ارتسمت صورة لبنان داخل مخيّلة المواطن العربي بوصفه بلدًا مساحته صغيرة، يُبهج زائريه، ويمنحهم قدرًا من الحريّة الفردية والطاقة الإيجابية، وهو الشعور الذي انعكس بدوره على رؤية المواطن العربي لنظيره اللبناني باعتباره «الأكثر سعادة»، ويعيش في وطنٍ يعتبره بعض العرب قطعةً من أوروبا.

تبدو هذه الصورة المثالية في ذهن الكثيرين مُفتقدة الكثير من التدقيق، أو بالأحرى يغيب عنها الوجه الآخر لهذا المواطن الذي يعيش ظروفًا اقتصاديةً صعبةً، ومرّ بويلات من الحروب، جعلته في مصاف ترتيب الأكثر إقبالًا على الانتحار. يسلّط التقرير التالي الضوء على هذا الوجه الغائب عن الكثيرين، والدوافع التي رفعت نسب الانتحار بين مواطني لبنان، خصوصًا الفئة العمرية الشبابيّة منهم، وانعكاس ذلك على أوضاع البلد.

 

شظف العيش وذكرى الحرب.. حبلٌ يلتفّ حول عنق المواطن اللبناني

في الثلاثين من شهر أغسطس (آب) 2016، لم تكن أمام نورهان محمود، الناشطة الحقوقية في الحراك المدني والدفاع عن قضايا النساء حلول لمواجهة تعثّرها المالي، سوى رمي نفسها من الطابق الثامن من الشقة التي تقطن فيها، خصوصًا بعد فشلها في سداد الديون المُستحقة على والدها، الذي خسر أغلب أمواله في المُضاربة بالبورصة، واضطر على إثرها إلى بيع المحلات التي يملكها في حارة حريك، وبيع منزله في بلدة كفر ملكي الجنوبية.

Embed from Getty Images

صورة لمواطنة لبنانية خلال الانتخابات السابقة

لم يجد العاملون في المجتمع المدنيّ وقضايا حقوق الإنسان ممن عرفوا نورهان، سوى الاكتفاء بالحزن الصامت تجاه زميلتهم، وملامح عدم التصديق من إقدام الفتاة التي كانت تتحرك بنشاط ملحوظ للدفاع عن النساء، ممن يتعرضن للقمع والاضطهاد، على الانتحار. حسب شهادات وبحوث ودراسات حول تفاقم ظاهرة الانتحار في لبنان، فإن الأسباب ترتبط ارتباطًا واضحًا بالظروف الاقتصادية الصعبة، وغياب الدعم الاجتماعي من الأهل أو الشريك، ما يجعل الشخص يجنح للعزلة، ويميل إلى خيار الانتحار إشارة إلى العجز عن المواجهة مشاكله.

وتوجد صعوبات كبيرة في حصر نسب الانتحار سنويًّا في لبنان؛ لأسباب تتعلق بوقوع بعض الحالات دون الإبلاغ عنها، أو اكتشاف حالات للبعض تظهر مع مرور الوقت أنّها كانت جرائم قتل، خصوصًا في ظل الرغبة المُشتركة بين أهل المُنتحر في عدم تسجيل أسباب الوفاة باعتبارها انتحارًا؛ خشية الوصم المجتمعي، وأيضًا لمعتقدات دينيّة أو اجتماعيّة تجعلهم يذكرون أسبابًا أخرى للوفاة.

ومع هذه الصعوبات الكبيرة في الرصد والتوثيق، تُشير الأرقام الصادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي إلى ارتفاع نسب الانتحار ارتفاعًا كبيرًا عما كانت عليه في السنوات السابقة، إذ تُشير الأرقام إلى بلوغ عدد المنتحرين عام 2004، نحو 60 حالة فقط، أما في عام 2014 فبلغت نحو 143 حالة، وعام 2015 وصلت إلى 141 حالة، وعام 2016 فاقت 100حالة.

كما أوضحت الدراسات الصادرة عن جمعية إدراك (مركز الأبحاث وتطوير العلاج التطبيقي) أنّ نسبة محاولات الانتحار في لبنان قدّرت بنحو 2% من إجمالي عدد السكّان، وهي النسبة التي تُقارِب معدّل نسب محاولات الانتحار في 17 بلدًا الذي يقدر بنحو 2.7%. وأظهرت المعلومات أنّ 10% من الذين حاولوا الانتحار لم يتخطّوا سنّ 18 عامًا، في حين أنّ 58% تراوحت أعمارهم بين 18 و34 سنة.

يُفسر الطبيب والباحث في علم الدماغ السلوكي أنطوان سعد لجريدة «النهار اللبنانية» هذه الأرقام بالقول: إن «الإقدام على الانتحار يرتبط بالعمر، فيكون بأعلى درجاته في فترة المراهقة أي بين 15 و25 عامًا كما بعد سن 65 عامًا. لينقسم قرار الإقدام على الانتحار إلى: أفكار، ثمَّ النية، لتليه خطَّة، ليحقق من خلالها هدفه».

يُذكَر أن القانون اللبناني يعاقب كل من يشارك أو يحرّض على الانتحار وفقًا للمادة 553 من قانون العقوبات، التي تنص على أن «من حمل إنسانًا بأي وسيلة كانت على الانتحار، أو ساعده على قتل نفسه، عوقب بالاعتقال 10 سنوات على الأكثر إذا تم الانتحار».

إحدى وقائع هذه الحالات، ما تعرض له سائق سيارة عمومية في مدينة صيدا، بجنوب لبنان، حين تسلق نصبًا موجودًا في ساحة النجمة، وهدّد برمي نفسه من أعلى، قبل أن ينجح أحد الموجودين في التسلل، ورمي الرجل إلى أسفل، وإفشال محاولة انتحاره بمساعدة رجال الدفاع المدنيّ الذين كانوا في الانتظار مع شباكهم الآمنة.

Embed from Getty Images

لم تكن رغبة الرجل في مفارقة الحياة محض أسباب عصبية، لكنها كانت مرتبطة بضيق حاله المادي، وتعذّر سداد ديون عليه. يقول لجريدة «الأخبار اللبنانية»: «وضع البلد زفت، مديون، ما في شغل»، ويعترف: «فقررت أن أهرب». بجانب الدوافع السابقة؛ شكّلت آثار الحرب الأهلية التي امتدت من 1975 إلى عام 1990 أحد الدوافع الرئيسية لعشرات الحالات ممن أقدموا على الانتحار، إذ لا تزال آثارها عالقة لدى الكثيرين خصوصًا ممن كانوا جزءًا من الأحداث، بصفتهم مسئولين داخل السلطة أو تعرضوا لفقد أحد ذويهم.

إحدى هذه الحالات هو العميد المتقاعد في أمن الدولة سليمان صليبا، الذي أقدم على الانتحار في أغسطس 2016 بتصويب مسدّسه تجاه رأسه، وإطلاق رصاصة استقرت داخله؛ ليودع الحياة، وتنال هذه الواقعة زخمًا إعلاميًّا لم يحظ به وهو في الخدمة العسكرية التي خاض خلالها معارك مهمة، خصوصًا خلال فترة الحرب الأهلية التي عايشها مسئولًا أمنيًّا بارزًا.

ظلت آثار الحرب التي عاشها سليمان عالقة في ذهنه، وأحداثها الجسام تتمثل في حياته، يتذكرها في يومياته العادية، ما جعله يفقد كثيرًا من توازنه النفسيّ، دفعه في النهاية إلى التخلص من حياته بالطريقة التي اختارها.

ليس اللّبنانيون فقط.. حتى الأجانب في لبنان يقبلون على الانتحار

لا تقتصر ظاهرة الانتحار على المواطن اللبنانيّ فقط؛ إذ ترتفع النسبة كذلك لدى العمالة الأجنبيّة ممن يعيشون داخل لبنان، لا سيما الخادمات الآسيويات والأفريقيات، اللاتي انتقلن من بلادهنّ للعمل في المنازل اللبنانيّة.

Embed from Getty Images

صورة لإحدى السيدات الإثيوبيات

وتُشير شهادات عدد من العاملين الأجانب إلى أنّهم يكونون بين خيار العودة للوطن هربًا من جحيم حياة البؤس التي يتعرّضن لها، أو الانتحار في ظل تعصّب بعض اللبنانيين واحتقارهم للخادمات الآسيويات والأفريقيات، وما يتبع ذلك من التعرّض الجسدي لهن، في ظل عدم تمتعهن بحماية قانونية كافية، وانخفاض أجورهن المالية التي قد تصل إلى 100 دولار في الشهر.

وتشترك الخادمات الآسيويات والأفريقيات في مشاكل عديدة يتعرضن لها خلال العمل في لبنان، كانخفاض أجورهن المالية، وعدم تمتعهنّ بحماية قانونية كاملة من خلال إرغام أصحاب العمل لهن على توقيع عقود باللغة العربية تخلو من حقوقهن وأيّة ضمانات، بجانب تعرض الكثير منهنّ للتحرش الجسدي.

واحدة من هذه الحالات التي دفعتها الظروف الصعبة للانتحار، هي الخادمة الإثيوبية في لبنان أليم ديتشاسا. تجاهلت أليم تحذيرات سلطات بلادها من السفر إلى لبنان، وانتقلت للعمل هناك خادمة، تاركة خلفها زوجها مع طفليها في قرية بوراين، الواقعة على بعد 30 كيلومترًا من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

تعرضت أليم لعدد من المشاكل والصعوبات من مالك المنزل الذي تعمل لديه، حتى فوجئت بنشر صور لها عن «تعرّضها للإهانة» على يد مخدومها اللبناني، وهي المسألة التي جعلتها تُقدم على الانتحار للتخلص من هذه الحياة البائسة، لتجنّب آثار هذا الفيديو على زوجها وطفليها بعد مشاهدته.

لميسا أيجيتا، زوج أليم، عبّر عن مشاعره بعدما علم بخبر انتحار زوجته في مقابلة مع «بي بي سي»، وقال: «أشعر بالحزن الشديد. كانت أليم زوجتي وأم أطفالي. إنه أمر مؤلم بالنسبة لي أن أسمع أن ما حدث لها مسجّلًا في شريط الفيديو على الإنترنت. أفضل ألا أشاهده».

وأوضحت دراسة نشرتها «هيومن رايتس ووتش»، في أغسطس من عام 2008، أن عاملات المنازل الوافدات على لبنان يلقين حتفهن بمعدل أكثر من عاملة في الأسبوع، بينما يُقدر عددهن بنحو 200- 250 ألف خادمة من جنسيات أفريقية وآسيوية قدمن إلى لبنان للعمل في البيوت والمكاتب خادمات وعاملات نظافة.

خادمة إثيوبية أخرى أقدمت على الانتحار في ظروف مشابهة لما تعرضت له مواطنتها أليم؛ إذ أقدمت ديشاسا (33 عامًا وأم لطفلين) على الانتحار داخل مستشفى للطب النفسي منتصف مارس (آذار) 2011، بعد أيام من تعرضها لضرب مبرح من رجلين خارج مبنى القنصلية الإثيوبية في بيروت، اتضح بعد ذلك أنهما يتبعان أحد مكاتب استقدام الخادمات.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!