الخميس الماضي، 19 مارس، كانت مصر على موعد مع ثلاث حالات انتحار، حالة أحرقت نفسها بالنيران وحالتين لشخصين ألقيا أنفسهما من فوق عقار. وفي الإثنين 16 مارس شنق مراهق نفسه في غرفته، الخميس 12 مارس انتحر شاب في السابعة والعشرين من عمره، قبلها بيوم الأربعاء 11 مارس انتحر مهندس فني شنقًا بعد مروره بحالة نفسية سيئة بسبب تأخر حالته الصحية لإصابته بمرض في الكبد. في فبراير سجلت حالة انتحار كذلك. أما في تونس فقد سجلت 18 حالة انتحار أطفال فقط عام 2014.

حالات الانتحار المتزايدة في العالم العربي لها أسبابها بالتأكيد. حسب منظمة الصحة العالمية، فإن أسباب الانتحار متعددة، الدول منخفضة ومتوسطة الدخل تحظى بـ 75% من حالات الانتحار. بسبب الدخول القليلة والخدمات الرديئة، كذلك الدول التي لديها اضطرابات سياسية كثيرة وتقلبات اقتصادية تكون أكثر عرضة للانتحار من غيرها. إذا أضفنا أن الدول العربية ينتشر فيها الدين بقوة، الإسلام أولًا والمسيحية كذلك وكلاهما يحرم الانتحار، فما الذي يفسر النِّسَب الكبيرة من الانتحار في العالم العربي سوى سوء الأحوال الاجتماعية والاقتصادية وترديها في المجمل؟

في هذا التقرير ستجد بعض الأرقام والحقائق حول الانتحار بشكل عام وعن الانتحار في الوطن العربي.

عن منظمة الصحة العالمية

 


أرقام عن الانتحار

ـ يموت شخص كل 40 ثانية بسبب الانتحار حول العالم.

ـ أكثر من 800 ألف شخص يموتون سنويًا بسبب الانتحار.

ـ يحدث الانتحار بنسب عالية في الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل. حيث تكون الموارد والخدمات نادرة، ويقع 75% من الانتحار حول العالم في هذه الدول.

ـ يبلغ الانتحار أعلى معدلاته بين الشباب، ويعد ثاني أهم أسباب الوفاة في الفئة العمرية 15 – 29 على الصعيد العالمي.

ـ حسب إحصاءات يتوقع أن يزيد عدد المنتحرين إلى مليون ونصف شخص حول العالم بحلول عام 2020.

ـ لا يقتصر الانتحار على الشباب واليافعين والعجائز، أيضًا للأطفال نصيبهم منه.

عن منظمة الصحة العالمية

 


عوامل الانتحار

تتمثل عوامل الانتحار في 6 أسباب رئيسية:

1- الاضطرابات النفسية: يأتي الاكتئاب على رأس هذه الاضطرابات، ثم مرض فصام الشخصية واضطرابات المزاج والاضطراب ثنائي القطب وإدمان الكحول وغير ذلك من السلوكيات الانتحارية. بالجملة 90 % من الناس الذين يموتون بسبب الانتحار في البلدان مرتفعة الدخل، يكون الانتحار بسبب الاضطرابات النفسية.

اقرأ: هؤلاء العظماء أصيبوا بالاكتئاب الهوسي

2- فقدان العمل والمال: وقد سجلت نسبة انتحار عالية أثناء فترة الكساد الاقتصادي في الثلاثينيات من القرن الماضي.

3- اليأس: فقدان الشخص الدافع نحو الحياة، شعوره بأنَّ حياته ليست محورية لمجتمعه المحيط به، كل هذه أسباب يأس تدفع نحو الانتحار.

4- الأمراض المزمنة: تزيد الأمراض المزمنة وأمراض العجز البدني واختلال النمو العصبي من احتماليات الانتحار لدى المرضى.

5- تاريخ عائلي من الانتحار: يعتبر المتأثرين والمفجوعين بسبب الانتحار عرضة أيضًا للانتحار ببساطة. وقد يكون لدى عائلة تاريخ من الانتحار مما يؤثر على نفسيات بعض الأبناء أو الأحفاد أو حتى الآباء، فقد سجلت حالات انتحار الآباء بسبب موت الأبناء أو انتحارهم.

6- العوامل الوراثية والبيولوجية: ليس فقط التاريخ العائلي ـ الطبيعي ـ للانتحار قد يكون سببا في الانتحار، فهناك أسباب بيولوجية كذلك قد تكون سببًا في يالانتحار. كما حدث لعائلة الكاتب الشهير إرنست هيمنجواي.

الانتحار في العالم العربي

من الطبيعي أن يفاجأ القارئ حين يعلم بنسب الانتحار في العالم العربي المعروف بتدينه من بين كل مناطق العالم. لكنه سيفاجأ أكثر حين يعلم أن أكبر نسبة انتحار كانت من نصيب بعض دول الخليج المعروف بغناه ووفرة نقوده.

جاءت البحرين على رأس القائمة بنسبة 3.8 انتحار لكل 100 ألف فرد، ثم الكويت بنسبة 1.8 ثم الأردن بنسبة 1.1 أما مصر فقد حلت في المرتبة رقم 96 عالميًا بنسبة 0.1 لكل مائة ألف فرد. لكنَّ وتيرة الأحداث في السنوات الأخيرة ربما سرعت معدل الانتحار في الوطن العربي خصوصًا في مصر والتي سنورد لاحقًا بعض الأرقام “المرعبة” حول أعداد المنتحرين فيها.

ستتعجب أيضًا حين تعلم أنَّ أكثر من 69% من أعداد المنتحرين في العالم العربي عانوا ضغوطًا اقتصادية قاسية من فقر وبطالة، وأكثر من 78% ممن يقدمون على الانتحار في العالم العربي تنحصر أعمارهم بين 17 – 40 عامًا.

تونس/مصر الانتحار و الثورة مترافقان!

لم يكن الأمر غريبًا حين أحرق محمد البوعزيزي نفسه في تونس العاصمة احتجاجًا على الظلم الذي تعرض له من موظفة البلدية، ولم يكن غريبًا أن يكون انتحاره حرقًا شرارة الثورة الشعبية التونسية التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. الغريب أكثر أنَّ انتحار البوعزيزي أشعل النيران في أجساد الكثير من المواطنين في العالم العربي، بل وأشعل النيران في العديد من الأنظمة المجحفة لشعوبها والتي سقطت تباعًا.

انتقل الانتحار من حالة يأس بسبب الظروف المعيشية القاتلة إلى محرك للثورات. فبعد انتحار البوعزيزي قرر العديد من التونسيين الانتحار حرقًا، سجلت التقارير سيدة حاولت الانتحار بأبنائها الثلاثة، لكن السلطات استطاعت منعها، كذلك بعض الشباب حاولوا الانتحار.

في مصر وقبيل ثورة يناير 2011 بأسبوعٍ واحد شهد هذا الأسبوع أكثر من 6 حالات انتحار، بعضها حرقًا وبعضها بإلقاء الضحية نفسه من أعلى العقار الذي يقطنه، كل هذه الحالات من الانتحار كانت صرخات للشعوب المظلومة كللت بثورات أطاحت بالأنظمة الحاكمة، فبعد هذا الأسبوع من الانتحارات المتتالية وعدم رد الحكومة أو مجلس الشعب بأي طريقة على هذه الحالات، إضافةً إلى أسباب أخرى كانت حالات الانتحار أمام مجلس الشعب المصري سببًا في الثورة الشعبية، حيث كان الانتحار معبرًا عن الأحوال التي يعيشها الشعب، خصوصًا أن حالات المنتحرين تراوحت أعمارهم ما بين 20 – 60 عامًا!
لم تكن مصر وتونس فقط من حظيتا بهذا الكم من الانتحارات، لبنان والأردن والسعودية والجزائر كذلك حظوا بعدد كبير من الانتحارات في تلك الفترة، ما قبل الثورات العربية عام 2011. ورغم أن نسب الانتحار كبيرة نسبيًا إلا أنَّ هذه الأرقام هي الرسمية، بينما يعتقد باحثون وتقارير أنَّ الأعداد مضاعفة عن كل هذه النسب المعروضة.

الانتحار في صمت

 

ربما الغريب في الأمر أن سنوات الثورة كانت أكثر في نسب الانتحار منها قبل الثورة! وإذا كان العامل الاقتصادي والاجتماعي هو السبب في الانتحار قبيل الثورة، فما هو العامل الذي يجعل نسب الانتحار بعيد الثورة أكثر منها قبلها؟ ربما عدم تحقق مطالب الثوار، و “المنتحرين”؟

الإحصاءات تقول أن عدد حالات الانتحار في مصر زادت بنسبة 12% عام 2011 عن العام الذي سبقه، فقد وصل لمركز السموم خلال العام 2011 فقط 18 ألف حالة انتحار. بينما تقارير أخرى تقول أن خمسة أشخاص من كل ألف شخص يحاولون الانتحار!

عام 2009 شهد 104 ألف حالة انتحار تمكن 5 آلاف منهم من الانتحار، حسب حسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

ولا يبدو أن الأحوال قد تحسنت إذن بعد الثورات، إذ ربما أُضيف إلى سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية كذلك انهزام الثوار أمام موجات عاتية من الثورات المضادة، فقد سجلت أعداد انتحار هائلة في السنوات التي أعقبت الثورات. وقد بدأت ظاهرة الانتحار بين اللاجئين السوريين في الازدياد، فنحو 41% من الشباب السوري بلبنان قد سبق وفكروا بالانتحار، حسب صندوق الأمم المتحدة للسكان.

السعودية أيضًا ورغم أن منظمة الصحة العالمية حسب تقاريرها فإن السعودية من أقل الدول العربية تعرضًا للانتحار، إلا أن دراسة صادرة عن جامعة الملك سعود تؤكد أن نسبة السعوديين الذين أقدموا على الانتحار تصل إلى 93.33% وأنهم حاولوا تكرارها 28 مرة. أرجعت الدراسة أسباب الانتحار في السعودية إلى حالات الطلاق والإدمان والمشاكل الأسرية والأزمات الاقتصادية والديون!!

بالمجمل تعد نسب الانتحار في العالم العربي في ازدياد، ربما في البلاد التي حدثت فيها ثورات تشهد تزايدًا ملحوظًا كمصر، وربما تحتاج مراكز الأبحاث العربية لدراسات كثيرة لتفنيد أسباب النسب المتزايدة للانتحار في العالم العربي، ذي الشعب المتدين بطبعه، وصاحب الثورات التي أبهرت العالم، ثم انطفأت فجأة!

للاطلاع أكثر عن الانتحار في العالم العربي، اقرأ: شهقة اليائسين.. الانتحار في العالم العربي

اقرأ أيضًا:

الانتحار: هل هو مرض أم اختيار شخصي؟

حقائق عن الانتحار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد