ظهرت الصوفية تاريخيًا مع الفوضى السياسية والفتن والحروب الداخلية في تاريخ الإسلام، لتنمية روح الورع بالزهد، وكان للصوفية على مدار التاريخ مواقف معادية للظلم والطغاة على مستوى علماءها وأقطابها، باعتباره موقف قيمي وأخلاقي يناسب منهجها الروحي والداعي للزهد وإخلاص العبودية لله.

وقد مرّت الصوفية بتحولات عميقة في بنيتها وتكوينها وعلاقتها بالسلطة، ما بين المعارضة والموالاة، والانعزال عن الحياة السياسية بوصفها مثارًا للفتن، بينما استطاعت الأنظمة الحاكمة أن تستخدم الطرق الصوفية كلما احتاجت إليها، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي؛ لضبط التوازنات الاجتماعية والحركات السياسية.

ظهر ذلك وبشكل واضح في موقف الطرق الصوفية من ثورات الربيع العربي، وموقفها من الأنظمة الحاكمة آنذاك، وإن كان لعلاقة الصوفية بالأنظمة الحاكمة تاريخًا طويلًا سابقًا لثورات الربيع العربي والمواقف منها.

الصوفية في مصر:

شيخ الازهر أحمد الطيب، ومفتي الجمهورية علي جمعة، مع البابا تواضروس الثاني

وصلت العلاقة بين الطرق الصوفية في مصر وصلت مداها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، عقب تبني وتعميم سياسة “الحرب على الإرهاب”، في سببيل بناء شبكات “إسلام معتدل”، وانضم عدد من مشايخ الطرق الصوفية إلى الحزب الوطني، في حين أن كل من مفتي الجمهورية وشيخ الأزهر ينتميان للطائفة الصوفية.

ويمكن وصف غالبية الطرق الصوفية في مصر بكونها مساندة للسلطات، معادية للثورة، ولحكم الإسلاميين، وهو ما جعل الشيخ يوسف القرضاوي يقول بأن الصوفية “سفهت الثورات العربية” عبر ثقافة فتنة الخروج على الحاكم، فمن بداية الثورة وقفت الطرق الصوفية بجانب مبارك، وأيدت أحمد شفيق ومظاهرات 30 يونيو، واليوم هي مع المشير السيسي، معلنة تأييدها الكامل له، وقد استقبل المشير من قبل مشايخ الطرق الصوفية ونقابة الأشراف، وضم الوفد عددًا من كبار رموز الطرق الصوفية.

إلا أن محللون يعتبرون أن الصوفية في مصر لم يكن لها رؤية واضحة في التعامل مع الأحداث والمتغيرات قبل الثورة وبعدها، وأرجعوا ذلك إلى الانقسام الذي حدث داخل الطرق الصوفية من بعد التنحي، وقد صدرت إبان الثورة بيانات لبعض الطرق التي تؤيد النزول، بل وشاركت فيه، واختلفت مواقفهم بعد ذلك من الإسلاميين، فمالت أغلب الطرق الصوفية المؤيدة للثورات لموقف التيارات غير الإسلامية.

علي جمعة -مفتي الجمهورية والمنتمي للطائفة الصوفية- فقد تبنى موقفًا معارضًا صريحًا للثورة المصرية وأفتى بأن الخروج على الرئيس المخلوع مبارك حرام شرعًا، وأيّد الانقلاب العسكري، معاديًا الإسلاميين، وقد أجاز عزل الرئيس المعزول مرسي بدعوى فقدانه الشرعية، واصفًا المحتجين على عزله بـ “البغاة والخوارج”، وقد قال عنه الشيخ يوسف القرضاوي: ” أنه ينتمي إلى المدرسة التي تسير في ركب السلطان حيثما حل أو ارتحل، وتقف مدافعة عنه، وتلتمس الأعذار لفظائعه، وتتمحل الأدلة الشرعية لجرائمه، وهم ينظرون إلى الشعوب كالرعاع، الذين لا حقوق لهم، ولا قيمة لآرائهم”.

موقف علي جمعة من ثورة 25 يناير

في سوريا:

محمد سعيد رمضان البوطي

من علي جمعة في مصر إلى الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في سوريا، والذي يوصف موقفهما بالمتشابه من السلطة والثورات المناهضة لها، فقد وقف البوطي مع نظام الأسد، وشبّه الجيش السوري بالصحابة، إلا أنه بعد وفاته قد صار موقفه مثيرًا للجدل، فقد رأى البعض أن حادث وفاته هو حادث اغتيال مقصود من نظام الأسد، لما عُلِم من أخبار عن تغيير موقفه المساند للنظام، وفضح جرائمه، وإن كان ذلك صحيحًا، فيظل موقف البوطي من السلطة السورية، ومنذ بداية الثورة عصيًا على النسيان.

لم يكن البوطي وحده من علماء الصوفية في سوريا، من أيد النظام الحاكم ووقف ضد السلطة، فالشيخ أحمد حسون، مفتي الجمهورية، والشيخ صهيب الشامي مدير الأوقاف المعين من قبل نظام بشار لمدة 30 سنة، قد وقفوا مع النظام ضد الثورة، وتبنوا موقفًا مساندًا للنظام طول الوقت، واعتبرت الطريقة الكلتاوية، التي يرأسها البوطي أن الثورة مؤامرة قادمة من الغرب.

أما عن العلاقة بين التيار الصوفي في سوريا ونظام الأسد، فيمكن اعتبارها منقسمة إلى قسمين: الأول، التيار الصوفي الأصولي، وهو القريب من إيران والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنظام الحاكم في سوريا منذ عام 1975، وغالبية مشايخ هذا التيار يسيطرون على الوظائف القيادية بوزارة الأوقاف والدعوة بالمساجد.
والثاني، هو التيار المعتدل، المعادي للنظام الحاكم، ويتعامل النظام مع هذا التيار بعنف، ويقبض على العديد من مشايخه، وقد أيد هذا التيار الثورة وأصدر بيانات تدين النظام السوري، وتساند الثوار، ففي يوليو 2011 صدر بيان وقع عليه مجموعة من مشايخ الطرق الصوفية، منهم الشيخ أنس عيروط والشيخ بانياس والشيخ أبو الهدى الحسيني، من الطريقة الشاذلية، وكذلك الشيخ أسامة الرفاعي ومحمد راجح من الطريقة الرفاعية في دمشق، وكذلك مشايخ الطرق الصوفية في حماة.. أو في النزول إلى الشارع مباشرة في مظاهرات سلمية مع الثوار، وهؤلاء من مريدي الطرق الرفاعية والشاذلية والنقشبندية

في ليبيا:

عمر المختار

للحركات الصوفية في ليبيا تاريخ سياسي طويل منذ نشأتها، فقد لعبت الطريقة السنوسية دورًا سياسيًا كبيرًا في حماية الأمن القومي الليبي خلال عصور مختلفة، وفي القرن الـ 19 عارضت الدولة العثمانية، وقاتلت الإيطاليين في القرن العشرين بقيادة عمر المختار، وحكمت ليبيا بقيادة الصوفي الكبير الملك إدريس الأول، حتى انقلب القذافي على الصوفية بعد انقلاب عسكري في 1969، وأصبحت الحركة الصوفية السنوسية بمجرد الانقلاب حركة سياسية محظورة.

إلا أنه عدد كبير من الطرق الصوفية قد تواطأ مع الاستعمار الإيطالي، وتصدت للسنوسية، وبعد نظام القذافي وحتى قيام الثورة الليبية ابتعدت الطرق الصوفية عن ممارسة السياسة، واكتفت بالتقرّب من نظام القذافي وتأييده، وظهر ذلك في الاحتفالات الصوفية التي كان يحضرها القذافي، وخصوصًا الطريقة العيساوية.
فكان موقف الطرق الصوفية من الثورة الليبية مغيبًا تمامًا، باستثناء الطريقة السنوسية، التي اكتفت قبل سقوط القذافي بتأييد موقف الثوار.

في اليمن:

تنقسم الطرق الصوفية في اليمن إلى تيارين، التيار التقليدي، العلوية والنقشبندية، والتيار المتقدم (المدرسة الحديثة) قبل الثورة اليمنية، وكلا التيارين اهتم بالجانب السلوكي الديني والفكري، دون الاقتراب من ممارسة السياسة بالطريقة المباشرة، فكان الموقف الصوفي من السياسة في اليمن مشابهًا تمامًا مع الموقف السلفي هناك.

إلا أنه ظل هناك علاقة تبيعة بالحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي)، خصوصًا الطرق التقليدية، باستثناء بعض أبناء الطرق العلوية الذين يقيمون في المناطق الجنوبية.

صوفية عابرة للحدود:

أثارت زيارة الحبيب علي الجفري -الصوفي اليمني- للقوات المسلحة المصرية استنكارًا كبيرًا بين أوساط المتابعين للمشهد العربي، والمناهضين لحكم الانقلاب العسكري، وقد كتب الجفري على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك: “‘تشرفت بقضاء أسبوع مع القوات المسلحة المصرية محاضرًا بين ثكناتها وفي كليّاتها الحربية والجوية والبحرية والدفاع الجوي وكلية ضباط الاحتياط.”

في الأعوام السابقة لثورات الربيع العربي، تحولت التيارات الصوفية من مجرد تيارات إقليمية إلى حركات عابرة للحدود، بعد أن أصبحت الطرق الصوفية شريكًا للأنظمة الشرعية، محتلّة غالبية المناصب الدينية بدءًا من وزارة الأوقاف إلى دوائر الافتاء، وغيرها من المناصب.

برز ذلك في أحد المشاريع العالمية اسمه “مؤسسة طابة”، بالتعاون مع دولة الإمارات المتحدة، مجلسها الاستشاري هم أقطاب الصوفية حول العالم، محمد البوطي، علي جمعة، عبد الله بن بيه، والمعروف بولائه للنظام السعودي، الحبيب عمر بن حفيظ، والحبيب علي الجفري.

وهي مؤسسة -كما تقول عن نفسها- “تسعى لتقديم مقترحات وتوصيات لقادة الرأي لاتخاذ نهج حكيم نافع للمجتمع”، ومهمتها إعادة تأهيل الخطاب الإسلامي، لاستعادة قدرته على فهم الواقع وصياغة رؤى يستقي منها قادة الرأي مواقفهم وتوجهاتهم.
يأتي ذلك من خلال إعداد الدراسات والكفاءات والمؤسسات.

ومن الأفكار التي تدعو إليها المؤسسة هو “تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي”، ويصدر عن المؤسسة أبحاثأ وتحليلات تدعم هذا الاتجاه، أغلبها صدر قبل ثورات الربيع العربي.

جزء من ملخص تحليلي لمؤسسة طابة بعنوان: أولويات أمريكا في مستقبل العلاقات الإسلامية ، مارس 2009

ولطابة العديد من الأوراق البحثية والمقالات الأكاديمة، التي تناقش القضايا الإيمانية والعقائدية، والخطاب الإسلامي، والأخلاق العالمية، والسياسة والإعلام والتربية الروحية، بالإضافة إلى المحاضرات والندوات والفعاليات.

يرى نقاد أن لمؤسسة طابة دورًا مشبوهًا مستغلًا المنهج الصوفي وعلاقته بالسلطات الحاكمة، لا سيما مع الدعم الإماراتي، والمعروف بعداءه لثورات الربيع العربي وللإسلاميين من قبل ثورات الربيع العربي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد