا تعاونت حركة “جيش رجال الطريقة النقشبندية” مع الكثير من الجماعات السنية المتمردة
.

أما في الحراك السني الأخير ضد المالكي، فقد اختلفت موازين اللعبة تمامًا حيث لم يعد العدو هو التنظيمات الوهابية، فقد لعب الجيش النقشبندي دورًا هامًا في قيادة الحراك السني في الفترة الأخيرة، بل وكان هو السبب الأساسي في دخول العشائر السنية إلى الموصل، رغم أن دوره لم تتناوله وسائل الإعلام بكثافة، نظرًا لاهتمامها الأكبر المنصب على داعش، وهو ما كان يغضب أنصار الثورة السًّنية ممن كانوا يؤكدون أن داعش ليست سوى فصيل صغير للغاية في الحراك السُّني.

ولكن رغم ما تتحدث عنه الدراسات من تواطؤ بالصمت من جيش الطريقة النقشبندية تجاه داعش، وعن عدم الرغبة في دخول حرب ضدها، ورغم أن عزت الدوري نفسه كان قد ثَمَّنَ جهود داعش في الحراك السني ضد المالكي قائلًا في تسجيل صوتي له: “إن أبطال وفرسان القاعدة والدولة الإسلامية لهم مني تحية خاصة ملؤها الاعتزاز والتقدير”؛ إلا أنه قد بدل هذا فيما بعد بالهجوم على تنظيم الدولة الإسلامية بعد بروز خلافات بين عناصر الجيشين في الموصل، فقد وقعت بالفعل اشتباكات بين رجال الجيش النقشبندي وبين مقاتلي داعش في 21 يونيو 2014. وكانت أشهر الاشتباكات بين الطرفين قد دارت بعدما أحكمت داعش سيطرتها على مناطق الحويجة ونواحي الزاب والرياض والرشاد والعباسي والملتقى، ومناطق أخرى في قرية بشير وملا عبد الله وجميعها تقع غرب وجنوب كركوك.

جيش رجال الطريقة النقشبندية


لكن يبقى أنه في الحراك السني الأخير الذي أسقط الموصل و ما حولها تعاون جيش رجال الطريقة النقشبندية جنبا إلى جنب مع “داعش” بالرغم من التباين الفكري والجذري بين الطرفين، اللذين مثل أحدهما الصوفية والآخر السلفية الجهادية. لكن اتفاق المصالح بين الطرفين في مواجهة المالكي ذلل تلك الفوارق الجوهرية، لكن وحسب الكثير من المراقبين فإن هذا التنسيق في أقصى حالات التعاون، والتواطؤ بالصمت في أقلها، لن يدوم طويلًا، وأن الاشتباكات المسلحة بين الطرفين في الفترة الأخيرة كانت دليلًا على ذلك، فــ”داعش” التي دخلت في حرب ضد الفصائل الإسلامية الجهادية في سوريا، رغم اشتراكها معها في نفس العقيدة الوهابية الجهادية؛ لن تبقي بالتأكيد على أي علاقة ودية مع الجيش الصوفي الذي تعتبره متبنيًا لأفكار ضالة وشركية وخارجة عن الملة، فعلى بعد كيلومترات من الموصل في سوريا حيث استتبت قوة داعش لم تُبقِ على أي مزار أو مقام صوفي إلا و هدمته.

وبعيدًا عن الصراعات المسلحة بين جماعات عسكرية نظامية صوفية ووهابية، فقد سمح الشيوخ المتصوفة بشمال شرق العراق للصوفية بالتسلح بغرض حماية الأضرحة من هجوم الجماعات السلفية، وتعد خطوة السماح بالتسلح للدفاع عن النفس ضد عدو مذهبي محلي من الأحداث النادرة في تاريخ التصوف السني.

الصومال: قبور الأولياء خطّ أحمر

مقاتلو حركة أهل السنة والجماعة


اشتهرت الطرق الصوفية في الصومال بطاعة الحكام والاكتفاء بالتربية الروحية للمريدين، لكن منذ بداية الحروب الأهلية في البلاد عام 1991
كانت أشياء كثيرة قد تغيرت على أرض الواقع، حيث فوجئ متصوفة الصومال بمقاتلي حركة الشباب المجاهدين “الحركة الوهابية الجهادية”، بعد أن دانت لهم مناطق واسعة في البلاد يهدمون وينبشون الأضرحة الصوفية، بالإضافة إلى مطاردة المؤمنين على الطريقة الصوفية.

في البداية خرج قادة وأتباع الطرق الصوفية في مظاهرات للتنديد بما حدث، وكانت المظاهرات تخرج من الأحياء التي تسيطر عليها الحكومة، لكن سرعان ما بدأت حركة أهل السنة والجماعة (الطرق الصوفية) في أخذ خطوات أكثر جدية، وفتحوا باب التسجيل لأتباع الطرق الصوفية من أجل الانخراط في ميليشيات لمحاربة حركة الشباب والقضاء على الأصوليين الإسلاميين في البلاد
.

“هدم أحد قبور الصالحين بالصومال”

حركة أهل السنة والجماعة: الصراع الصوفي الوهابي المسلح في الصومال

تم إنشاء اتحاد الطرق الصوفية أو “أهل السنة والجماعة” عام 2003 ليكون تنظيمًا غير مسيس في البداية، معنيًا بتطوير الطرق الصوفية والتنسيق فيما بينها في أمور الدعوة والفتوى، وقد بدأ الدور العسكري لتنظيم أهل السنة والجماعة بعد إعلان الحرب على حركة الشباب عقب اعتزام الأخيرة هدم كل الأضرحة والمزارات التي تعود لمشايخ الطرق الصوفية ومؤسسيها في الصومال، ونقل رفات الأولياء إلى أماكن مجهولة.

بدأت الجماعة حربها المسلحة ضد حركة الشباب في نوفمبر 2008 في المناطق الوسطى من الصومال واستطاعت أن تحقق نجاحات ملموسة، حيث كونت إدارة تابعة لها، بعد طرد عناصر الشباب والحزب الإسلامي من أهم المدن الرئيسة بمحافظة جلجدود، وكانت مبررات أهل السنة والجماعة المعلنة التي جعلتها تدخل هذا الصراع المسلح ضد عدو محلي – وهو ما يعد استثناءً في تاريخ الجماعات الصوفية- أن تلك الجماعات الوهابية
الجهادية تكفِّر الحكومات وتغتال المثقفين والضباط البارزين وتقتل المدنيين وتفشل أي محاولة لتحقيق المصالحة الوطنية وعودة الاستقرار للبلد، كما أنها بالطبع تعتدي على قبور الأولياء.

“أحد مجندي أهل السنة والجماعة في حراسة أحد المواقع بالعاصمة مقديشو”

بعد بروز الجماعة كلاعب قوي في الساحة الصومالية، ومع عودة الاحتفالات الصوفية في المناطق التي كانت تسيطر عليها سابقًا حركة الشباب، بدأ الحديث في الأوساط الإعلامية عن أن هدف الجماعة ليس محاربة حركة الشباب فقط وإنما أيضًا الحصول على مكاسب سياسية.

وبالفعل بينما كانت الجماعة التي تحارب الوهابيين الجهاديين وتسيطر على المناطق الوسطى في البلاد تدعم الحكومة في مقدشيو، إلا أنها كانت توجه لها انتقادات دائمة وتتهمها بتهميشها. وقد وصل الأمر بين تنظيم أهل السنة والجماعة والجيش الصومالي إلى حد النزاع المسلح أيضًا، حيث استطاع الجيش أن ينزع سيطرة الجماعة على مدينة طوسمريب –والتي تعد أكبر معقل للجماعة منذ بداية الحرب- بعد نزاع مسلح، كما استطاع الجيش طرد الجماعات الصوفية المسلحة من مدينة
غوريعيل بدون قتال.

رسم كاريكاتوري يمثل الصراع بين الطرفين في الصومال

لتشكل بهذا الجماعات الصوفية في الصومال هي الأخرى تاريخًا فريدًا، قل أن تجد مثله في التاريخ الإسلامي من صراع صوفي مسلح ضد “أعداء” محليين.

بشكلٍ عام، يظل الصوفية في سوريا وليبيا هم الأكثر اقترابًا في العالم العربي من اللحاق بخطوة التسلح النظامي ضد مهاجمي أضرحتهم ورموزهم من الوهابيين الجهاديين. هذا ما تقوله الدراسات.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد