16,025

الكدّ في الحياة، والنزاهة، والقدرة على إنشاء خليَّة من النحل في مناخ العمل، والتعداد السكانيّ الضخم؛ الذي يعمل على بناء إمبراطورية كبيرة باستخدام العوامل السابقة.

تلك هي صورة اليابان في أذهان معظم العرب، إذ يراها الكثير رائدةً في الصناعة والتجارة وإتقان العمل، ولكنّ تلك المفاهيم كلها مغلوطة، والوضع في اليابان لا يقترب حتَّى من هذه الصورة، بل إنّ هذه الصورة هي نقطة بعيدة عن مستوى نظر اليابانيين، وبعضهم لا يراها من الأساس بسبب خطر الانقراض الذي يهددهم؛ لأسبابٍ كثيرة سنقوم بشرحها.

عادة ما تستخدم وسائل الإعلام العربية، اليابان، مثالًا يجب أن يحتذى به في النزاهة والالتزام من قبل مؤسساتها وموظفيها، وخلوّ طرفهم من الفساد الإداري. وربما نتذكر قضية «السوليتير» التي انتشرت في وسائل الإعلام المصرية في بداية هذا العام، عندما قام أحد الموظفين في اليابان بتقديم شكوى ضد رئيسه، الذي يلعب تلك اللعبة على الحاسب الآلي الخاص بالعمل في أوقات العمل الرسمية، وتداولت أكثر من وسيلة إعلام عربية تلك الوقعة على أنها رمزٌ لنزاهة وإخلاص اليابانين في العمل، ومحاربتهم للفساد، طالبين من المصريين والعرب أن يرتقوا إلى هذا المستوى من الالتزام، متجاهلين – عن قصد أو دون قصد- وقائع وقضايا الفساد التي تسري في الشرايين الرئيسية لجسد تلك الإمبراطورية العظيمة.

«أماري» يختنق بدموع الكسب غير المشروع

وزير الاقتصاد السابق لليابان أكيرا أماري، كان أحد رجال رئيس الوزراء «شينزو أبي» المخلصين، وذراعه اليمنى، وأحد الأعمدة الرئيسية بخطَّة الدولة لإنقاذ اليابان من الأخطار الاقتصادية التي تواجهها، إلى جانب كونه المسئول الرئيسي عن التفاوض في اتفاقية «شراكة دول المحيط الهادي». هذا الرجل ذو الصلاحيات، والسنوات الطويلة في العمل الاقتصادي والسياسي، استقال مع بدايات العام الماضي، خلال مؤتمر صحافي أمام أعين المشاهدين في العالم كله؛ لتورطه في قضية فساد، واتهامه بالكسب غير المشروع.

اليوم.. قررت الاستقالة من منصبي وزيرًا للاقتصاد وعضوًا في مجلس الوزراء، فلن أكون عقبة في طريق نهضة اليابان الاقتصادية.

قالها أماري خلال المؤتمر الصحافي والدُّموع تتحجَّرُ في عينيه، والحسرة تخنقُ صوته. وعلى الرغم من الخسارة التي يتكبدها رئيس الوزراء بفقد أهمّ رجاله، والذي رفض رحيله عند إصابته بالسرطان منذ بضعة أعوام، ورحَّب به في منصبه بعد رحلة شفائه، إلا أن تلك الفضيحة المدوية التي فجَّرها الإعلام الياباني، كانت أقوى من قدرة شينزو على الحفاظ على أماري في منصبه.

خلال العام الماضي، نشرت الجريدة اليابانية «شوكان بونشون» تفاصيل تلقِّي أماري رشوة من إحدى شركات التطوير العقاري، الأمر الذي أنكره في البداية، ولكنَّه سرعان ما اعترف باستلام مظاريف من المال بالمبلغ الذي تمّ ذكره في وسائل الإعلام، ولكنه أكَّد توجيه تعليماته لمرؤسيه بإدراج المال تحت بند التبرعات، ليلقي أماري الكرة في ملعب أمناء سره، ثم يتلقاها هو أيضًا، عن طريق استقالته كبطل يرفض «إلقاء اللوم على موظفيه بشأن تبديد المال العام» كما صرَّح في نص استقالته.

وعلى الرغم من قسوة هذا الموقف، والذي يجب أن يكون عبرةً لكلّ موظَّف حكومي في اليابان، بعد برهنة أن الفساد نهايته الفضيحة مهما كان مركز المسئول عن الفساد، إلا أنَّ الفساد الإداري ما زال منتشرًا داخل مؤسسات اليابان حتى يومنا هذا، إذ تمّ توجيه أصابع الاتهام لأحد موظفي وزارة البيئة، في بداية شهر مارس (آذار) الماضي؛ لتلقيه رشوة من شركة مقاولات مقابل التحيز في توزيع مهام العمل في مناطق تنظيف، وإزالة التلوث الإشعاعي من ولاية فوكوشيما، واعترف الموظف بتلك التهمة خلال التحقيقات، وأكد تسلمه تلك الرشوة.

وقائع الفساد التي تلوث أيادي المسؤولين في اليابان، ليست ظاهرة جديدة صادمة لليابانيين، وحتى واقعة استقالة أماري خلال المؤتمر الصحافي ليست بداية كشف النقاب عن الفساد، وإطاحة المسئولين عنه، ففي عام 2007، قام وزير الزراعة الياباني توشيكاتسو ماتسوكا بشنق نفسه، بعد أن أُدين في إحدى قضايا الفساد، فدفعه شعوره بالخزي للهروب من الاستجواب أمام البرلمان، وقام بشنق نفسه قبل ساعاتٍ من تلك الجلسة، ليعود بنا إلى عادة متأصلة في ثقافة اليابان، وهي الانتحار وقت الفشل، والتي تعتبر من الأسباب الرئيسية التي تهدد بانقراض الشعب الياباني.

الـ«هاراكيري» و«أوكيجاهارا».. وأشياء أخرى

على نفس الخطى التي اتبعها الوزير المُنتحر «توشيكاتسو ماتسوكا»، يسير العديد من رؤساء ومديري الشركات في اليابان، فمع أول فشل يقابلهم في إدارة الشركة، يختارون الانتحار بابًا للخروج، الأمر الذي قام بتصعيد الأزمة الاقتصادية التي تهدد اليابان، فمنذ عام 1998 وحتى عام 2014 أكَّدت الإحصائيات أن عدد حالات الانتحار سنويًّا يصل إلى أكثر من 22 ألف مواطن ياباني، وبالعام الماضي أشارت الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 70 مواطنًا ينتحر يوميًّا في اليابان، بمعدل 3 حالات انتحار كل ساعة.

قد تبدو هذه الأرقام مبالغًا فيها من وجهة نظرك، ولكنَّك ستدرك السبب حين تتعرف إلى ثقافة الـ«هاراكيري» أو «قطع البطن»، والتي توارثها اليابانيون عن أجدادهم محاربي الساموراي القدماء، فعلى عكس الديانات السماوية التي تحرم قتل النفس، فثقافة الساموراي لا تجرم هذا الفعل، بل وتمجده؛ كوسيلة من وسائل تحمل المسئولية، وتلك الخطوة كان يقدم عليها محارب الساموراي القديم حين يفشل في إتمام المهام الموكلة إليه، فيقوم بشقّ بطنِهِ أفقيًّا ثم رأسيًّا؛ حتى يموت متأثرًا بجراحه، أو يقوم أحدهم بشق رقبته من باب رحمة الموت السريع.

امتدت هذه الثقافة القديمة حتى وصلت إلى الجنود العسكريين، وبدأت في التراجع عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولكن هذا التراجع كان يخص سبب الانتحار، وليس عادة الانتحار في حد ذاتها، فوفقًا لإدارة الخط الساخن لمكافحة الانتحار: فإنّ المتصلين يرجعون رغبتهم في الانتحار لأسبابٍ اقتصادية أو صحيَّة، وفي بعض الأحيان عائلية.

سنجد أن تلك الثقافة التي رسَّخها قدماء الساموراي؛ رغبةً منهم في تعبير الشخص عن التحمل المبالغ فيه للمسئولية، قد قام اليابانيون، مع مرور الزمن، بتحويلها إلى وسيلة للهروب من المسئولية.

الـ«هاراكيري» وسيلة للانتحار لم تنقرض تمامًا، ففي نهاية شهر فبراير (شباط) قام رجل ياباني بقطع بطنه في أحد مراكز الشرطة؛ اعتراضًا منه على المشاكل التي يواجهها المواطنون في اليابان، ولكن تلك الطريقة في الموت ليس لها الأغلبية الآن بين مواطنين اليابان، فقد لجأ الكثير من الناس إلى الانتحار شنقًا مثل الوزير توشيكاتسو ماتسوكا، وأصبح للشنق مكانة أخرى لدى الياباني، مع بداية الاهتمام بـ «أوكيجاهارا».

أوكيجاهارا هي غابة في اليابان، وتعني بحر الأشجار، وتعتبر أكبر وجهة للمنتحرين هناك، وبدأ هذا الأمر في عام 1960 بعد أن قام أحد أبطال الروايات اليابانية بقتل نفسه في نهاية أحداث الرواية في تلك الغابة، ليتحول الانتحار في غابة أوكيجاهارا إلى طقس متعارف عليه لدى اليابانيين.

بينما فقدت طريقة الـ«هاراكيري» أبعادها الفلسفية مع انتحار الكاتب والروائي «يوكيو ميشيما»، والذي رشح أكثر من مرة لجائزة نوبل في الآداب. إذ قام بشق بطنه عام 1970 بنفس طريقة الساموراي القديمة اعتراضًا منه على طغيان الثقافة الغربية على اليابانيين، فبعد تلك الواقعة، لم يكن هناك استخدام فلسفي يذكر للـ«هاراكيري».

الخطر السكاني.. لماذا ينتحر 70 يابانيًّا يوميًّا؟

هذا العدد الكبير من حالات الانتحار في اليابان؛ يهدد التعداد السكاني، ويضع اليابان تحت ضغط اقتصادي، فقد تكبد الاقتصاد خسارةً تزيد على 30 مليار دولار لهذا السبب، خاصة وأنّ النسبة الأكبر من المنتحرين، رجال تتراوح أعمارهم بين الـ20 والـ40 عامًا، فالذي رفض الاستسلام منهم، ولم ينتحر تحت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يتعرض لها، فإن الـ«كاروشي» تكفلت به. والكاروشي هي كلمة يابانية تعني «الموت الناتج من الإفراط في العمل»، إذ يموت الموظف فجأة بالأزمة القلبية من شدة الإرهاق بالعمل.

اقرأ ايضاً : «كاروشي» كابوس اليابان المزمن.. عندما يموت الآلاف من كثرة العمل

الضغوط التي يقعُ تحت وطأتها المواطن الياباني منذ أن يبدأ دراسته؛ كفيلة بأن تحوِّل حياته إلى السعي في دائرة مفرغة حتى يسقط ميتًا، ويكفينا ذكر أن امتحان القبول في الجامعات اليابانية شديد الصعوبة لدرجة تسميته بـ «امتحان الجحيم»، وإن لم ينجح الطالب في المرور من هذا الجحيم سالمًا متفوقًا، ستنتظره سنة كاملة من المذاكرة للتقدم لامتحان القبول مرة أخرى.

وإن نجح فيه، ونجا من سنوات الدراسة التي لا تقل صعوبة عن امتحانات القبول، فهناك جحيمٌ آخر ينتظره، وهو عدد ساعات العمل غير الآدميَّة في مؤسسات اليابان، و التي يتخلَّلها فترات راحة قليلة جدًّا، وعلى الرغم من أن الحكومة اليابانية من حقها معاقبة مدير الشركة الذي يستغل موظفيه بالعمل ساعات إضافية دون أجر إضافي، إلا أن صعوبة الحصول على وظيفة مرموقة اجتماعيًّا، تجعل الكثير من الموظفين يخشون الطرد من العمل إذا قاموا بالشكوى؛ مما يضعهم تحت ضغط عصبي شديد.

وإذا فشل المواطن الياباني في إيجاد مكان وسط هذا السباق غير الآدمي في عالم العمل، فهو معرَّض للإصابة بالـ«هيكيكوموري»، وهي ظاهرة منتشرة بشكلٍ كبير في اليابان الآن، وأصابت أكثر من مليون ياباني، إذ يلجأ الشخص المصاب بهذه الظاهرة إلى الاعتكاف في منزله، والانعزال عن العالم لمدة طويلة قد تصل لـ6 أشهر، مكتفيًا بالألعاب الإلكترونية ومشاهدة أفلام الـ«أنيمي». والخطير في هذه الظاهرة أن معظم المصابين بها من فئة الشباب الذكور، الأمر الذي يجعلهم ممتنعين عن التواصل العاطفي مع النساء والزواج بهن، والذي يهدد بدوره النمو السكاني في اليابان.

«الجنس ممنوع من فضلك.. فنحن يابانيون»

من خلال الفيلم التسجيلي، والذي يحمل هذا الاسم «الجنس ممنوع من فضلك.. فنحن يابانيون»؛ نستطيع أن ندرك الخطر الذي تواجهه اليابان فيما يخص النموّ السكانيّ، من بعدٍ آخر أكثر خطورة من الانتحار، فقد تطرق الفيلم لظاهرة «هيكيكوموري»، وحاول اقتحام العالم المنعزل للشباب المهووسين بالتكنولوجيا والألعاب ثلاثية الأبعاد، والرسوم المتحركة اليابانية الشهيرة المعروفة باسم «مانجا-Manga»، والتي أصبح لها تصنيف خاص على المواقع الإباحية.

أجرت صانعة الفيلم مجموعة مقابلات مع بعض الشباب في نهاية الثلاثينات، مصابين بتلك الظاهرة، فقال أحدهم: «أنا أفضل مواعدة فتاة ثلاثية الأبعاد عن مواعدة فتاة بشرية»، ولا نحتاج الكثير من الفطنة لندرك النتيجة النفسية التي تنتظر هذا الشاب في نهاية هذا الطريق العاطفي.

خانة الجنس: «غير مصنَّف»

على الجانب الآخر، اختار مجموعة من الشباب مواجهة كل الظواهر الضاغطة التي تمر بها اليابان عن طريق الأزياء وتصفيفات الشعر، فإذا أخذت جولة سريعة في أحد شوارع اليابان، ستجد صعوبة في تمييز الرجال من النساء، لترى على جانبي الطريق الكثير من المتاجر التي تظنها في البداية خاصة بالنساء، فتكتشف بعد ذلك أن البضاعة المعروضة للجنسين، من أدوات تجميل وملابس زاهية مفتوحة الصدر وأغراض لتصفيف الشعر، وطلاء أظافر، فهذا النوع الجديد من الأزياء للجنسين محيِّر بالفعل كما أكدت أستاذة علم الإنسان
جينفر روبرتسون في مقال لها بجريدة الأنترفيو، وإذا ظننت أن الغرض من المظهر النسائي لشباب اليابان هو إظهار الهوية الجنسية المثلية، فالأمر لا يتعلق بذلك، الشباب الذين يضعون أحمر شفاة ويرتدون ملابس نسائية يصرِّحون: «من حقنا ارتداء أي ملابس نريدها.. والأمر ليس له علاقة بممارسة الجنس».

تعريف القوة يتغير، في الماضي كان مفتول العضلات هو الأكثر شهرة في المدرسة، ولكن الآن، من لديه عدد أكبر من المتابعين على تويتر، هو الأشهر والأقوى.

الغريب أن الرجل الذي يتبع موضة «الجنس غير المصنف» تكون له العديد من المعجبات، خاصة وإن كان في فرقة غنائية أو أي عمل آخر يساعد على شهرته. فهل اتباع تلك الوسيلة الصارخة في التغيير، هي مجرد صرخة من أجل مد يد المساعدة لشبابٍ يشهدون انهيار حضارة عظيمة كإمبراطورية اليابان؟

يمكن لنا أن ننهي هذا التقرير بالنهاية التي وضعتها صانعة فيلم «الجنس ممنوع من فضلك.. فنحن يابانيون» وهي معلومة قد تكون حزينة ولكنها حقيقية: فهل تعلم أن حفاضات الكبار أعلى مبيعًا من حفاضات الأطفال في اليابان؟

إذ أصبح كبار السن هم الفئة الغالبة على المجتمع؛ الأمر الذي يعرض الاقتصاد الياباني للخطر، فلديهم الكثير من الشيوخ في حاجة لرعاية ودعم، والقليل من الشباب الذين يدفعون الضرائب ويدعمون البلد، والمتبقي من الشباب يضيع عمره بين الـ«هيكيكوموري»، أو يلقى حتفه بـسببِ الـ«كاروشي»، إن لم ينهِ هو حياته بنفسه متبعًا الـ«هاراكيري».